الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “التوريث” .. انتكاسة اجتماعية في مصر

“التوريث” .. انتكاسة اجتماعية في مصر

محمد عبد الصادق

”.. وزير العدل المستقيل, والذي استنكف وصول ابن عامل النظافة لمنصة القضاء كان أبوه فلاحاً بسيطاً, واستطاع رغم ذلك إلحاق ابنه بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية في عصر عبد الناصر , بعدما تلقى تعليما مجانياً بالمدارس الحكومية في خمسينيات القرن الماضي , واستطاع بمجهوده وتفوقه الحصول على تقدير جيد جداً واجتياز اختبارات النيابة والالتحاق بالسلك القضائي في عام 1965م,”
ــــــــــــــــــــــــــــ
واقعة وزير العدل المصري المستقيل بسبب تصريحه الصادم عن عدم أهلية ابن عامل النظافة للالتحاق بسلك القضاء, أثارت كثيراً من التساؤلات عن الأزمة المجتمعية التي تمر بها مصر منذ سنوات, خصوصاً بعد إسناد حقيبة العدل لرئيس نادي القضاة الذي طالب بتخصيص حصة (كوتة) لأبناء القضاة واستثنائهم من شرط التقدير للالتحاق بالنيابة العامة, ومن أبرز أعراض الأزمة التي تعيشها مصر: هي الانتكاسة أوالردة الاجتماعية التي يعيشها المجتمع, ونشوء نظام طبقي قائم على أسس غير منطقية, تراجعت فيه قيم العدل والمساواة والكفاءة , وشاعت الواسطة واستفحلت المحسوبية لتكونا ـ ضمن الوسائل التي يتم عن طريقها تقييم أفراد المجتمع.
فوزير العدل المستقيل, والذي استنكف وصول ابن عامل النظافة لمنصة القضاء كان أبوه فلاحاً بسيطاً, واستطاع رغم ذلك إلحاق ابنه بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية في عصر عبد الناصر , بعدما تلقى تعليما مجانياً بالمدارس الحكومية في خمسينيات القرن الماضي , واستطاع بمجهوده وتفوقه الحصول على تقدير جيد جداً واجتياز اختبارات النيابة والالتحاق بالسلك القضائي في عام 1965م , دون النظر لوضعه الاجتماعي ولا مكانة والده ولا عائلته البسيطة.
وللأسف: ما قاله وزير العدل المستقيل هو “الحقيقة المرة” دون تجميل , فالنخبة الحاكمة , وكبار المسؤولين في مصر الآن هم نتاج الحراك الاجتماعي الذي أحدثته ثورة 23 يوليو 1952م في بنية المجتمع المصري ؛ حيث استفادوا من الفرص التي أتاحتها الثورة للجميع ؛ والتي أنصفت العمال والفلاحين وساوت بين الأغنياء و الكادحين و انتشلت السواد الأعظم من المصريين في ذلك الوقت من وهدة الفقر وغياهب الجهل و المرض , وأتاحت لأبناء الفقراء الحصول على التعليم المجاني , وأرسلت المتفوقين منهم في بعثات إلى أميركا وأوروبا للحصول على الماجستير والدكتوراه والعودة لخدمة الوطن , ومن هؤلاء كان أحمد زويل صاحب نوبل , وفاروق الباز مستشار وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” ومجدي يعقوب جراح القلب العالمي , وغيرهم من نوابغ القانون والهندسة والطب و السياسة والاقتصاد الذين تولوا أرفع المناصب خلال الأربعين عاماً الماضية .
ولكن نسي كثير من هؤلاء أصولهم و تخلصوا من ماضيهم , وقفزوا إلى قطار الطبقية وأعلنوا أنفسهم طبقة مميزة يحظر الاقتراب منها أو اختراقها , فاحتكروا الوظائف التي دخلوها بالكفاءة والعدل ؛ ليحولوها إلى وظائف “ملاكي” لأبنائهم , وأغلقوا الباب في وجه الأجيال الجديدة مهما كانت كفاءتهم , وحرموا هذه المؤسسات من كوادر علمية مؤهلة ربما كانت ستضيف من علمها وحماسها لهذه الوظيفة , مما أثر سلباً على أداء هذه الجهات , وأحدث حالة من اليأس والإحباط وتراجع الانتماء بين الشباب , ودفع معظمهم للهجرة أو الانخرط في أنشطة معادية للدولة التي لم يروا منها سوى التهميش والإهمال.
وبسبب الأزمة الاقتصادية التي تشهدها مصر وندرة فرص العمل, أصبح كل أب يحمل ابنه حديث التخرج “على كتفه”, ويطوف به على الشركات والمصالح الحكومية ليبحث له عن وظيفة, وعندما توصد الأبواب في وجهه, يتجه لمديره في العمل يستعطفه لتعيين ابنه في نفس وظيفته التي شارف على تركها بعد وصوله لسن المعاش إكراماً له بعد سنين الخدمة الطويلة، وإذا رفض المدير, أو كان لا يملك صلاحية تعيين الابن, لا مانع من أن يفترش الأب الأرض أمام مكتب المدير ويعلن الاعتصام, وربما يصل الأمر للإضراب عن الطعام حتى يتم الاستجابة لطلبه ويُعين ابنه.
لذلك وجدنا في السنين الأخيرة؛ ابن أستاذ الجامعة معيداً في نفس الكلية, وابن القاضي وكيلاً للنيابة, وابن ضابط الشرطة طالباً في كلية الشرطة, واحتل أبناء العاملين الأماكن الشاغرة في البنوك الحكومية والمؤسسات الصحفية, والهيئات الرقابية والمحاسبية والمصانع والشركات المرموقة, وغلقت الأبواب في وجه بقية طوائف الشعب دون النظر لكفاءة أو تفوق علمي.
وأذكر أنني توجهت لعيادة طبيب عظام مشهور له عيادة في وسط القاهرة؛ بناء على نصيحة صديق والذي أفهمني أن هذا الطبيب يمتلك 50 سنة خبرة في تخصص العظام كفيلة بأن يشخص حالتي ويصف لي العلاج المناسب .. توجهت للعيادة ودفعت “الفيزيتا” الباهظة, وانتظرت دوري في العيادة المكتظة بالزبائن ودخلت غرفة الكشف لأفاجأ بشاب لا يزيد عمره على 30 عاماً يرتدي البالطو الأبيض ويجلس على المكتب الخشبي العريق .. قلت ربما يكون مساعد الطبيب الكبير, ولكنه بادرني بالسؤال عما اشتكي منه .. واكتشفت أنه ابن الطبيب الكبير الذي اعتزل المهنة وورث ابنه العيادة و” العيانين” و “الفيزيتا”.
هذه الطبقية الاجتماعية لا تستقيم في دولة90 % من مواطنيها فقراء, وجميع رؤسائها بعد ثورة يوليو 1952م من أسر بسيطة, فمحمد نجيب كان ابن ضابط صف ( بدأ عسكري وترقى حتى وصل لرتبة ضابط) وجمال عبد الناصر كان أبوه ساعي بريد وعندما تقدم للكلية الحربية في عام 1936م, كانت مصر تحت الاحتلال البريطاني, واجتاز الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه ابن موظف بسيط وحفيد فلاح أجير لا يملك أرضاً , ولا يملك واسطة, فاضطر للالتحاق بكلية الحقوق, وعقب معاهدة 1936م والتي نصت على زيادة عدد ضباط الجيش المصري, أسقطوا شرط اللياقة الاجتماعية, فالتحق ناصر بالدفعة الاستثنائية التي قبلتها الكلية الحربية في مارس 1937م .
وهو الأمر الذي استفاد منه أيضاً أنور السادات ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين تبوأوا بعد ذلك أهم المناصب وأرفع الوظائف في مصر, فأنور السادات كان والده كاتباً صغيراً بالمستشفى المصري العسكري بالسودان, وكانت أمه ربة بيت من أصول سودانية, وعانى الأمرين حتى يكمل تعليمه ويلتحق بالكلية الحربية, بنفس دفعة جمال عبد الناصر.
وحسني مبارك كان أبوه موظفاً “حاجب” بمحكمة طنطا براتب أقل من 5 جنيهات, وتوفي عقب خروجه للمعاش, وترك أسرته تكابد العيش بجنيهات بسيطة, ورغم ذلك استطاع مبارك الالتحاق بالكلية الحربية والتخرج منها عام 1949م ومن ثم الالتحاق بالكلية الجوية والتخرج بعد عام برتبة ملازم أول.
أما محمد مرسي العياط أول رئيس منتخب بعد ثورة يناير والرئيس الخامس لمصر الذي أطاحت به وبنظامه ثورة 30 يونيو 2013م, فكان أبوه فلاحاً فقيراً استفاد من قانون الإصلاح الزراعي الذي سنه عبد الناصر بعد أشهر قليلة من قيام ثورة يوليو, ونُشرت لأبيه صورة في احتفالات عيد الثورة الأول وهو يتسلم عقد امتلاك 5 فدادين من جمال عبد الناصر, وتلقى مرسي تعليمه في مدارس الحكومة المجانية, والتحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة وتخرج فيها في السبعينيات, وبسبب تفوقه تم ابتعاثه على نفقة الجامعة لدراسة هندسة الفيزياء في أميركا, وعاد من هناك بعد حصوله على الدكتوراه ليعين أستاذاً بالجامعة.

إلى الأعلى