الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عَوْلَمَة صينية للاقتصاد العالمي!

عَوْلَمَة صينية للاقتصاد العالمي!

جواد البشيتي

إنَّها الصين، وما أدراك ما الصين؛ فسنة 1989، تبادلت الصين والرأسمالية الغربية “الإنقاذ”. وعلى ما قال وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد ميليباند، مُحْسِنًا الوصف والمقارنة، أنقذت “الرأسمالية” الصين إذ سَمَحَ “نظامها الشيوعي” لاقتصادها بتناول ما يشبه “الفيتامين الرأسمالي”، أي بالتزاوج مع شيء من “نظام السوق الحرَّة”، فشرع ينمو نموًّا تسبَّب بتنامي القلق الغربي (الرأسمالي) من المارد الصيني (الاقتصادي والديمغرافي والحضاري..) الذي خرج من قمقمه.
أمَّا في سنة 2009 فظَهَر “المُنْقَذ الصيني” على أنَّه “المُنْقِذ” للرأسمالية الغربية من أزمتها المالية والاقتصادية الكبرى؛ وقد (بل سوف) يكتب التاريخ “سنة 2009 أنقذت الصين النظام الرأسمالي العالمي”.
والولايات المتحدة ما عاد لديها من خيار غير تجرُّع تلك الحقيقة الصينية المرَّة المذاق في فمها، فإنَّ وزيرة خارجيتها الأسبق مادلين أولبرايت اعترفت بهذه الحقيقة إذ قالت: “كانت الولايات المتحدة قوَّة اقتصادية عظمى في نهاية القرن المنصرم؛ وقد شرعت الصين تتحوَّل إلى قوَّة اقتصادية عظمى في القرن الحادي والعشرين”؛ أمَّا الخبير الاستراتيجي مارتن جاك (مؤلِّف كتاب “عندما تحكم الصين العالم”) فيؤكِّد أنَّ الدولار سيخلي المكان للعملة الصينية (اليوان) وستتلوَّن، من ثمَّ، الحضارة الغربية بلون الحضارة الصينية العريقة.
إنَّ اقتصاد الصين العظيم المتعاظِم، بفضل مزاوجته بين مزايا “الاقتصاد الاشتراكي” ومزايا “اقتصاد السوق الحرَّة”، يقوم على التصدير، متَّخِذًا من الولايات المتحدة سوقًا كبرى لصادراته. ويُظْهِر هذا الاقتصاد، في نموِّه, ميلًا إلى زيادة الصادرات وتقليل الواردات، وإلى (من ثمَّ) بقاء كفَّة الصادرات راجحةً دائمًا على كفَّة الواردات.
وتوصُّلًا إلى ذلك, تصارع الصين من أجل المحافظة على رخص سعر صرف عملتها (اليوان) نسبةً إلى الدولار، وغيره من العملات الصعبة. ومع اجتماع هذين العاملين (زيادة الصادرات ورخص اليوان الذي أصبح منذ سنة 1996 قابلًا للتحويل) ينمو، ويزداد نموًّا، احتياط الصين من القطع النادر، وهو الآن الأعلى عالميًّا. وللصين مصلحة حيوية في أن يستمر “المُنْفِقون” في الولايات المتحدة وأوروبا في إنفاقهم، فهؤلاء المُنْفِقون، أو المُسْتَهْلكون، كانوا يضخُّون، قبل الأزمة المالية العالمية، أكثر من 9.5 تريليون دولار سنويًّا في الاقتصاد العالمي، ممكِّنين، من ثمَّ، صناعات التصدير الصينية من النمو. إنَّ “المُنْفِقين المُسْتَهلكين” في الولايات المتحدة وأوروبا هم المحرِّك للنمو الاقتصادي العالمي.
قوام السياسة الاقتصادية للدولة الصينية هو تشجيع “التصدير”، مع ما يستلزمه ذلك من جهد دائم للإبقاء على سعر صرف العملة الصينية منخفضًا. وهذا التخفيض المصطنع يتسبَّب برفع أسعار السلع الأجنبية في السوق الصينية، فيتقلَّص حجم الاستيراد، ويزداد “الادِّخار” من ثمَّ.
وبسبب فائضها المالي الضخم, والمتأتي من تفوُّق حجم الادِّخار لديها على حجم الاستثمار، أصبحت الصين من كبار الدائنين للولايات المتحدة.
الصين تبيع للولايات المتحدة بضائع, فيتراكم النقد الورقي (الدولار) لهذا الشاري عندها؛ فهل تشتري به بضائع من الولايات المتحدة؟
كلاَّ, لا تشتري. إنَّها تشتري به “سنداتها”، أي تحوِّله إلى ديون على الولايات المتحدة.. إلى ما يشبه “الودائع”. وإذا أحجمت الصين عن شراء “السندات” تفقد حكومة الولايات المتحدة مُقْرِضًا كبيرًا لها؛ أمَّا إذا أرادت الصين التخلُّص من تلك “السندات”، أو من بعضها، فلن تحصل في مقابلها على ذهب من الولايات المتحدة، وإنَّما على “الورقة الخضراء”، أي الدولار، فحسب. ويمكنها، عندئذٍ، أن تشتري بالدولار بضائع من الولايات المتحدة، أو غيرها.
دول الاتحاد الأوروبي هي الآن في تبعية قوية للغاز الروسي؛ والغاز على ما نَعْلَم هو لغة القرن الحادي والعشرين في مجال الطاقة؛ أمَّا روسيا فهي في تبعية قوية، أيضًا، للبضائع والسلع الأوروبية؛ ولو لم تكن الصين بهذه الأهمية العالمية في صُنْع وتصدير البدائل من البضائع والسلع الأوروبية، والغربية على وجه العموم، لَمَا تجرَّأت روسيا على استعمال ورقتها الغازيَّة القوية في ممارسة الضغوط على الأوروبيين، والغرب عمومًا؛ فهي الآن تستطيع إحلال المُسْتَهْلِك الصيني محل المُسْتَهْلِك الأوروبي لغازها، وإحلال البضاعة الصينية محل البضاعة الأوروبية في أسواقها.
كانت “القطرة” التي أفاضت “الكأس الروسية” هي عواقب العقوبات التي فرضها الغرب، وفي مقدَّمه الولايات المتحدة، على “روسيا بوتين”، بعد، وبسبب، ضَم شبه جزيرة القرم (الاستراتيجية، والتي كانت مشمولة بالسيادة الأوكرانية) إلى روسيا؛ فالذعر دبَّ في قلوب المستثمرين في الاقتصاد الروسي، فسارعوا إلى تحويل رؤوس أموالهم إلى الخارج، فتبخَّر سريعًا قسم كبير من احتياط المصرف المركزي الروسي بالدولار، فغدا الروبل بلا “درع دولارية” تحميه، فشرعت قيمته تنهار، وتتسارع انهيارًا. هذه العاقبة دقَّت جرس الإنذار في رأس سيِّد الكرملين الطَّامِح إلى جَعْل بلاده تستعيد مكانتها الدولية المفقودة؛ فكان خياره الاستراتيجي ألاَّ يبقى الروبل أسير الدولار، وألاَّ يبقى احتياط روسيا من الدولار ورقة ضغط في يد الولايات المتحدة، تستخدمها ضد روسيا مع كل اندفاعة جديدة لها في سعيها إلى استعادة مكانتها الدولية المفقودة.

إلى الأعلى