الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة المعارج “6″

سورة المعارج “6″

إعداد : أم يوسف
سميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لأنها ‏تَضَمُّن ‏على ‏وصف ‏حالة ‏الملائكة ‏في ‏عروجها ‏إلى ‏السماء، ‏ فسُميت ‏بهذا ‏الاسم ‏‏، ‏وتسمى ‏أيضا ‏سورة (‏‏سَأَلَ ‏سَائِلٌ‎) ‏‎، وهي مكية من المفصل وآياتها “44″ وترتيبها السبعون ونزلت بعد الحاقة، بدأت السورة بفعل ماضي “سأل سائل بعذاب واقع”. في الجزء “29″ الحزب “57″، وهي: تعالج السورة أصول العقيدة الإسلامية، وقد تناولت الحديث عن القيامة وأهوالها والآخرة وما فيها من سعادة وشقاوة، ورآية ونصب وعن أحوال المؤمنين والمجرمين في دار الجزاء والخلود، والمحور الذي تدور عليه السورة الكريمة هو الحديث عن كفار مكة وإنكارهم للبعث والنشور، واستهزاؤهم بدعوة الرسول.
وسبب نزولها: نزلت في النضر بن الحرث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك … فدعا على نفسه وسأل العذاب فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرا ونزل فيه سأل سائل بعذاب واقع .
قال تعالى:(فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ)
قوله تعالى:(فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ) قال الأخفش: مسرعين. قال: بمكة أهلها ولقد أراهم إليه .. مهطعين إلى السماع والمعنى : ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. وقيل: أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل: أي ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا بك. وقال عطية: مهطعين: معرضين. الكلبي: ناظرين إليك تعجبا. وقال قتادة: عامدين. والمعنى متقارب أي ما بالهم مسرعين عليك، مادين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدو. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه (عليه الصلاة والسلام) ولا يؤمنون به. و(قَبْلِكَ) أي: نحوك، (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ) أي: عن يمين النبي (صلى الله عليه وسلم) وشماله حلقاً حلقاً وجماعات. والعزين: جماعات في تفرقة ، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه خرج على أصحابه فرأهم حلقا فقال: “مالي أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها” قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: “يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف” خرّجه مسلم وغيره.
وقال الشاعر:
ترانا عنده والليل داج
على أبوابه حلقا عزينا
أي: (متفرقين)، وقال الراعي:
أخليفة الرحمن إن عشيرتي
أمسى سراتهم إليك عزينا
أي: (متفرقين)، وقال آخر:
كأن الجماجم من وقعها
خناطيل يهوين شتى عزينا
أي: (متفرقين)، وقال آخر:
فلما أن أتين على أُضاخٍ
ضرحن حصاه أشتاتا عزينا
وقال الكميت:
ونحن وجندل باغ تركنا
كتائب جندل شتى عزينا
وقال عنترة:
وقرن قد تركت لذي ولي
عليه الطير كالعصب العزين
وواحد (عزين : عزة)، جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف منها. وأصلها عزهة، فاعتلت كما اعتلت سنة فيمن جعل أصلها (سنهة)، وقيل: أصلها عزوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح:”والعزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عزى ـ على فعل ـ وعزون وعزون أيضا بالضم، ولم يقولوا عزات كما قالوا ثبات”. قال الأصمعي: يقال في الدار عزون ، أي أصناف من الناس، و(عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ) متعلق بـ (مُهْطِعِينَ) ويجوز أن يتعلق بـ(عِزِينَ) على حد قولك: أخذته عن زيد، (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ) قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي (صلى الله عليه وسلم) ويستمعون كلامه فيكذبونه ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه، فنزلت:(أَيَطْمَعُ ..) الآية. وقيل: كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن طلحة بن مصرف والأعرج (أَنْ يُدْخَلَ) بفتح الياء وضم الخاء مسمى الفاعل. ورواه المفضل عن عاصم. الباقون (أَنْ يُدْخَلَ) على الفعل المجهول، (كَلاَّ) لا يدخلونها. (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) ثم ابتدأ فقال:(إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) أي: إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، كما خلق سائر جنسهم. فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم. فقال:(إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) من القذر، فلا يليق بهم هذا التكبر. وقال قتادة في هذه الآية:إنما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق الله. وروي أن مطرف بن عبدالله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز فقال له: يا عبدالله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ؟ فقال له: أتعرفني؟ قال نعم، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. فمضى المهلب وترك مشيته. نظم الكلام محمود الوراق فقال:
عجبت من معجب بصورته
وكان في الأصل نطفة مذره
وهو غدا بعد حسن صورته
يصير في اللحد جيفة قذره
وهو على تيهه ونخوته
ما بين ثوبيه يحمل العذره
وقال آخر:
هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة
وهو بخمس من الأوساخ مضروب
أنف يسيل وأذن ريحها سَهِك
والعين مُرْمَصة والثغر ملهوب
يا ابن التراب ومأكول التراب غدا
قصر فإنك مأكول ومشروب
وقيل: معناه من أجل ما يعلمون، وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب.
كقول الشاعر وهو الأعشى:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا
وشطت على ذي هوى أن تزارا
(أي: من أجل ليلى) .. والله أعلم.

.. يتبع بمشيئة الله.
(المصدر: تفسير القرطبي)

إلى الأعلى