السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. علاقات جوار .. مثال يحتذى

رأي الوطن .. علاقات جوار .. مثال يحتذى

غالبًا ما تنهض السياسة الدولية على متن الحيلة والوسيلة واصطناع المواقف بهدف الوصول إلى غايات تخدم المصالح الذاتية دون النظر إلى انعكاس هذه الآليات على الآخرين. وغالبًا ما صار ينظر إلى الآليات القائمة على اعتماد منظومة القيم الراسخة على أنها حدث من الماضي لا يستجيب لمفردات العمل السياسي على المسرح الدولي المعاصر.
والحقيقة أن التجربة العملية التي خاضتها الدبلوماسية العُمانية على المسرح الإقليمي والدولي قد أثبتت عكس هذه التوجهات، حيث نهضت سياسة السلطنة مع دول الجوار الإقليمي وشركائها في المؤسسات والمنظمات والتجمعات الدولية أيضًا على أساس التسامح والتفاهم والتعاون والحوار الموضوعي واحترام مصالح الآخرين والصراحة والشفافية، حتى لو كانوا يختلفون في توجهاتهم أو أعراقهم أو عقائدهم، أو حتى في نظرتهم إلى مصالحهم.
وإذا كنا أمس قد أكدنا في هذه الزاوية على أن السياسة الخارجية للسلطنة قامت على الأسس والمفاهيم التي أرستها نهضة عُمان الحديثة منذ أطلق إشارتها الأولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تلك الأسس والمفاهيم التي تتخذ لنفسها عناوين واضحة لا لبس فيها تأخذ بمنهج التسامح والتفاهم، وتعزيز آلية الحوار السلمي لحل كافة المشكلات التي تعترض سبيل الأهداف الإنسانية الكبرى التي تسعى إلى تحقيقها كافة المؤسسات الدولية كي تعيش البشرية في أمن وأمان وتفاهم ضمن منظومة عيش مشترك تحترم حقوق كافة الأطراف، وتحترم احتياجاتها ومصالحها، فإن هذه السياسة الهادئة والمتزنة والعميقة الثوابت للسلطنة، كانت أمام استحقاق آخر من استحقاقات النجاح والتقدير، يؤكد حضورها الفاعل وأثرها وتأثيرها الكبيرين، فالتوقيع أمس على اتفاقية تحديد الحدود البحرية في بحر عُمان بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية يعطي دلالة واضحة ليس على ما وصلت إليه العلاقات الطيبة بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية بفضل الدعم الذي تحظى به من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم والقيادة الإيرانية، وإنما على سياسة السلام والوئام والتعاون والاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وقيمة الحوار في حل القضايا، وما تجنيه هذه السياسة من ثمار كبيرة وما تحققه من فوائد عظيمة وجمة عكس السياسة النقيض، التي لا تجر إلا الويلات والحروب والدمار والكراهية مع تكبد تكاليف فواتيرها الباهظة، وما تخلفه من آثار معطلة في النفس والفكر والتنمية للشعوب المتواجهة المتشاحنة والمتباغضة، فضلًا عن الاهتزاز المباشر لعوامل الأمن والاستقرار والسلم الدولي.
وما من شك أن هذه الاتفاقية التي وقعها نيابة عن حكومة السلطنة معالي السيد حمود بن فيصل البوسعيدي، ومعالي الدكتور محمد جواد ظريف وزير الشؤون الخارجية نيابة عن حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسام استحقاق وتقدير للعلاقات الراسخة بين السلطنة وإيران، ومثلما هي ثمرة ناجحة من ثمرات السياستين العمانية والإيرانية، فإنها ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي والعالمي، تعبر عن النظرة المشتركة للبلدين نحو تجنيب المنطقة كل من شأنه المساس باستقرارها، حيث أكد البيان الصادر حول توقيع الاتفاقية أن التوصل إليها تم في أجواء سادتها روح التعاون والصداقة للوصول إلى تحديد خط الحدود البحرية الفاصل بين البلدين وفقًا لمبادئ العدل والانصاف وأسس القوانين الدولية ذات الصلة، وأن البلدين إذ يوقعان هذه الاتفاقية ليشيدان بروح التفاهم التي سادت بينهما طول فترة المباحثات وعلى مختلف المستويات ويأملان أن تسهم هذه الاتفاقية في تعزيز علاقات الصداقة وحسن الجوار بين البلدين بما يعود بالخير عليهما وعلى سائر دول المنطقة.
إن هذا التوقيع هو شهادة تقدير ووسام عظيم يقلد به صدر السياسة العمانية، ومبعث فخر لعُمان، في ظل ما تشهده أغلب مناطق العالم من تشاحن ومماحكات وسخونة وتوترات في العلاقات بين بعض دول تلك المناطق. كما يمثل التوقيع انتصارًا لإرادة الحرص على البشرية والاستقرار والسلم، وإنجازًا للبلدين سوف يفاخران به أمام نفسيهما والآخرين وهو بحق يمثل علاقات جوار متميزة ومثال يحتذى في ترسيخ قيم التعاون والتفاهم وخدمة المصالح المشتركة والعمل على ارساء دعائم الأمن والاستقرار.

إلى الأعلى