الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما حكاية القوائم السوداء والبيضاء التي تتداولها المؤسسات الثقافية؟

ما حكاية القوائم السوداء والبيضاء التي تتداولها المؤسسات الثقافية؟

أ.د. محمد الدعمي

” إذا كان الأمر قد وصل الى هذه الدرجة من اللاأخلاقية في ثقافة وإعلام عالمنا العربي الممزق، فان للمرء أن يستقر مطمئناً بصعوبة عودة الأمل لثقافة لا يغذيها سوى الذهب ولا تطعمها سوى الولائم ومخصصات الإيفادات، كما يئست هي من إعلام يحتفظ مديروه بقائمتين، بيضاء وسوداء لأسماء الكتاب المسموحين والممنوعين، الأولى لأبطال البلاط، والثانية لأبطال الشعب والحقيقة.”
ــــــــــــــــــــــــــ

يفرز “رأس المال” أنماطاً سلوكية لا أخلاقية عندما يقرر مالكوه إحالته إلى أداة سياسية أو فكرية عمياء لا تأبه بمعايير الحرية أو الذكاء، الأمر الذي يقدم فرصة ذهبية لأن يكون الكاتب أو الشاعر الأصيل، الذي يحظى بتحريم رأس المال تداول اسمه أو كتاباته، بطلاً من عيار الأبطال التاريخيين، ينتصب في ذات الصف سوية مع ابطال الميدان الحربي، وابطال التعليم والتربية الاجتماعية وابطال الثورة ضد الرجوعية والخرافة البغضاء. والحق، أقول، فان هذا هو ما ينطبق على أبطال عديدين في ثقافتنا العربية الإسلامية عبر تاريخها المحبط، خاصة هؤلاء الذين منعوا من النشر ومنع تداول كتاباتهم، بل وحتى منع ذكر أسمائهم عبر الآنية الإعلامية أو الثقافية التي لا تستلهم من الأذهان الوقادة الطاقة الكافية لتدويرها، الأمر الذي حدا بها إلى تدوير نفسها بقوة المال فقط.
هذا بدقة، ما خطر في ذهني عندما اشتكت إلي كاتبة عراقية بسبب امتناع مجلة عربية تصدر عن منظمة إقليمية “قومية” واسعة الانتشار عن نشر مراجعة لأحد كتب كاتب عربي حر، بعدما وافق المحرر على نشرها من حيث المبدأ ! هذا ما قادني الى استذكار الأعداد الكبيرة من الـ”اعتذارات” عن نشر مقالات أو دراسات أعداد كبيرة من الكتّاب، درجة أن الشك في أمر منع أسمائهم من التداول في الآنية الإعلامية والثقافية قد أخذ مداه التخريبي بقوة المال فقط ، فراح يدفعني الى مراجعة مواقف مديري هذه الآنية بهدف التحقق من احتمال تعميم أسماء العديد من الممنوعين، كمحرمات فكرية. وإذ استرجعت مواقف مديري تلك الآنية الذين يستحقون وصف “مرتزقة” بكل كفاءة واقتدار، فقد تأكد لي أنهم يعملون في مؤسسات ثقافية أو إعلامية لا يحسن موظفوها سوى إصدار القوائم السوداء. بل أن الأمر وصل لدى بعض هذه المؤسسات والوزارات حد تحويل هذه الأسماء الى شيء أشبه ما يكون بتيار كهرباء الضغط العالي، فاذا ما مسها أو ذكرها أحد من هؤلاء المديرين العاملين “على باب الله”، فانه لابد أن يستحيل إلى قطعة متفحمة في ذات اللحظة، بفعل قوة التكهرب التي تطلقها أسماء هؤلاء الممنوعين.
وإذا كان المرء يتألم كثيراً درجة منع بعض المواقع الفضائية العربية الشائعة ظهور هذه الأسماء طي تعليق قصير على خبر أو مقالة منشورة، فان أصحاب هذه الأسماء الحرة يواسون أنفسهم باستذكار أسماء الكتاب الممنوعين من التداول في تاريخ دول الحكومات الشمولية، أو الدول التي يحكمها رأس المال الأعمى، وليس دول المباديء الرفيعة. وهنا يلاحظ المرء أن منع ظهور اسم الكاتب في مثل هذه “الآنية”، التي طالما تشبثت بعناوين مثل “إعلامية” أو “ثقافية”، إنما هو وسام بطولة للكاتب، كما كانت عليه حال أعداد كبيرة من البطولات الفكرية التي اعتمدت القلم وليس السيف لشق طريق بطولات فنون السلام وليس بطولات فنون الحرب، القتل والتخريب.
وإذا كان الأمر قد وصل الى هذه الدرجة من اللاأخلاقية في ثقافة وإعلام عالمنا العربي الممزق، فان للمرء أن يستقر مطمئناً بصعوبة عودة الأمل لثقافة لا يغذيها سوى الذهب ولا تطعمها سوى الولائم ومخصصات الإيفادات، كما يئست هي من إعلام يحتفظ مديروه بقائمتين، بيضاء وسوداء لأسماء الكتاب المسموحين والممنوعين، الأولى لأبطال البلاط ، والثانية لأبطال الشعب والحقيقة.
وإذا كانت كتابات الكتاب الأحرار تنشر تترى على صفحات هذه المجلة “الثقافية” أو تلك عبر العقود الماضية، بلا اعتراض ولا مراجعة، فانها الآن تحرق الأيدي التي تحملها أو تحمل اسم الكاتب المطبوع عليها، أو هي أسماء قد تقود الى غياهب فقدان الوظيفة أو حتى إلى الاستجمام في السجون العربية. الحمد لله على الوسام الذي يثبته المأجورون على صدور الكتاب الأحرار وعلى صدور أقلامهم، فهم “موظفون” لا تؤهلهم لا ثقافة، ولا معرفة لإدارة أنشطة ثقافية أو إعلامية تستحق التقدير أو الإطراء قط. وليواسي الكتاب الأحرار أنفسهم في وصف المتنبي هؤلاء المرتزقة، بقوله:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها / أني بما أنا باكٍ منه محسود
حتى قوله:
العبد ليس لحر صالح بأخ / لو أنه في ثياب الحر مولود
جوعان يأكل من زادي ويمسكني / لكي يقال عظيم القدر مقصود

إلى الأعلى