الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : حقيقة استراتيجية أوباما والانتكاسات التكتيكية

شراع : حقيقة استراتيجية أوباما والانتكاسات التكتيكية

خميس التوبي

لم تدم طويلًا “إشاعة” تغيير الولايات المتحدة استراتيجيتها لمواجهة تنظيم “داعش” الإرهابي بُعيْدَ سقوط مدينة الرمادي العراقية ومدينة تدمر “لؤلؤة الصحراء” السورية بيد إرهابيي التنظيم، حتى جاء النفي على مرحلتين الأولى على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض الأميركي إيريك شولتز بقوله: “سنواصل تنفيذ الاستراتيجية التي حددها الرئيس (باراك أوباما)، والمتمثلة في بناء قدرات القوات المحلية على الأرض في العراق وسوريا، لنقل الصراع إلى الأراضي التي يتواجد عليها داعش”. والمرحلة الثانية جاءت على لسان رجل البيت الأبيض ذاته الرئيس باراك أوباما وذلك حين اعتبر سقوط المدينتين العراقية والسورية “انتكاسة تكتيكية” ولا تعني إخفاقًا لاستراتيجيته، مُلْقيًا باللائمة على قوات الجيش العراقي التي وصفها بأنها “قليلة التدريب والتنظيم”.
إن هذا النفي الأميركي المصحوب بالتبريرات “الانتكاسية” التي تصل إلى درجة الافتضاح، يؤكد الثابت من الحقائق حول الدور الأميركي خاصة والتحالفات ومعسكرات التآمر والعدوان التي تقودها واشنطن في المنطقة لمواصلة ما يسمى “مشروع الشرق الأوسط الكبير” الذي أعلنت عنه القابلة الأميركية كونداليزا رايس في صيف العام 2006م إبان العدوان الصهيوني الغاشم على لبنان، ما يثبت أيضًا الحقيقة المتكونة أن الإدارة الأميركية اللاحقة تواصل تنفيذ الاستراتيجيات وتحقيق أهدافها التي باشرتها الإدارة السابقة على النحو الماثل بين إدارتي الرئيس المحارب “الصغير” جورج بوش، والرئيس الحالي باراك أوباما الذي يستعد لحزم حقائبه وأمتعته مُوَدِّعًا وتاركًا استراتيجيته لمواجهة “داعش” لتستكمل تنفيذها وتحقق أهدافها الإدارة القادمة التي سيكون جيب بوش أخو الرئيس السابق جورج بوش أحد المتنافسين على قيادتها. ومن بين هذه الحقائق الثابتة التي أكد عليها النفي والتبرير الأميركيين بصورة غير مباشرة:
أولًا: ليست هناك استراتيجية أميركية أساسًا لمحاربة “داعش” حتى يتم تعديلها وتغييرها، فكل معطيات الواقع تؤكد عكس ذلك، بدءًا من قيام الطائرات الأميركية خاصة وطيران التحالف عامة بتزويد إرهابيي “داعش” بالسلاح والمؤن، وبالمعلومات الاستخبارية وإحداثيات التحرك، مرورًا بتحرك جحافل تنظيم “داعش” وراجلاته وناقلات إرهابييه وأسلحته على أرض ممتدة من العراق إلى سوريا والعكس جيئةً وذهابًا وتحت سماء مغطاة بطيران تحالف يصل تعداده حوالي ستين دولة، وبأقمار صناعية صهيو ـ أميركية، وانتهاءً برفض أي قوة إضافية تسند الجيشين العراقي والسوري والتلويح باستهدافها كما حصل في العراق مع الحشد الشعبي، وفي سوريا مع حزب الله.
ثانيًا: تعويم إرهاب “القاعدة” كبضاعة فاسدة وقاتلة، وإعادة إنتاجه وتعليبه على شكل عصابات وبمسميات ترويجية مغرية مثل “داعش والنصرة والجيش الحر ـ الذي أصبح جيوشًا انضوت وذابت مع داعش النصرة ـ والجبهة الإسلامية وجيش الإسلام ولواء المثنى وأحرار الشام وغيرها وأخيرًا جيش الفتح”، وتقديم هذه البضاعة الفاسدة القاتلة إلى الشعوب العربية وخاصة المستهدفة في صيغ مخادعة ومنافقة من قبيل “المعارضة المعتدلة، والدعم والمساندة، ونشر الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، والدولة المدنية”، مع حملات دعائية تحريضية تشويهية عارمة وغير مسبوقة ضد كل من يقف أمام هذه البضاعة الفاسدة على النحو الذي حصل مع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، ويحصل الآن مع الرئيس السوري بشار الأسد لكون سوريا تمثل حاليًّا الحلقة الأخيرة المستعصية عن الفك في سلسلة الدول العربية المستهدفة بالتفكيك والتدمير والتخريب. وفي الأهداف الاستراتيجية وبمنظور واقعي وموضوعي، تبرز كل تلك المسميات المعلبة الآنفة الذكر على أنها مجرد خدم في إنجاز المشروع الصهيو ـ أميركي المسمى “الشرق الأوسط الكبير”، فمن ينظر إلى ليبيا كواقع ليست سوى اسم يتداول في نشرات الأخبار، والتي أعلنت فيها المنتجات “الليفية” (نسبة إلى راسم خريطة التدخل والتدمير في ليبيا الصهيوني برنارد هنري ليفي) و”الناتوية” (نسبة إلى حلف الناتو) تقسيم كعكة النفط بين دول الاستعمار الامبريالي الغربي وتقسيم ليبيا إلى أقاليم قبل أن تخمد نيران قنابل حلف شمال الأطلسي وقذائف تلك المنتجات وقبل أن ينقشع دخانها، وكذلك الحال مع العراق الذي أعلن غزاته دون حياء أو وجل عن تقسيمه إلى أقاليم بعد أن أدموه وقطعوا جسده بإرهابهم “بضاعتهم الفاسدة” الماثل في تنظيم “داعش” الإرهابي.
إذًا، ما يفهم من تبريرات الرئيس أوباما في معرض تعليله لما حدث في الرمادي وتدمر، أن ثمة استراتيجية أميركية لاستكمال مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير”، فاستراتيجيات الحرب تتبدل وتتغير وفق تطورات الميدان لاسيما إذا كانت كفته لا تميل لصالح واضع الاستراتيجيات، ونفي حصول أي تبديل أو تغيير يعني أن هذه الاستراتيجيات وأهدافها ماضية حسب ما هو مرسوم لها، فضلًا عن الإلمام التام بحقيقة الميدان وأوضاع المناطق من حيث الحماية وعديدها، ويظهر ذلك بوضوح فيما قاله أوباما “إن الرمادي لم تكن محمية منذ فترة طويلة لأن قوات الأمن العراقية الموجودة هناك، لم تكن من تلك القوات التي قمنا بتدريبها، وتعزيزها”، مجددًا تأكيده أن سقوط المدينة “لا شك في أنه انتكاسة تكتيكية”. الأمر الذي يؤكد أن ما يجري في العراق وسوريا هو استراتيجية إدارة الإرهاب وليس استراتيجية محاربته، إذ لا يستساغ عقلًا ولا منطقًا ولا موضوعًا الإعلان عن محاربة “القاعدة” التنظيم الأم، في الوقت الذي يتم فيه تبني مشتقاته من “داعش والنصرة وغيرهما” ودعمها وتسخير مقدرات دول عظمى وتابعة من استخبارات وأسلحة لها.
على أن السؤال الأبرز الذي يفرض ذاته هو: ما علاقة إبادة البشر والحجر والشجر، وجرف جميع التراث الإنساني والحضاري والرموز التاريخية من تحت الأرض وفوقها، بمزاعم “دعم الشعوب العربية وخاصة الشعبين السوري والعراقي” لتحقيق تطلعاتهما وتلبية مطالبها، وسط هذه الموجات “السونامية” من الإرهاب، وملاحقة الناجين منها في عرض البحر؟ وهل الديمقراطية الغربية والحرية وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية تتم عبر الإرهاب وإبادة البشر ومظاهر الحياة والحضارة كافة؟ وأين المغيبون والمعزولون عن الواقع من كل ذلك والذين لا يزالون منبهرين بدعايات المستعمرين الامبرياليين وأذنابهم وتجار الحروب والاستعمار؟

إلى الأعلى