الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. قضية المتقاعدين .. واشكالية الفكر الحكومي

العين الثالثة .. قضية المتقاعدين .. واشكالية الفكر الحكومي

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

هل اختلف تفكير الفاعلين الحكوميين الحاليين عن نظرائهم السابقين؟ التساؤل يفتح مسارين زمنيين تاريخيين مهمين في مسيرة بلادنا الحديثة، ورغم أن الكثير لا يحبذ التلويح بأحدهما على وجه الخصوص، الا أننا نصر على استحضارهما معا للزوم المقارنة من جهة ولدواعي فهم ومعرفة حجم المنجز في التحولات الفوقية والتحتية التي طرأت في بلادنا من جهة ثانية، ولأن فرضة المسار الزمني (المزعج) قد خرج من رحم إكراه داخلي قوي، أنتج وقائع ومعطيات جديدة وغير مسبوقة بعد التجاوب الارادي والطوعي لسلطتنا السياسية، التي حولت بذكاء سياسي فريد من نوعه، الاكراه الى خيار وطني مجمع عليه من السلطتين السياسية والمجتمعية، فكيف ينبغي أن ننسى أو نتناسى هذا الانجاز الوطني من جهة ثالثة؟
من هنا نتساءل، هل هناك فعلا اختلاف جوهري في تفكير الفاعلين الحكوميين قبل عام 2011 وما بعده أم ظل الشىء نفسه ساريا رغم التحولات والمتغيرات الكمية والنوعية؟ وهل يمكننا أن نعزي أية اخفاقات تنفيذية الى ما يطرحه التساؤل الاول من إشكالية وطنية؟ والتفكير المقصود هنا، هو القدرة على تقييم الواقع والحكم عليه من خلال الحواس وسابق المعرفة عبر عقل يصلح لإصدار الحكم.. وللاجابة على التساؤلات، دعونا نتأمل قضية عدم الرضا الاجتماعي عن عدم تنفيذ مجموعة أوامر سامية قديمة وحديثة، ونخص بالذكر هنا، علاوات طبيعة العمل، وتوحيد منافع التقاعد لموظفي الخدمة المدنية وفق نموذج شئون البلاط السلطاني، وعدم ترقية دفعات 2009 وما بعدها، نتأمل عللها الحصرية في قضية التفكير الحكومي المناط بتنفيذ الأوامر، فهو لم يتغير رغم التغيير الشمولي الذي عم كل شيء من حوله، فقد ظل متمسكا بنفس الفكر المولد للتفكير ومنتوجاته الذي كان ينفذ السياسات والتوجهات طوال مرحلة ما قبل احداث عام 2011، تشكيل لجان، واللجان تغرق في الدراسات … مما بدأ لنا التفكير في واد والتحولات والتطورات في واد آخر، وهذه اشكالية تختزل كل القضايا التي يدور حولها جدال أو استياء اجتماعي، فالفريق الجديد المكلف بتطبيق الاوامر والسياسات والاستراتيجيات الجديدة لم يخرج من عباءة ومرجعية فكر الفريق السابق، هذا تشخيص للواقع إذا اردنا التغيير المنشود، فالفريق السابق كان ينظر للمتقاعدين برؤية فكرية خارج سياقات حمولتها الاجتماعية والانسانية والوطنية، رؤية تنظر اليهم كمن فقد صلاحيته … وبالتالي ينبغي منحهم أدنى الحقوق وليس كاملها ولا حتى أوسطها، والفريق الحالي إن لم يعلن هذه الرؤية الا أنه يمكن الاهتداء اليها من خلال افعالهم من منظورين ، مدى استجابتهم مع توجهات رد الاعتبار للمتقاعدين وفق الامر السامي بتوحيد منافع المتقاعدين لموظفي الخدمة المدنية وفق نموذج شئون البلاط السلطاني، ودراسة أوضاع المتعاقدين السابقين من جهة وصياغة القوانين من جهة أخرى، فالاستجابة لم تكون فورية أو على الاقل في الآجال الزمنية المقبولة، فيحال آلاف من التقاعدين، ويموت العديد منهم، وهم في انتظار رد الاعتبار (التاريخي)المستحق لهم، والاستحقاق هنا قد أصبح سياسيا بعد الأوامر السامية بتوحيد منافع المتقاعد، وهو كذلك استحقاق حقوقي طبيعي للموظف بحكم الجهد والعرق الذي بذله الموظف طوال الاربعين عاما من عمله الحكومي، فترقي عن استحقاق، وحصل على العلاوات الاستثنائية والسنوية عن استحقاق، وانتظرها زمنيا عن استحقاق، فكيف تحرم منه رغم كل الاستحقاقات؟ والقوانين تكون دائما غير عادلة للمتقاعدين، فهى أما أن تكون قاصرة في استيعاب الجانب الحقوقي الكامل أو على الاقل المعتبر للموظف أو أنها تأتي متجاهلة تماما المتقاعدين، لأنها تطبق بأثر فوري وليس بأثر رجعي، وهنا يستوقفنا كثيرا منطق العدالة الغائب في قضية المتقاعدين التي فتحناها في مقالنا الأخير أمس الأول بعنوان ،، جيلنا القديم .. من ينصفه يا وطن ؟؟،، فالأوامر السامية بتوحيد منافع صناديق التقاعد قد صدرت عام 2013 ولم يعمل الفكر الحكومي حتى الآن على تنفيذ هذه الأوامر، وقد تمت احالة المئات الى التقاعد على نظام التقاعد القديم ، فهل هذا ينسجم مع روح الاوامر السامية وغاياتها المختلفة؟ بل يعد هذا مخالفة سياسية للأوامر السامية، فالمنطقان السياسي والقانوني وحتى الوطني تحتم أن يشمل توحيد منافع التقاعد كل المتقاعدين عامة، والمتقاعدون بعد تاريخ اوامر التوحيد خاصة ودون منازغ أو جدال وفقا لتلك الاعتبارات مع إضافة الاعتبار الزمني للأوامر، فإطارها الزمني نوفمبر عام 2013، فلابد إذن ان تشمل كل المتقاعدين في ذلك الاطار الزمني على وجه السرعة وفي الوقت نفسه دون ان تغفل بقية المتقاعدين خارج هذا الاطار إذا أخذنا بعين الاعتبار بقية الاستحقاقات لراتب امن للمتقاعدين.
إذن، مشكلتنا الكبرى مع الفكر والتفكير الحكومي وعدم مقدرته مسايرة السياقات السياسية وابعادها الاجتماعية، وهذا الاشكال ينبغي أن يتغير سريعا لكي يكون في مستوى فكر المرحلة الوطنية الراهنة، وكذلك الوعي الجديد لمكونا الديموغرافي، فالعمل من أجل المواطن بصفتيه ،، الانسانية والمواطنة ،، هو حاكمية الفكر الحكومي – كما تفعل الان الجغرافيات السياسية الاقليمية – وهو كذلك معيار نجاح المؤسسات الدستورية والحكومية، مما أصبح بقاء الفاعلين فيها من عدمه، مرتبط بمدى وحجم ذلك النجاح فقط ، فالفكر يجب برمجته على تنفيذ الاوامر والسياسات لصالح المواطن /الانسان، تناغما وانسجاما مع كل توجه أو توجيه أو سياسة جديدة ،، روحا ونصا ،، وهذا يحتم عليه قبل التفكير في التنفيذ، إعمال الفكر في استجلاء الابعاد والظرفيات للتوجهات والتوجيهات والسياسات الجديدة مع ربطها بالسياقات الاقليمية والكونية، وجعلها معايير حاكمة لأية عملية تفكيرية منتجة ومبلورة للتوجهات والتوجيهات والسياسات، ولو فتحنا نافذة للسياقات الاقليمية، فسوف نجدها مهتمة ومنشغلة هذه الايام في كسب واحتواء ديموغرافيتها بشيكات على بياض، وكان من نتاجها، نجاح بعضها وبامتياز في عمليات الاحتواء والكسب المجتمعي عبر تأمين الحقوق الاقتصادية دون غيرها من الحقوق السياسية، وهذه مغالاة مقصودة بذاتها في عملية الاحتواء، هدفت تعطيل الديموغرافيات من إعمال فكرها، وقد نجحت بامتياز، وهذه رؤية نقدمها للاستدلال بها، والتوضيح الى اي مدى وصلت قناعة الجغرافيات السياسية المجاورة لبلادنا في العمل لصالح مواطنيها من أجل احتوائهم (طبعا) لغايات سياسية بالدرجة الاولى، بينما نريدها في بلادنا لغايات المواطنة وكينونتها الانسانية، فحتى الان لم يشكل البعد السياسي في عملية استحقاقات المواطنة هاجسا مرتفعا في بلادنا، لكنه قد يأتي، وسوف نجد أنفسنا مضطرين لا مختارين في العمل بفاتورة كبيرة في إبطال مفاعيله كما تفعل الآن الجغرافيات السياسية الإقليمية ……….. للموضوع تتمة.

إلى الأعلى