الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / داعش وجناحا الطائر

داعش وجناحا الطائر

” هل تذكرون قبل نحو ثلاثة عقود، عندما تشكل مجلس التعاون الخليجي ليضم دول الخليج الست، ثم شرعت دول المغرب الأربع في إقامة الاتحاد المغاربي؟ وقتها سعت مصر لإقامة وحدة ثلاثية مع سوريا وليبيا. فسر ذلك وقتها على أنه “محور وسط” في إطار التخارج مع جامعة الدول العربية لصالح تكتلات إقليمية واعتبر الاتحاد الثلاثي وقتها محور الوسط (ربما جغرافيا بالأساس لوجود الطائر بجناحيه في قلب المنطقة).”
ـــــــــــــــــــــــــ

إذا استمر الوضع في المنطقة على ما هو عليه، فإن الطرف الوحيد الذي يكسب هو الإرهاب بكل فصائله وفي مقدمتها تنظيم داعش ورديفه السياسي. وحسب تقديرات الإخوان واتباعهم والمراهنين على الأميركان وأصدقائهم والمؤملين في الاتراك وأردوغانهم فإن جبهة النصرة (القاعدة) وداعش (القاعدة) على وشك الاطباق على بقية سوريا. كما أن العراق بجيشه وميليشياته (طائفية وعرقية) غير قادر على دحر دولة الخلافة من المناطق التي تسيطر عليها. أما الوضع في ليبيا فلا يختلف كثيرا عن سوريا والعراق، وربما كان أسوأ، ولنترك مؤقتا بؤر التطرف والإرهاب التي تزين خريطة المنطقة من سيناء المصرية إلى جنوب اليمن. لنتوقع إذا أن يحكم الارهابيون سوريا وليبيا قريبا، وتصبح أعينهم على بقية المنطقة يفجرون فيها بؤر النار حتى تصبح مناخا مناسبا لتقدمهم وفرض وحشيتهم اللاانسانية على شعوبها.
ليس القصد هنا التهويل من خطر داعش، وحتى لا يتهم المرء بأنه يحاجج بما يصب في خانة مصلحة إيران التي تتهم بوصم السنة في أغلبهم بصفة الإرهاب الداعشي نقول إن ذلك الخطر لا يزال ممكنا مواجهته. لكن ليس بالطريقة التي تسير بها الأمور الآن في منطقتنا، والتي تكاد تتطابق مع مصالح أعدائها ممن يستفيدون من وجود داعش وامثالها ويدفعون بقوة لإشراك الإخوان في حكم بلدان المنطقة، أو السيطرة عليها تماما بالتفريغ السلبي. تتطلب مواجهة داعش بداية إخراج البعد الطائفي من المعادلة، عملا وليس قولا ومجرد بيانات وتصريحات “فض مجالس”، وعدم ربطها ليس فقط بالسنة دون الشيعة ولكن عدم ربطها بالدين والتدين. هل نستطيع في بلادنا ومجتمعاتنا التعامل مع القاعدة وداعش وأمثالها والجماعات التي تشددت عنها بعيدا عن كونها “جماعات إسلامية”؟ أشك في ذلك.
الأرجح إذا أننا مقبلون على سيطرة الإرهابيين على ما يتبقى من سوريا وليبيا من خراب، وتقديري أن الخطر الأكبر من ذلك ليس على دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين بقدر ما هو على مصر. فمنذ قرون عديدة وقوة مصر هي في علاقتها بمحيطها شرقا وغربا، فإذا كان الجميع يقدر أهمية مصر للمنطقة فهي كجسم الطائر له جناحان: الشام (الكبير، ما قبل سايكس ـ بيكو) وشمال إفريقيا العربي. ولم تحقق الأمة العربية انتصارات وتقدم إلا وجسم الطائر مع جناحيه في وضع جيد. كما أن ما يصيب الجناحين حتما سيضر بالجسم، بل وربما يصيبه بعد حين. وليس بمستبعد أن داعش وبقية من يوصفون بالجهاديين إنما يستهدفون الجسم/مصر وهم يضربون الأجنحة، وإن ليس بالضرورة أن يحكموها فيكفي اضعافها إلى حد سيطرة الإخوان (الأب الروحي) عليها. وها هما الجناحان يضرب فيهما السواد (ليس براية داعش والنصرة والقاعدة السوداء فحسب، بل بالدمار والخراب السود) ولم يتبق من لونهما الأصلي إلا القليل. وفي الوقت نفسه تنتشر البثور السوداء على خريطة مصر، من سيناء إلى مناطق أخرى تشهد عنف الإخوان وجماعات الإرهاب الأخرى.
هل تذكرون قبل نحو ثلاثة عقود، عندما تشكل مجلس التعاون الخليجي ليضم دول الخليج الست، ثم شرعت دول المغرب الأربع في اقامة الاتحاد المغاربي؟ وقتها سعت مصر لإقامة وحدة ثلاثية مع سوريا وليبيا. فسر ذلك وقتها على أنه “محور وسط” في إطار التخارج مع جامعة الدول العربية لصالح تكتلات اقليمية واعتبر الاتحاد الثلاثي وقتها محور الوسط (ربما جغرافيا بالأساس لوجود الطائر بجناحية في قلب المنطقة). فشل الاتحاد الثلاثي لخلافات قادته، وتعثر الاتحاد المغاربي لأسباب عدة (من بينها خلافات القادة أيضا) وبقي مجلس التعاون الخليجي وإن بدأ يهتز مؤخرا. ربما كان السبب أن مجلس التعاون لدول الخليج بني على أساس اقتصادي، رغم الكثير مما هو مشترك بين دول الخليج حتى أنك تجد أفرعا للعائلة الواحدة مواطنين في أكثر من دولة.
المهم هنا هو التذكير بالحقيقة التاريخية بأن سوريا وليبيا مكملان تماما لمصر وأهميتها في المنطقة، والدول الثلاث (الطائر بجناحين) هي قلب المنطقة ومن يسيطر عليهم يتحكم فيها. تدرك كثير من دول المنطقة، وخاصة في الخليج، ذلك ويتصرفون على أساسه أحيانا، لكن حسابات اقليمية أخرى تحول دون أن يكون ذلك أرضية للتصدي لخطر اسوداد الجناحين وبثرات الجسد. فتجد البعض يتغاضى عن خطر داعش لأنها ربما تضرب مخططات إيران، وآخرون يرون في الإخوان “حليفا معتدلا” في مواجهة المتشددين وإيران معا. أضف إلى ذلك من تبقى من الموهومين بدولة الخلافة وبأن هؤلاء الجهاديين سيحررون فلسطين!!! مع أن لا أحد يستفيد مما يقومون به أكثر من الاحتلال الصهيوني.
إن استمرار اسوداد الجناحين (سوريا وليبيا) بهذه الوتيرة، واستمرار النهج العربي الحالي المتقاطع مع حسابات أميركية وصهيونية، قد يؤدي بنا إلى ضياع قلب المنطقة بشكل لا يمكن الرجوع عنه. وساعتها لن تكون هناك مشكلة لدى الإرهاب في استهداف بقية دول المنطقة فرادى أو جماعات ولن يسلم من شره وقتها أحد، ولا حتى من يظن أنه بغض الطرف عنه الآن إنما يصنع معه معروفا قد يشفع له حين تدور الدوائر.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى