الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / لاتزال آليس .. حين تغادرنا الذاكرة ونصبح كالوعاء الفارغ
لاتزال آليس .. حين تغادرنا الذاكرة ونصبح كالوعاء الفارغ

لاتزال آليس .. حين تغادرنا الذاكرة ونصبح كالوعاء الفارغ

يعد مرض خرف الشيخوخة ” ألزَهايْمَر” والذي قضى على الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ، من أكثر الأمراض شيوعاً وإثارة للقلق مع تقدم الناس في السن، خاصة في غياب أي عقار شافٍ للقضاء عليه ، والسيطرة على عملية التدمير التي يسببها للذاكرة.
وألزهايمر هو مرض حاد في المخ يتميز بالتدهور التدريجي بالخرف وضمور المخ. وسمي باسم عالم الطب النفسي الألماني ألويس الزهايمر ( Alois Alzheimer )، الذي وصف المرض لأول مرة في عام 1907 .
يؤدي مرض ألزهايمر على مدى فترة من الزمن إلى تناقص كامل للذاكرة والإدراك عادة في غضون 7-9 سنوات. فيما يؤدي إلي إحباط شديد، وحزن عميق لأقرباء الشخص على نهاية مأساوية للتعايش.
وتقدر جمعية (ألزهايمر الأميركية)، أن هناك قرابة أربعة ملايين أميركي مصاب بالمرض، مع احتمال تصاعد العدد، كما تتوقع هذه الجمعية، أن يصل العدد إلى 14 مليون مصاب في أميركا في منتصف القرن الحالي، في حال لم يتم إيجاد علاج له، وذلك حسبما نقلت وكالة الأسوشيتد برس.
السينما الاميركية بدورها ، عالجت هذا المرض اللعين ، حيث تذخر مكتبتها بالعديد من الأفلام التي تحدثت عن ألزهايمر ، وربما أحد أقرب هذه الأفلام بداية من الالفية الثالثة، هو فيلم ” Iris ” أو ايريس الذي أطل علينا في العام 2001 وقامت ببطولته البريطانية كيت وينسلت، وفي العام 2006 ظهر فيلم ” Away From Her” أو بعيداً عنها، كما ظهر بعدها فيلم ” Amour ” و ” The Notebook” .
ومن الشائع ان ألزهايمر يبدأ في الظهور عند سن الستين، ولكن مخرجا فيلم اليوم، قساة علينا تلك المرة وجعلانا نتعاطف مع نجمة هوليوود جوليان مور ، ونبكي على حالها بعد اصابتها بألزهايمر مع بداية سن الاربعين.
لا تزال آليس (Still Alice): فيلم دراما أميركي من اخراج البريطاني واش وسمورلاند والاميركي ريتشارد غلازر الذي توفي مؤخرا بعد صراعه مع مرض ضمور الأعصاب الذي اصابه عام 2011 ، ولكنه تمكن من مواصلة حياته كمخرج، بتوجيه الممثلين عبر جهاز كمبيوتر صمم لأغراض مماثلة.
الفيلم مقتبس عن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتبة ليزا جينوفا وصدرت عام 2007 ، والتى تمكن من تلخيصها مخرج وكاتب سيناريو الفيلم، وتقديمها في شريط مباشر ومؤلم وحزين إلى حد كبير، حيث كانت معظم المشاهد من وجهة نظر البطلة الرئيسية ، إظهار الحالة النفسية والمزاجية للشخصية وتصرفاتها، ولكن أعتقد أنهما نجحا في مبتغاهما في تقديم فيلم إنساني راق وناجح ، تمكنت من خلاله جوليان مور انتزاع أوسكار افضل ممثلة ، لتجسيدها دور ” آليس هولاند ” الأستاذة الجامعية وإحدى أهم علماء اللغويات في العالم، التى تصاب بألزهايمر المبكر.
قدّمت مور في هذا العمل مايمكن اعتباره أهم وأجمل أدوارها في حياتها المهنية العامرة بالأدوار المهمة، لتثبت مع كمّ الجوائز الكبير التي اكتسحتها في طريقها إلى الأوسكار عن هذا الدور (25 جائزة، و14 ترشيحا)، إذ يختلف الشريط عن قصص الأمراض الجسدية أو النفسية المعتادة ، لأن أحداثه تدور عن مصابة بألزهايمر تروي قصتها بنفسها، وبالتالي فهي ليست شخصية جانبية بل مركزية، لا تغيب عن أي مشهد من مشاهد الفيلم تقريباً، وبالتالي، تبقى في مواجهة الكاميرا طوال مئة دقيقة، وترتبط جميع الأحداث بما تقوم به أو بما تقوله.
ولأداء دورها، لم تعتمد مور على موهبتها فقط ، بل تواصلت مع العديد من المصابين بهذا المرض وتقرّبت منهم، الأمر الذي سمح لها بملاحظة أن أغلب المرضى يحتفظون بملامح شخصيتهم، على الرغم من عدم قدرتهم على التذكّر، وهو ما ساعدها على تقديم دورٍ مخالفٍ لما يعرفه الناس عن هذا المرض بأنه فقدان كلّي للذاكرة فقط.
يشارك مور البطولة كل من ، الممثل أليك بالدوين ، في دور زوجها ” جون هولاند ” وابناؤها الثلاثة ” توم ” الممثل هنتر باريش و ” آنا ” الممثلة كيت بوزوورث و ” ليديا ” وتجسد دورها الفنانة المتألقة كريستين ستيوارت بطلة سلسلة افلام ” Twilight” .
أداءات جميعها رائعة ، وخصوصا بالدوين ، الذي كان صلبا امام مرض زوجته التى لايستطيع تقديم العون لها ، حنونا مخلصا ومشفقا عليها ، كما لا ننسى دور ستيورات ، التى وفقت جدا في أداء شخصية البنت الصغرى ليديا ، الجافّة في ظاهرها في أغلب الأحيان إلى حد إظهارها فظّة وخصوصا في تعاملها مع أمها غير مدركة تماما الحالة التي أصبحتها تلك الأم عليها، قبل أن تكشف عما يخبئه ذلك الجفاء من مشاعر حميمية دافئة وحقيقية تجعلها الأقرب والأكثر التصاقا بأمها في أكثر لحظات مرضها صعوبة، ولتثبت أنها كانت ناجحة تماما ومدركة لأهمية هذا الدور الذي قد يعتبره البعض أقل من النجومية التي وصلت إليها مؤخرا.
وإن كان علينا ألا ننسى الإشادة بلفتة المخرج ومختصي الأزياء حول ملابس مور إذ ظهر واضحًا الفرق بين أناقتها في النصف الأول من الفيلم حين كانت تختار ملابسها بنفسها ثم ملابسها العادية جدًا في النصف الثاني حين أصبح هناك من يختار لها ما ترتديه.
……………………………..

احداث
تبدأ أحداث الفيلم من مشهد الاحتفال بعيد ميلاد آليس الـ40، وسط عائلتها الصغيرة زوجها جون الطبيب والباحث، ابنها توم الطالب بكلية الطب، ابنتها المحامية آنا وزوجها، وذلك في غياب ابنتها الصغرى ليديا التي ترفض الإلتحاق بالجامعة وتبتعد عنهم كي تصبح ممثلة في لوس أنجلوس ، ليطل الصباح عليها وهي تلقي محاضرة على جمع كبير من الطلاب والعلماء، عن العلاقة بين الذاكرة والحساب وتتوقف لحظة تحاول أن تلملم مفرداتها التي شعرت حسب وصفها أنها سقطت منها .
تشك آليس أنها مصابة بورم في الدماغ ، فتقرر التوجه الى طبيب أعصاب والذي يطلب منها العديد من الأشعة والتحاليل، ثم يُخبرها أن نتائجها تُشير إلى احتمالية إصابتها بمرض الزهايمر المُبكر حيث من النادر أن يصيب من هم في مثل عمرها.
تُخفي آليس القصة عن أسرتها، إلى أن تتوه فجأة أثناء ركضها، وحين تجتمع الأسرة للاحتفال تنسى أنها قامت بالترحيب بصديقة ابنها فور وصولها فترحب بها مرتين ، وهو ماتلاحضه ليديا .
هنا تُقرر آليس إخبار زوجها، فتوقظه ليلًا لتقص عليه حكاية مرضها غير أن زوجها يرفض أن يُصدق خاصة وأنها لم تتأكد بعد من التشخيص، لتنهار آليس وتبكي بهيستيريا لشعورها بالخوف من المجهول وماهو في انتظارها.
وفي زيارتها التالية للطبيب يؤكد لها إصابتها بالمرض بالفعل قائلًا إن مشكلة ألزهايمر مع ذوي التعليم العالي أن عقلهم يستطيع التحايل على أعراض المرض فلا تظهر بوضوح، كما أن البعض يُفسر النسيان بأنه أحد أعراض الشيخوخة لا أكثر.
في الوقت نفسه يُخبرها أن ظهور المرض مُبكرًا يعني أنه انتقل إليها جينيًا وأنه من المحتمل أن يكون قد انتقل لأولادها ، لذا عليهم عمل التحاليل اللازمة للتأكد.
تضطر بعدها أليس إخبار أولادها بالحقيقة وتأسف جدا لكونها السبب فيما من الممكن ان يمروا به، خاصة وأن ابنتها الكبرى حامل، وبالفعل تقوم آنا بإجراء الفحوصات لتكتشف حَملها للجِين ، أما ابنها فتأتي نتيجته سلبية في حين ترفض ليديا أن تكتشف إذا ما كانت حاملة له أم لا.
……………………………..

معاناة وألم

مع مرور الوقت تبدأ حياة آليس في التداعي، إذ تنسى الكلمات في المحاضرات فيأتي تقييم الطلاب لها سيئًا بنهاية الفصل الدراسي ما يجعلها تترك عملها الذي لطالما أفنت فيه حياتها. المرأة التي عملها كله يتعلق بأهمية اللغة في التواصل، جاءها المرض الذي يجعلها تفقد إمكانية التعبير بالكلمات، لتخسر كل ما حاربت لأجله ، وهو عبرت آليس به عن غضبها لزوجها في إحدى المرات قائلة ” انها تتمنى لو كانت مُصابة بالسرطان” على الأقل لم تكن لتشعر بالخزي من نفسها حيث إن وقتها سيكون جسدها هو المريض وليس عقلها.
ومع تدهور حالة آليس وزيادة معدل النسيان، تلجأ لتطبيقات على هاتفها تقوم من خلالها بتدوين بعض الأسئلة التي عليها إجابتها كل يوم في ميعاد محدد، أسئلة بسيطة وبديهية مثل أسماء أولادها، شهر ميلادها لترى إذا ما كانت ستتذكر أم لا.
تتوالى أحداث الشريط ، وتتوالى معها معاناة وألم آليس في مشاهد تثير مشاعرنا الانسانية ، عرفنا فيها ان الامور قد بدأت فعلا في الخروج عن السيطرة ، مثل تلك التى تُحاول فيها الذهاب للحمام في منزل الشاطئ الخاص بأسرتها لكنها تنسى مكانه فتضطر أن تُبلل ملابسها وتقف باكية كالأطفال ، وتلك التى تحضر فيها عرضًا مسرحيًا لليديا، ثم تُقابلها بعد العرض فتتعامل معها كما لو كانت تتحدث مع ممثلة ناسية تمامًا أن تلك الفتاة هي ابنتها الصغرى!
يحصل جون على فرصة عمل في ولاية مينيسوتا ويضطر لقبولها لتحسين وضع أسرته المالي، لكن العائلة ترفض انتقال الأم مع الأب إلى مقر العمل الجديد على الرغم من فقدها الذاكرة تدريجياً ، فتستعين الأسرة بخادمة خاصة لرعاية آليس، وتطلب منها ليديا محادثتها على الـ “السكايب” للإطمئنان عليها دوما .
جمعية مرضى ألزهايمر التعاونية، تقوم باستضافة أليس ، وفي مشهد مؤثر اخر ، تلقي أليس خطابا حزينا، تتحدث فيه عن كيف أن الفقد شيء قد يحدث لنا جميعًا، كذلك النسيان، غير أن مرضى الزهايمر عليهم التعامل مع الفقدان طوال الوقت. فقدان الكلمات، فقدان النوم، فقدان الأشياء، وفقدان الذاكرة. ومن رأيي فقد نجحت مور في إشعارنا بمحاولاتها ممارسة حياتها الطبيعة رغم المرض، فطريقة قراءتها للخطاب بدت ذكية ، حيث قامت بالتخطيط على السطور، لتعرف أنها قرأت هذا السطر من قبل فلا تعيد قراءته، وهي محاولة منها للتغطية على القصور الذي تعاني منه نتيجة المرض، ولكن بلا فائدة، فالنهاية معروفة.
يمر الوقت وتصبح آليس عاجزة عن إجابة أسئلتها اليومية إجابات صحيحة ، وخلال محادثتها مع ليديا ، ترسل لها الاخيرة ملفاً مملوءاً بالصور، وعندما تحاول تصفحه تفتح عن غير قصد ملف فيديو كانت سجلته سابقا ، وهي في أولى مراحل مرضها حين كانت متزنة وقادرة على استجماع تركيزها.
على الشاشة الصغيرة، تخبرنا أليس الأقدم أن معنى مشاهدتها للفيديو الآن أنها وصلت مرحلة سيئة من المرض؛ لذا عليها الذهاب لحجرتها لمكان بعينه ستجد فيه علبة من الدواء عليها أن تبتلع أقراصها كاملة مع الماء ثم تذهب للنوم دون أن تُخبر أي شخص بما هي فاعلة.
وتنطلق في تنفيذ ما يمليه عليها تسجيل الفيديو، ويفتح ابنها باب المنزل الأمامي فجأة مخاطباً إياها فترتبك وتسقط الحبوب من يدها على أرضية الحمام وتنتهي محاولتها للانتحار التي تنساها على الفور.
تنتقل ليديا بعدها لتقيم مع والدتها التى بدت شاردة وتحول وجهها الى وجه خالٍ كعقلها، وجه بليد بلادة الأطفال. ليديا تقرر عدم التخلى عن أليس رغم علاقتها المتأزمة معها التى يصورها الفيلم في البداية ، تظل تبحث في علاقتها معها عن شيء قد يتخطى حدود الذاكرة والإدراك. ربما هو الحب كما تعلّق آليس حين تقرأ لها ابنتها أحد المقاطع من مسرحية ملائكة في أميركا، ويتحدث عن أرواح البشر المحلقة نحو السماء كما لو كانوا أشخاصاً يهبطون بمظلات لكن بعكس اتجاه الجاذبية الأرضية. وحين تنتهي من القراءة تسأل والدتها عن ماذا كان يتحدث المقطع الذي قرأته عليها، فتصمت آليس لوقت طويل وتحاول بصعوبة استجماع تشكيل كلمة لكنها تنطق في النهاية ” إنه يتحدث عن الحب” .
تغرق آليس في الماضي الذي لا تميزه عن الحاضر، فتمزج بين ابنتها وشقيقتها وأمها اللتين فقدتهما لما كانت في الثامنة عشرة. تعيد تخيل الذكرى السعيدة نفسها وهن يلعبن على الشاطئ.
” لاتزال اليس” فيلم إنساني وعاطفي من الطراز الأول، سينتهي على الشاشة إلا أنه لن ينتهي في عقل المُشاهد ، فهو شريط حاله، يخلو من الاحداث الكبيرة او الصاخبة.
أداء جوليان مور بحد ذاته حكاية تروى ، حيث تحاشت الوقوع في فخ الميلودراما، بل ربما تعمدت الاقتصاد في الانفعالات، لا تعبر عنها بالصراخ، ولكن بمجرد لفتة، ونظرة عين، حائرة تارة، تائهه تارة، تداري حزنها في معظم الاحيان، وتحاول الابقاء علي ابتسامة لا تتلاشي الا في المواقف العاصفة ، وفي النهاية اقول انها تستحق الاوسكار بجدارة .

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى