الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. فاذكروني أذكركم!

رحاب .. فاذكروني أذكركم!

أعجب كثيرا بشيخ تجاوز الثمانين من العمر، يمشي بهمة ونشاط وحيوية من بيته التي تبعد عن المسجد حوالي نصف كيلومتر في منطقة السعادة بصلاله، ليؤدي جميع الصلوات المفروضة في المسجد. يأتي بكامل هندامه، بلباسه الأبيض، تفوح منه روائح العطر، يحرص كثيرا على مظهره وأناقته، أرى ذلك في لحيته المهذبة وفي شنبه المحفوف دون أن يخالط شعره سواد مصطنع. ألاحظ حيويته وطاقته وقوته في خطواته السريعة، وأشعر بذلك في قوة يده عندما أصافحه بعد الصلوات، وخاصة بعد صلاة الفجر. ألاحظ ذلك في عينيه اللتين تنبضان بقوة الحياة، وفي وقاره الذي يلبس الوعي والاتزان. لا أكاد أن أشعر يوما بأن هذا الرجل تجاوز الثمانين، بالرغم من أن بعضهم يعتقدون بأنه تجاوز التسعين.
تتبعت سيرة ذلك الشيخ الوقور، فعلمت أنه من المصلين ومن الذاكرين الله كثيرا. وهو ممن يحرص على فعل الخيرات وعلى العمل التطوعي الفردي والجماعي، كما أنه يعالج الناس علاجا شعبيا، منذ سنوات طويلة صار الرجل يعيش من أجل الآخرين، يوزع وقته بين العبادة وعمل الخير، وألاحظ الخير يتدفق في حضوره، في اقباله وفي إدباره، أرى هالته النقية، اشعر بجلاله اقباله عندما يدخل من باب المسجد.
حللت هذه الحالة إلى عناصرها الدقيقة، اين المعرفة فيها؟ أين البعد الروحي فيها؟ اين الحركة والحيوية؟ اين الجانب الجسدي والمادي؟ كنت أبحث عن هذه الخصائص في ذلك الرجل الذي أحاول أن أتعلم منه، وأنقل تجربته لكي يدرسها المعالجون والتربويون ولكي يستفيد منها الذين يبحثون عن الحياة السعيدة الآمنة، ولكي يفيد منها من يحرصون على ديمومة الطاقة. وعلى ضوء ما درست وقرأت وبحثت في علوم الطاقة وعلاقة الطاقة بالعقل والفكر، درست حياة الرجل من خلال بعدين؛ البعد الفردي الشخصي الذي يتمثل في الأنا. الأنا الخاضعة للزمن، المثقلة بتجارب الماضي، الأنا الخائفة من المستقبل، الحزينة على ما مضى، الأنا المضطربة الكارهة الحاسدة أحيانا، الأنا التي تمثل وجود الشخص كفرد، كإنسان يعتمد تماما على وعيه الفردي وعلى قياسه للأمور وعلى تجاربه الذاتية وعلى خبراته الشخصية وعلى رأيه واستنباطاته الأنا التي تمثل الأنانية أحيانا، وتمثل الحياة الدنيا، والركض وراء المكاسب المادية، وربط تحقيق السعادة وتحقيق الذات بذلك. وهذا البعد من الشخصية يمثل مجالا ضيقا جدا من وجود الإنسان وكينونته، هذا البعد من الشخصية هو عرضة للتأثر بالظروف التي تحيط الشخص، هو مرآة للمخاوف والإخفاقات، والأحزان، ووجود الإنسان في هذا المجال يقيد وعيه فيصبح وعيا محدودا يعتمد على الإدراك الحسي وعلى القياس المنطقي وعلى التجارب، وفي هذا السياق، فإن الشخص قد ينسب الفضل إلى نفسه، ويعزو النجاح والاخفاق إلى عوامل ذاتية ملكات أنوية، وبالتالي تتعرض حياته إلى حالة من الضيق ومن لوم الذات والحسرة والشعور بالفاقة. والبعد الآخر هو الوعي الروحي للوجود، هو الشعور بالله والتواصل معه والاقتراب منه وكسر الحواجز بين الشخص وخالقه. ومن خلال هذا الوعي فإن الفرد يتمتع بطاقة روحية عالية، من خلال تواصله مع الله سبحانه وتعالى؛ تتجدد طاقته الروحية، باعتبار أن الروح نفحة ربانية مطلقة غير خاضعة للزمان والمكان، شفافة، نورانية، تتصل بكل شيء دون أن تعي ذلك. ولكي يستفيد منها الإنسان، فإن الخالق عز و جل بين لنا المنهج ووضع لنا الدليل الذي إذا عملنا به، نكون متصلين بالمطلق، من خلال تواصل الروح مع مصدرها الطبيعي (الله سبحانه وتعالى). يقول الله سبحانه وتعالى: ” فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون” (152 سورة البقرة). ويقول الله تعالى في الحديث القدسي: ” أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني..) ما يظهر أن الطاقة الروحية الفائقة يزداد منسوبها ويقوى تأثيرها بذكر الله والتفكر فيه والاقتراب منه بالفروض ثم بالنوافل وتطهير الذات، والتخلص من الأنانية والتحرر من الوعي الفردي إلى الوعي الرباني، وهذا سر تمتع ذلك الشيخ وأمثاله بتلك اليقظة الروحية والقوة الحيوية والحياة السعيدة.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى