الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ” العمل العربي المشترك ” مشروع آن له أن يعلن استسلامه وتوقفه

” العمل العربي المشترك ” مشروع آن له أن يعلن استسلامه وتوقفه

سعود بن علي الحارثي

أسال العرب أنهارا من الأحبار التي تدفقت من ينابيع الأقلام وأجهزة الطباعة والكمبيوتر والتصوير بمختلف أنواعها وألوانها وعبر مراحل تطورها وتعدد علاماتها وانتمائها تصنيعا وانتاجا مؤسسيا وبلدا في تعبير دقيق لتقدم الأمم والدول وحداثة منتجاتها وسرعة أدائها, من أجل المشروع العربي المشترك, وأنتجوا تلالا من الأوراق التي استهلكتها الدراسات والأبحاث وأوراق العمل والمقالات والتقارير المتخصصة ومحاضر العمل وغيرها وهم يروجون ويتسابقون ويقدمون الرؤى والأفكار والملاحظات والانتقادات ويطرحون المشروعات لتعزيز العمل العربي المشترك والذي أصبح مركزا أو محورا يدور في فلكه كل عمل أو حركة أو لقاء أو اجتماع أو نشاط تشهده عواصم ومدن العرب, في محاولات متواصلة لإخراج هذا الوليد من رحم الأوراق والكلمات والاجتماعات إلى الوجود معافى صحيحا قادرا على الحركة والعمل والانتاج, وقضوا أي العرب أوقاتا تقدر بالسنوات لو وجدت من رصدها ووثقها في الاجتماعات واللقاءات والجلسات الدورية والاستثنائية وتنظيم المؤتمرات والندوات والحلقات على مستوى القادة والوزراء والوكلاء وكبار المسئولين والساسة وزعماء الأحزاب والتيارات والأكاديميين والعلماء والمثقفين والكتاب وأنتجوا من الكلمات والقرارات والبيانات في مناقشاتهم وحواراتهم ومداولاتهم ومباحثاتهم الساخنة والهادئة المثيرة للجدل والعادية ما فاضت عن الأدراج ومقرات الأرشفة والملفات, واستنزفت تلك الجهود التي تواصلت على مدى عدة أجيال المليارات من الأموال التي وجهت لتنظيم الاجتماعات وحجز الفنادق وإنشاء وتخصيص المقارات لرؤساء الوفود وأعضائها وعلى الطائرات الخاصة ومقاعد درجات رجال الأعمال في رحلات مكوكية لا تكاد تتوقف وهي تنقل الزعماء والوزراء والوفود من عاصمة عربية إلى أخرى وفي تمويل مشروعات واتفاقات ومساعدات فاشلة … ولو ظللت استعرض الامكانات والأوقات والأموال والجهود المهدرة من أجل العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية أو المجالس التي قامت وتفككت أو الاتحادات الثنائية والثلاثية أو اللقاءات المشتركة لما توقفت عن الكتابة لعدة أشهر وتضخم هذا المقال وتجزأ إلى عشرات الأجزاء ولكنت أنفقت جهدا واستهلكت وقتا وأضفت عبئا آخر جديدا على مشروع العمل العربي المشترك, ودرت في ذات الفلك الذي أسعى وأبتغي من إعداد هذا المقال المطالبة بفك الارتباط به والخروج من عباءته ووضعه في خانة المشروعات الفاشلة التي لم تحقق ولو بعضا من غاياتها وأهدافها الكبيرة, والمشهد الماثل أمامنا برمته وفي شموليته يؤكد ويعبر أصدق تعبير عن هذه الحقيقة …..
فماذا كانت النتيجة من هذا الاستنزاف الهائل التي لاحت مؤشراتها وقراءاتها في الأفق منذ سنوات وأصبحت من المسلمات لدى معظم العرب بما فيهم المواطن العادي الذي فقد ثقته تماما في أي عمل عربي مشترك ؟ النتيجة فشل ذريع وجهد وامكانات وأموال استنزفها المشروع على مدى أكثر من نصف قرن ضاعت وتبخرت, فها هو المشهد العربي كما نراه جميعا تعصف به الفتن وتمزقه المصالح الحزبية والقبلية والمذهبية والشخصية ويتلاعب بمقدراته ومستقبله ومستقبل أبنائه الساسة وأصحاب المصالح والطامعون في الملك, تحترق أرضه ومعالمه الحضارية ومقدساته ومزاراته الدينية ومدنه وبشره بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة التي أصبحت ثقافة عربية إسلامية بامتياز … وها هي مدن تمرق من مظلة الدولة والمركزية وتعلن انفصالها على أساس مذهبي أو عرقي, والمعارضة تتشظى وتتمزق إلى فصائل وتيارات تتصارع وتتقاتل فيما بينها, وأصدقاء الأمس باتوا أعداء اليوم, ودعاة الديمقراطية ضاقوا بها ذرعا فاستباحوا قيمها ومبادئها بقوة السلاح, والدماء تجري أنهارا في عواصم ومدن العرب, وتصفيات الفرقاء لبعضهم البعض باتت عنوانا رئيسيا في أخبار اليوم, والجثث تقدمها عيون الكاميرا وهي ملقاة في الساحات والطرقات والنفس الإنسانية لا قيمة لها في نظر العرب, وملايين اللاجئين يتضورون جوعا ومآل الكثير منهم إلى الموت والتهلكة, فأي عبث هذا الذي تقدمه أشرطة الأخبار ومذيعوها وصورها ؟ وأية سوداوية يبعثها هذا المشهد وأية كارثة أشد إيلاما من هذه المرحلة التي يمر بها العرب؟. فهل تبقى للمشروع العربي بعد المشهد المعاش نبض من حياة ؟ وهل من المعقول أن نواصل هذا الاستنزاف في ظل هذه الفوضى العارمة التي تبتلع كل شيء دون أن تنتج إلا المزيد من البؤس والتخلف والتمزق والتشرذم والتفكك والسوداوية وفي وقت لم يعد فيها للعرب من مرجعية أو مظلة يحترمونها؟ وحتى الدول القليلة التي تقف خارج هذه الفوضى والعنف الدموي والتقاتل السياسي تسعى جاهدة للتورط في هذا المستنقع بدعم هذا الفصيل أو الحزب أو الفريق على حساب الآخر, وتدخل في تلك الصراعات بطرق تنم عن المراهقة السياسية وافتقاد النضج وغياب المرجعية, وعدوى الاصابة بداء المذهبية والطائفية التي تمزق العرب إلى فصائل وأحزاب وفرق ومذاهب شتى. في ظل هذا المشهد العبثي, لم يعد من الممكن أن نتحدث بصيفة الجمع وأن نوجه خطابنا مطالبين الأمة العربية بالعمل على تحقيق الوحدة وتفعيل العمل العربي المشترك والدفاع عن حقوق الأمة والذود عن حياضها والسعي إلى تحرير أراضيها ومقدساتها المحتلة وحماية مقدراتها, والأخذ بأسباب القوة والنهوض والتقدم واللحاق بركب الحضارة … فعن أي عرب أو أمة نتحدث والمشهد على ما رأيناه ونراه؟ ومن سيلتقط ذلك الخطاب, وما المرجعية التي يخاطبها؟.
في هذا المحيط العربي المثقل بالهموم والأحزان تظل عمان استثناء من القاعدة وبمنأى عن هذا المشهد الدموي, يتميز داخلها بالهدوء والاستقرار والانسجام والتعايش الصحي بين أبناء الوطن, المواطن منشغل بقضاياه الداخلية, وبالعمل على تحقيق أهدافه وطموحاته وبناء مستقبله وتعزيز دوره في الحياة العامة, وتقديم الرؤى والملاحظات التي من شأنها تحقيق مصالح الوطن والمواطن وتطوير التعليم والخدمات التي تقدم للمواطن, والمطالبة بمشاركة أوسع في اتخاذ القرارات وصلاحيات أكبر للمؤسسات الرقابية والتشريعية … والكثير من المواطنين لا يعولون على العمل العربي المشترك ولا ثقة لديهم في مجالس أو اتحادات أو مشروعات عربية على المستويين القريب والمتوسط على أقل تقدير, واستمرار هذه اللقاءات والاجتماعات والبيانات الاعلامية إنما تأتي في اطار المجاملات العربية التي كلفتنا الكثير .. في ظل هذه الظروف العاصفة والمتغيرات الكبيرة علينا أن نلتفت إلى الشأن الداخلي أن نستثمر وقتنا وجهدنا وأموالنا وخطابنا ورؤيتنا في الارتقاء بالمواطن العماني وتطوير قدراته وتحريك طاقاته وتعزيز مساهماته وتوجيهها لتحقيق الغايات والأهداف الكبيرة في مواصلة التنمية وتطوير الوسائل والأدوات والبرامج الحديثة والنهوض بالوطن في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتصنيع والاستفادة من تجارب الدول الناجحة في تلك المجالات, وحماية الوطن من أية توترات أو تدخلات أو عدوى قد تنتقل إلينا من المحيط, والعمل على (( إعداد كفاءات تتحمل مسؤولية مواصلة مسيرة البناء والنماء)), كما أكد جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ـ خلال ترؤسه لاجتماع مجلس الوزراء في الخامس عشر من يناير.

إلى الأعلى