الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / الهجرة والمهاجرين: متى يتصالح الشمال الغني والجنوب الفقير؟
الهجرة والمهاجرين: متى يتصالح الشمال الغني والجنوب الفقير؟

الهجرة والمهاجرين: متى يتصالح الشمال الغني والجنوب الفقير؟

مقدمة:
أقر الاتحاد الأوروبي خطة أمنية لملاحقة الشبكات التي ترسل آلاف المهاجرين عبر البحرالأبيض المتوسط نحو أوروبا فيما أعرب الناتو عن استعداده التام للمساعدة. نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤولين دبلوماسيين رفضوا الكشف عن هويتهم، إنه تمت الموافقة على الخطة من قبل وزراء الخارجية والدفاع الأوروبيين في اجتماعهم بمدينة بروكسل.
ـــــــــــ
من جهته، صرح خافييرسولانا الممثل السامي للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة بالاتحاد الأوروبي بأن منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني تتوقع بدء العملية الأمنية خلال الشهر المقبل وذلك بعد إعلان التبرعات من المعدات العسكرية والاستعدادات العسكرية. وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي يواصلون البحث عن تفويض أممي للحصول على الشرعية كاملة لملاحقة المهربين وتجار البشر وتدمير قواربهم. وكانت موغيريني أعلنت أن الاتحاد سيتخذ قرارا حول بدء التحضير لعملية عسكرية في البحر المتوسط لمكافحة الهجرة غير الشرعية. وقالت موغريني عند وصولها إلى اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي على مستوى وزراء الخارجية والدفاع في بروكسل إنه يجب اتخاذ قرار حول إطلاق العملية، مؤكدة أن المسألة الأهم اليوم هي اتخاذ قرار سياسي حول العملية في البحر المتوسط لمحاربة المجموعات الإجرامية التي تمارس تهريب البشر لكي نبدأ التحضيرات العملية في الأسابيع المقبلة. قرار الاتحاد الأوروبي الذي اتُّخذ مؤخرا بشأن مكافحة الهجرة غير القانونية إلى أراضي دولِه الأعضاء يثير الانتقادات في أوساط المرشحين لهذا النوع من الهجرة المتواجدين في مراكز الاستقبال الخاصة بهم في جنوب إيطاليا، مثلما يثير رفض ليبيا وروسيا وكذلك دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى التخلي عن هذه الطريقة في التعاطي مع مأساة الهجرة بقوارب الموت وتبني أساليب أخرى غير عسكرية.
///الهجرة: مسئولية من؟
ألقى الكاتب الصحفي الإيطالي المتخصص في شؤون الهجرة غير النظامية ستيفانو ليبرتي مسؤولية موت هؤلاء المهاجرين على السياسات الأوروبية التي أغلقت أبواب الهجرة منذ زمن بعيد، وجعلت دخول الفضاء الأوروبي أمرا مستحيلا. وأوضح أن هؤلاء الأشخاص يهربون من الحروب والكوارث، ولكن الحكومات الأوروبية تستخدم كل الوسائل لمنعهم من الوصول إلى أراضيها، وتجبرهم على البقاء عالقين في دول المعبر كما هو الحال في ليبيا.
من جهته، رأى الخبير الدولي في شؤون الهجرة غير الشرعية مهدي مبروك أن ليبيا تحولت في السنوات الأخيرة إلى أهم معبر بحري يستخدمه اللاجئون للوصول إلى أوروبا. وبحسب مبروك، فإن أوروبا لا يمكنها أن توقف تدفق المهاجرين بمفردها، بل تحتاج إلى “شرطي” يساعدها في “المهام القذرة” مثل الترحيل الذي تمنعه المنظومة القانونية الأوروبية، وأوضح أن النظام التونسي سبق له أن لعب هذا الدور في عهد الرئيس زين العابدين بن علي. وأكد أن أوروبا في مأزق وتبحث عن شريك يقوم “بالأدوار غير الأخلاقية” مثل السجن والترحيل، كما تحتاج إلى تفعيل منظومتها الأمنية وتفعيل قوانينها التي تجعلها قلعة حصينة لا تخترق بسهولة. وأرجع الخبير الدولي ظاهرة الهجرة إلى الخلل الظاهر في البنية الاقتصادية بين ضفتي المتوسط، وأوضح أن الحروب والكوارث الطبيعية تتسبب في حركة البشر التي يضمنها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وحمّل المسؤولية القانونية عن حوادث الغرق المتكررة إلى شبكات التهريب، و”بعض” الأجهزة النظامية الشرطية والإغاثية، إضافة إلى السياسات غير الشرعية والممارسات الظالمة التي تقوم بها بعض الدول.
وغطت صحف بريطانية وأميركية مأساة المهاجرين غير الشرعيين لأوروبا وموت الكثير منهم غرقا في البحر المتوسط وردود الفعل المتباينة حول هذه المأساة وتقاعس الغرب في مواجهتها وضرورة إيجاد حل لهذه المشكلة المتفاقمة. فقد انتقدت صحيفة تايمز الموقف الأوروبي الضعيف من مساعدة اللاجئين الذين يكتظون في قوارب الموت هربا من الأهوال والصعاب التي يلاقونها في بلادهم ولا يجدون من يساعدهم، وقالت إن هؤلاء أناس مثلنا وليسوا “صراصير”، وأنه يجب التوقف عن اللعب بأرواحهم بتلك المناورات السياسية.أما افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز فقد أشارت إلى أن موسم الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا قد بدأ، حاملا معه موجة جديدة من حوادث الغرق المأساوية في البحر المتوسط، وأنه إذا لم تتحرك أوروبا لإصلاح سياستها بشأن الهجرة فإن عام 2015 يمكن أن يكون أكثر الأعوام هلاكا نظرا لفرار آلاف البشر إلى ليبيا من المناطق التي تمزقها الصراعات في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا ليجدوا أنها لا تقل خطرا عما كانوا فيه.وعلقت صحيفة أوبزرفر في افتتاحيتها بأنه لا يمكن لأوروبا أن تسترخي ولا تعمل شيئا في وقت يموت فيه آلاف المهاجرين كل أسبوع بحثا عن حياة جديدة في ايطاليا واليونان.وترى الصحيفة أن هناك تجاهلا واضحا في أوروبا لهذه المأساة الإنسانية الهائلة التي تتكشف على طول شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وتنبع أصولها من تشاد ودارفور وسيراليون وإريتريا والصومال وسوريا وليبيا، حيث بلغ عدد الذين غرقوا أو قتلوا هذا العام نحو 950، وبحسب المنظمة الدولية للهجرة فقد ارتفع معدل الوفيات عشر مرات. وأشارت الصحيفة إلى أنه في ظل هذه الظروف تنشط عصابات الاتجار بالبشر والتهريب في مأمن من العقاب وتلجأ بسهولة إلى العنف. وكتبت صحيفة إندبندنت أن على الاتحاد الاوروبي أن يتعهد بتوفير الأموال المطلوبة لمنع قوارب الموت من حصد المزيد من الأرواح غرقا في البحر المتوسط، والتخلي عن رفضه عدم التحرك بحجة أن توفير المال لبعثات الإنقاذ والدوريات في المتوسط يشكل حافزا لمحاولة القيام بهذه الرحلات الخطيرة. وذكرت الصحيفة أن الاستجابة المنسقة وتوفير المال المطلوب يمكن أن يشكل خطوة أولى إيجابية، وأن أوروبا تخاطر بالمزيد من الوفيات على أعتابها ما لم تجعل هذه المأساة المستمرة على رأس أولوياتها. صحيفة ديلي تلغراف كتبت في افتتاحية لها أنه بالرغم من ضرورة عبارات التعاطف والحزن التي نطق بها الفاتيكان ، فإنها ليست ردا كافيا على هذه المأساة المفجعة، والأمر يتطلب قيام الدول الأوروبية بدور أكبر لمواجهة مثل هذه الأزمات. لكنها أردفت بأنه إذا حاول الاتحاد الاوروبي الإشارة إلى وضع ما جديد للذين يخاطرون بحياتهم في أعالي البحار فإن هذا من شأنه أن يعقد الأمور أكثر بتشجيع آلاف آخرين للقيام بمثل هذه الرحلات.وأشارت الصحيفة إلى عدة حلول لمثل هذه الأزمات ولكن لكل منها سلبياته، وانتهت إلى أن الحل الأفضل حاليا هو اتباع نهج أشد صرامة يتمثل في فرض حصار بحري للموانئ التي تنطلق منها هذه الرحلات المحفوفة بالمخاطر، وبالتالي وقف السفن في مهدها قبل خروجها إلى البحار المفتوحة.وانتقد مقال آخر في الصحيفة نفسها سياسة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي سياسة الحكومة البريطانية، بأنها كانت سببا مباشرا ومتعمدا في غرق هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين في البحر المتوسط، معلقة بأن ما حدث جريمة قتل بل مذبحة، لأن السياسة البريطانية بشأن الهجرة والتضييق فيها تعني لا محالة ترك هؤلاء لحتفهم.من جانبها، كتبت صحيفة فايننشال تايمز أن حجم المأساة والقصص الإنسانية التي تروى عن أعداد اللاجئين قد تجبر السياسيين الأوروبيين في نهاية المطاف على مواجهة المشكلة التي فضلوا تجاهلها في البداية، لكن اتخاذ إجراء قد يكون بعيد المنال لأن الخيارات المحتملة التي يواجهونها لا تزال غير جذابة، مما يجعل السياسيين يترددون في تحمل المسؤولية.وأشارت الصحيفة إلى بعض هذه الخيارات وهي: زيادة الدوريات البحرية والتقاط المزيد من المهاجرين، والثاني تقاسم العبء داخل أوروبا، والثالث التركيز على ليبيا، حيث إن انهيار الحكومة الذي أعقب الإطاحة بنظام القذافي قد شكل قاعدة ملائمة للاتجار بالبشر.وحول سبل مواجهة هذه الأزمة، نشرت صحيفة غارديان أن الاتحاد الأوروبي بصدد شن عمليات عسكرية ضد شبكات المهربين في ليبيا المتورطين في إرسال آلاف الناس إلى حتفهم في البحر المتوسط.وفي السياق علقت صحيفة إندبندنت بأن أوروبا مسؤولة عما يحدث للمهاجرين الذين يلقون حتفهم في البحار، لأن بعض دول الاتحاد الأوروبي -مثل بريطانيا وفرنسا- ساعدت في خلق عدم الاستقرار المقلق في ليبيا بالتدخل فيها عام 2011، الأمر الذي أوصل الشخص العادي إلى الوضع المأساوي الذي جعله يحاول النجاة بحياته ليلاقي حتفه في البحر هربا.وترى الصحيفة أن أوروبا يمكن أن تحدث فرقا في هذه الأزمة بأن تبدأ بالاهتمام بخدمات الإنقاذ الخاصة بها وتحسين نظام اللجوء الخاص بها، بالإضافة إلى تحسين الأوضاع في أماكن مثل الصومال والعراق وملاحقة مهربي الناس.كذلك أشارت افتتاحية تايمز إلى أن استجابة أوروبا لهذه المأساة الإنسانية كانت مشوشة إلى حد كبير، ومع ذلك ترى وجود حلول لهذه الأزمة رغم صعوبتها. ومن هذه الحلول تدخلات مستهدفة لتدمير خطط الابتزاز الإجرامية وتعاون فوري من دول الاتحاد للقيام بذلك، وضرورة أن يغتنم الاتحاد الأوروبي هذه اللحظة للمساعدة في الحد من الهجرة الاقتصادية من مصدرها، من خلال تشجيع علاقة جديدة مع أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لا تقوم على المساعدات ولكن على زيادة الحوافز للاستثمار الأجنبي المباشر.و علقت صحيفة واشنطن بوست في افتتاحيتها على ما قاله رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي من أن الطريقة الوحيدة لوقف فيضان المهاجرين إلى أوروبا هي أن تتصالح قبائل ليبيا في ما بينها.وترى الصحيفة أن هناك بعض الحقيقة في ملاحظة رينزي لكنها تصور على نحو أقل مما تقتضيه الحقيقة، وهي التزام ايطاليا ودول أوروبية أخرى بمنع وقوع كارثة إنسانية، وهذا هو ما أصبح واضحا بشكل مأساوي مؤخرا عندما انقلبت سفينة محملة بأكثر من سبعمائة شخص قبالة الساحل الليبي، تم إنقاذ 28 شخصا فقط، مما يعني أن عدد القتلى قد يكون الأعلى في البحر المتوسط منذ الحرب العامية الثانية . وختمت الصحيفة بأن الأتحاد الأوربي هو الوحيد الذي يستطيع مساعدة هؤلاء المهاجرين، وذلك باستئناف عملية بحث وإنقاذ واسعة ودراسة توفير السبل القانونية للاجئين الأفارقة، للبحث عن ملجأ في بلدانهم دون الحاجة إلى ركوب قوارب التهريب، كما ينبغي النظر في اتخاذ خطوات أكثر قوة لمكافحة المهربين والمساعدة في استعادة النظام في ليبيا، وأضافت أن ما لا ينبغي أن يكون خيارا هو مواصلة تجاهل الأزمة الإنسانية التي تصب في البحر المتوسط.ومن جانبها، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال أن وفاة هذا العدد الكبير من المهاجرين في البحر المتوسط هو نتاج تجارة مربحة تقدر بملايين الدولارات لتهريب البشر تقوم بها مليشيات ورجال قبائل وعصابات ليبية، كما يقول مسؤولو إنفاذ القانون وجماعات مساعدة المهاجرين. وذكرت الصحيفة أن الانهيار الاقتصادي في ليبيا وسباق المليشيات والقبائل لإيجاد موارد تمويل لتأجيج الصراع هناك تعقد بدرجة كبيرة أي جهود أوروبية لإحراز تقدم في مكافحة هذه التجارة التي عززت أرباحها من الاتجار بالبشر توازنا جديدا للقوى في منطقة الساحل وليبيا.أما مجلة فورين بوليسي فقد كتبت أن الأزمة الإنسانية على طول الحدود الجنوبية لأوروبا تبدو في مد وجزر من الوعي العام مع كل غرق جماعي في البحر المتوسط، وترى أن الأزمة الحالية لن تهدأ.وأشارت المجلة إلى أن عدد المهاجرين الذين قضوا أثناء محاولة عبور البحر المتوسط بين يناير وسبتمبر2014 – وفقا لإحصاءات المنظمة الدولية للهجرة- بلغ 3072، وأكثر من 1500 أثناء محاولتهم الذهاب من ليبيا إلى إيطاليا هذا العام.
///الهجرة … ظاهرة عالمية
لماذا يقرر الملايين من الناس سنوياً السفر إلى الخارج ومغادرة أوطانهم ؟ الإحصائيات تظهر أن حوالي ثلاثة في المائة من سكان العالم يعدون من المهاجرين الذين تركوا بلادهم بحثاً عن مستقبل أفضل.
تعني الهجرة في علم الاجتماع تبدل الحالة الاجتماعية، سواء بتبدل الموطن أو الوضع الاجتماعي أو المهنة أو غير ذلك، أما حسب علم السكان فالهجرة تعني الانتقال من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو دينيا أو غير ذلك، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي. ومن الناحية القانونية فالهجرة السرية أو غير الشرعية أو غير القانونية تعني الانتقال من بلد إلى آخر عبر وسائل غير نظامية أو غير قانونية أو غير شرعية للوصول إلى المكان الذي يريد المهاجرون غير الشرعيين أن يصلوا إليه .
إن قضية الهجرة غير الشرعية باتت من أهم القضايا التي تؤرق المجتمع الدولي والدول التي تمثل مصدرا للمهاجرين وكذلك الدول التي تستقبلهم . إن الهجرة غير الشرعية بغض النظر عن أسبابها ودوافعها المختلفة تعكس عدم المساواة واختلال العدالة في النظام الدولي وتركيباته، وذلك بسبب تفاوت مستوى الحياة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير. وتقع المسؤولية بدرجة أساسية على الدول المتقدمة، التي تمنع الهجرة الشرعية وتفرض قيودا وقوانين صارمة تحت زعم حماية مصالحها واقتصادها وأمنها، كما تتحمل الدولة الطاردة مسؤولية كبرى بسبب أنظمتها السياسية والاجتماعية وانعدام تكافؤ الفرص وعدم توفير العمل والحد الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة. تتسم الهجرات الحالية بدوافع متنوّعة وأسباب مختلفة للانتقال إلى البلدان المتقدمة أو الغنية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو دول الخليج وبعض دول المشرق العربي وحتى بعض دول أميركا اللاتينية مثل الأرجنتين وفنزويلا والمكسيك، وكلها تمثل بلدانا جاذبة للهجرة من دول مجاورة فقيرة. ولاشك أن الهجرة إلى أوروبا أصبحت تثير قلق كثير من البلدان الأوروبية ليس لأن هذه البلدان غير راغبة في تقديم المساعدة، بل لأن تقديم المساعدة في حد ذاته مسؤولية كبرى ويحتاج إلى توفير الإمكانات، خاصة مع استمرار مد المهاجرين، وكانت الفكرة في الماضي هي أن تقدم الدول الغنية مساعدات إلى الدول الفقيرة لمساعدتها في تقديم البرامج التي توفر الوظائف والخدمات لمواطنيها، ولكن يبدو أن الكثير من هؤلاء المواطنين لم يعودوا قادرين على الصبر وهم يريدون اختصار الوقت والمسافات بالسفر مباشرة إلى الدول الغنية. هذه الظاهرة ظاهرة عالمية موجودة في جميع دول العالم يبحث فيها المهاجر عن وضع أفضل اقتصاديا واجتماعيا في البلدان التي يهاجر إليها. ولكن تكمن خطورة هذه الهجرة في طرقها الخطيرة . شباب يمتطون البحر بقوارب غير قادرة على العبور فتتحول هذه القوارب من قوارب نجاة وعبور إلى الأحلام إلى «قوارب موت».لعل تلك الأخبار المأساوية التي تُطالعنا بها المحطات التليفزيونية ووكالات الأخبار العالمية هى نقطة في بحر مما حدث من كوارث بسبب الهجرة ، وآخرها جثث المهاجرين الذين قضوا غرقا قُبالة سواحل لامبيدوزا الإيطالية ووصل عددهم في هذه المأساة الى 213 شخصا. فما بالك لو تضمنت عقدا من السنوات. تقول كثير من الدول الأوروبية إن هناك زيادة ملحوظة في عدد المهاجرين، ولم تعد الهجرة مقتصرة على العناصر التقليدية بل بدأت كثير من الجنسيات الجديدة تدخل على الخط، وقد بدأت الجهات الأوروبية تحدد جنسيات السوريين والمصريين والفلسطينيين والشباب من شمال أفريقيا، ومن شباب القارة جنوب الصحراء، والذين كانوا يتوجهون في الماضي إلى الولايات المتحدة مباشرة. ويقوم معظم هؤلاء المهاجرين بمغامرات تتسم عادة بالخطورة، وقد قالت إيطاليا إنها قامت أخيرا بإنقاذ أربعمئة مهاجر كانوا متوجهين بالزوارق إلى سواحلها، والغريب أن معظم المهاجرين يقومون بمثل تلك المغامرات الخطرة هربا من الجوع دون خشية من الموت .
ظاهرة الهجرة غير الشرعية ظاهرة تفشت في مجتمعات العالم الثالث بأكمله، هذه المجتمعات التي تعيش صعوبات جمّة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلى الرغم من الآثار الوخيمة للهجرة غير الشرعية، سواء الموت غرقا أو السجن فى البلدان الأوروبية، إلا أن هناك إقبالا كبيرا على تلك الهجرة، حيث يقدر عدد المهاجرين إلى دول أوروبا خلال السنوات العشر الماضية بنحو 25 مليون مهاجر، 65% منهم وصلوا إلى الأراضى الأوروبية بطريقة غير مشروعة. وأفادت شبكة منظمات غير حكومية في باريس أن 17 الف مهاجر قضوا على مدى عشرين عاماً فيما كانوا يحاولون بلوغ أوروبا. وتواجه دول أوروبية عدة بينها إيطاليا تزايد تدفق المهاجرين إليها. ويشكو هذا البلد على غرار اليونان ومالطا وقبرص من عدم تضامن شركائه الأوروبيين معه. ونادرًا ما يتم إدراج الهجرة فى الاستراتيجيات الإنمائية للبلدان، على الرغم من النطاق الواسع الذى تجرى فيه الهجرة المحلية والدولية، وتهدف شراكة المعارف العالمية للهجرة والتنمية التي أعلن عنها البنك الدولى والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون إلى تعبئة قوة العقول العالمية لتمكين البلدان المضيفة وبلدان المنشأ والعمال المغتربين من جنى المنافع الكاملة للهجرة. وإذا كانت الهجرات سابقا قد قضت على حضارات قديمة، فإنها سعت للسيطرة على سكان البلاد الأصليين. هناك عدّة أنواع من المهاجرين غير الشرعيين، فمنهم من اجتاز الحدود ودخل البلاد التي قصدها بطريقة غير قانونية دون إعلان عن وجوده وتحديد وضعه القانوني. أما النوع الثاني فإنه قد يكون دخل البلاد المستقبِلة بطريقة شرعية، لكنه تجاوز مدة إقامته ومكث فيها خارج الأنظمة المعمول بها والنافذة، وبالتالي أصبح غير قانوني أو غير شرعي. أما الفريق الثالث فهم من يعمل بصورة غير قانونية في مدّة إقامته المسموح بها، وهناك مجموعة رابعة، وهي التي تعمل في أعمال غير منصوص عليها في عقود العمل المبرمة معها. وفي تقرير صدر عن الأمم المتحدة تناول أسباب الهجرة الجماعية غير المنظمة أفاد بإزدياد أعداد الشباب في بلدان “العالم الثالث” وتضاؤل وتدهور فرص العمل وأوضاعه، لا سيما كثرة الباحثين عن عمل و استشراء الفقر، ناهيكم عن اتساع الهوة بين بلدان الشمال الغني وبلدان الجنوب الفقير. يضاف إلى ذلك ازدياد وتعمق الوعي بحدّة الفوارق، الأمر الذي يجعل “الهجرة” أحد الخيارات “الاضطرارية” للخلاص من الوضع غير الإنساني الذي تعيشه فئات واسعة من السكان محرومة في الغالب من فرص العيش الكريم، وبموارد لا تزيد عن دولارين في اليوم أو أقل من ذلك، يضاف إلى ذلك أيضا شح فرص التعليم وانتشار الأمية والجهل وتدني الخدمات الصحية وتفشي الأمراض وغير ذلك. وبفعل العولمة والتقدم الحاصل في مجال الاتصالات والمواصلات الدولية، أصبح السفر متاحا رغم تقلص منافذ الهجرة، مما يجعل من الهجرة غير الشرعية إحدى الظواهر الخطيرة التي يعاني منها المجتمع الدولي. وحسب منظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10 و15% من عدد المهاجرين فى العالم، والبالغ عددهم – حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة – نحو 180 مليون شخص. ووفقا لتقرير منظمة الهجرة الدولية، فإن حجم الهجرة غير القانونية إلى الاتحاد الأوروبى قد وصل لنحو 15 مليون فرد. وقد وضع العديد من الاتفاقيات الدولية من جملة أهدافها حماية العمال المهاجرين، مثلما هي الاتفاقية الدولية للعام 1949 (دخلت حيّز التنفيذ عام 1952) التي عالجت موضوع الهجرة، والاتفاقية الدولية بشأن العمال المهاجرين للعام 1975 (دخلت حيّز التنفيذ عام 1978) التي تناولت موضوع الهجرة غير المشروعة، والاتفاقية الدولية للعام 1958 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة (دخلت حيّز التنفيذ في العام 1960). وقد ركّزت هذه الاتفاقية على المساواة وتكافؤ الفرص ومنع التمييز في المعاملة سواء في الاستخدام أو المهنة. يضاف إلى هذه الاتفاقيات الدولية، اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وكذلك الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم مثلما هي اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1990 (التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2003)، ولعل أهمية هذه الاتفاقية تأتي من كونها استندت على مرجعية دولية خاصة بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان.
///القضاء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية:
يمكن القول إن القضاء على ظاهرة الهجرة غير الشرعية سيكون من الصعوبة بمكان، إذا لم يتم القضاء على كل الظروف التى تتسبب فيها. فاتخاذ خطوات لتقليص اعداد الباحثين عن عمل ، والحد من أوجه القصور التى تنال من التنمية، بما يقلل الفجوة التنموية بين دول الشمال و الجنوب ، هما السبيل الوحيد للتعاطى الجدى مع المشكلة، الأمر الذى يدعونا إلى القول إنه يتعين على الاتحاد الأوروبى و الدول الغربية يشكل عام أنتهاج استراتيجيات خاصة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى دول الجنوب، عبر الدعم المالى والتقنى من أجل توفير فرص عمل ودخول مناسبة للشباب فى هذه الدول. ولكى يكون التعاطى المستقبلى مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية على أسس قوية وعلمية، فلابد من السير وفق إجراء تقييم عام لدوافع ونتائج الهجرة وأوضاع المهاجرين فى الخارج بصفة عامة. ‏ويعتبر عامل القرب الجغرافي من العوامل المساعدة على الهجرة وهو الذي يفسر هجرة المكسيكيين إلى أمريكا والأندونسيين إلى ماليزيا ،ودول الشمال الإفريقي إلى دول جنوب أوروبا.
///المحطات التاريخية في تاريخ الهجرة غير الشرعية:
من الممكن القول بأن القرن المنصرم هو قرن الهجرات بامتياز ومن الواضح أن كل عمليات الهجرة التي تمت من الجنوب إلى الشمال خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي كانت تتحدد وفقا لحاجة المجتمعات الشمالية وكانت تتم وفق شروط أوروبية/ غربية صارمة ، ولتلك الظاهرة محطات تاريخية يمكن الوقوف عليها:
///مراحل الهجرة في الحوض المتوسطي:
اتسمت تلك المراحل بتسجيل تدفق كبير واسع لأنواع الهجرة من الجنوب ،وثمة ثلاث محطات زمنية متداخلة قبل 1985 وكانت سمات تلك المرحلة أن الدول الأوروبية كانت بحاجة إلى مزيد من العمالة من دول الجنوب ، كانت متحكمة في حركة تدفق المهاجرين ،وأهم ما تتسم به تلك المرحلة أن المهاجر الجنوبي فهم قواعد اللعبة في دول الشمال وبدأ يبلور خطابات حقوقية له داخل المجتمع المستقبل. ومن ثم كانت تلك عوامل محفزة لمزيد من المهاجرين والذين استفادوا إلى حد كبير من غفلة الأنظمة الأمنية الأوروبية في هذه المرحلة.
//المرحلة الثانية 1985- 1995 :
تميزت تلك المرحلة ببداية ظهور تناقضات بين المهاجرين الشرعيين ومزاحمتهم لأبناء البلد الأصليين ، تزامن ذلك مع إغلاق مناجم الفحم في كل من فرنسا وبلجيكا التي كانت تستوعب أغلب المهاجرين وقتذاك في المقابل تزايدت رغبة أبناء الجنوب في الهجرة تجاه الشمال ما أدى إلى إغلاق الحدود ، في هذه المرحلة تبدو مفارقة تتمثل في الاتفاقيات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1990 لحماية حقوق العمال ، فهذه الاتفاقية لم تحظ بأي قبول من أية دولة أوروبية وهذا يدل على الرغبة الأوروبية في التعامل مع هذا المعطى الجديد من منظور جديد حتى لو كان ذلك التعامل على حساب الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية التي تكفل الحق في التنقل.
//المرحلة الأخيرة بعد 1995 حتى الآن:
هذه المرحلة اتسمت بالطابع الأمني الصارم ؛إذ عمدت الدول الأوروبية إلى نهج سياسة أمنية صارمة بخصوص التجمع العائلي وأبرمت اتفاقيات مع دول الجنوب حول ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. تجاه هذه السياسة ” سياسة الأبواب الموصدة ” كرد فعل لها بدأ ما يعرف بالهجرة غير الشرعية أو السرية بدون وجه قانوني. وفي مقابل هذا الوضع الاحترازي تزايدت رغبة أبناء الجنوب في الهجرة تجاه دول الشمال ما أدى إلى إغلاق الحدود. ففي 19 يونيو 1995 ومع دخول “اتفاقية شنغن” الموقعة بين كل من فرنسا وألمانيا ولكسمبورغ وهولندا حيز التنفيذ تم السماح بموجبها بحرية تنقل الأشخاص المنتمين إلى الفضاء الأوروبي. لكن مع دخول كل من إسبانيا والبرتغال إلى هذا الفضاء اتخذت قضية الهجرة أبعادا غير متوقعة، لاسيما بعد لجوء سلطات مدريد إلى فرض مزيد من الإجراءات الاحترازية أمام أي عملية هجرة جديدة، وذلك في محاولة لمنح مواطنيها مزيدا من الاندماج في الاتحاد الأوروبي. في هذه المرحلة تبرز مفارقة كبيرة تتمثل في الاتفاقيات الدولية الصادرة في العام 1990 المخصصة لـ “حماية حقوق العمال المهاجرين وأهاليهم” والتي صادقت عليها تسع دول من الجنوب في العام 1998. ووجه المفارقة هنا هي أن هذه الاتفاقية لم تحظ بقبول أي دولة أوروبية وهو الأمر الذي يفسر الرغبة الأوروبية في التعامل مع هذا المعطى الجديد من منظور جديد ولو تم الأمر على حساب الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية الداعية إلى الحق في التنقل والبحث عن غد أفضل
يصعب تحديد حجم الهجرة غير الشرعية نظرا لطبيعة هذه الظاهرة ولكون وضع المهاجر السري يشمل أصنافا متباينة من المهاجرين فمنهم كما ذكرنا اعلاه الأشخاص الذين يدخلون بطريقة غير قانونية إلى دول الاستقبال ولا يسوون وضعهم القانوني و الأشخاص الذين يدخلون دول الاستقبال بطريقة قانونية ويمكثون هناك بعد انقضاء مدة الإقامة القانونية. و الأشخاص الذين يشتغلون بطريقة غير قانونية خلال إقامة مسموح بها. و الأشخاص الذين يشغلون منصبا دون المنصوص عليه في عقد العمل. ولعل هذا يشرح كيف أن التقديرات التي تقدمها هذه الجهة أو تلك تظل متضاربة، فمنظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10- 15% من عدد المهاجرين في العالم البالغ حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حوالي 180 مليون شخص. وحسب منظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي يصل نحو 1.5 مليون فرد. وفي أوروبا على سبيل المثال فإن الشرطة الأوروبية تقدر أعداد المهاجرين غير الشرعيين في دول الاتحاد الأوروبي بحوالي نصف مليون مهاجر.
///أسباب الهجرة غير الشرعية:
لفهم ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي أصبحت تقلق بال الحكومات المستقبلة لابد من تقصي أسبابها، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة عوامل رئيسية: العوامل الاقتصادية، العوامل المحفزة وعوامل النداء. العوامل الاقتصادية التباين في المستوى الاقتصادي يتجلى التباين في المستوى الاقتصادي بصورة واضحة بين الدول الطاردة والدول المستقبلة. هذا التباين هو نتيجة لتذبذب وتيرة التنمية في هذه البلاد التي لازالت تعتمد أساسا في اقتصادياتها على الزراعة والتعدين وهما قطاعان لا يضمنان استقرارا في التنمية نظرا لارتباط الأول بالأمطار والثاني بأحوال السوق الدولية وهو ما له انعكاسات سلبية على مستوى سوق العمل. خلافا لما نجده في دول الاستقبال، فإن النمو الديمغرافي، رغم الوضعية المتقدمة لما يسمى بالانتقال الديمغرافي في الدول الموفدة، لازال مرتفعا نسبيا وهذا له انعكاس على حجم السكان النشيطين وبالتالي على عرض العمل في سوق العمل . وهكذا فإن شحة فرص العمل و كثرة الباحثين عنه تمس عددا كبيرا من السكان وخاصة منهم الشباب والحاصلين على مؤهلات جامعية. هذا الضغط على سوق العمل يغذي “النزوح إلى الهجرة” خاصة في شكلها غير القانوني. ويشكل التباين في الأجور كذلك عاملا للتحفيز على الهجرة حيث الحد الأدنى للأجور يفوق بـ3 إلى 5 مرات المستوى الموجود في دول شمال افريقيا، على أن هذا الحد لا يحترم أحيانا من طرف أرباب العمل. ولكن إذا كانت الظروف الاقتصادية تشكل عوامل أساسية في التحفيز على الهجرة، إلا أن ذلك لا يشرح كيف أن البعض يمر إلى مرحلة التطبيق دون البعض الآخر، هذا يعني أن قرار الهجرة تدفع إليه عوامل أخرى وهي أساسا اجتماعية و نفسية.
اما العوامل المحفزة فهي تتجلى أساسا في ثلاث عوامل:
ـ صورة النجاح الاجتماعي: الذي يظهره المهاجر عند عودته إلى بلده لقضاء العطلة، حيث يتفانى في إبراز مظاهر الغنى: سيارة، هدايا، استثمار في العقار الخ…. وكلها مظاهر تغذيها وسائل الإعلام المرئية.
ـ آثار الإعلام المرئي: فالثورة الإعلامية التي يعرفها العالم جعلت السكان حتى الفقراء منهم يستطيعون اقتناء الهوائيات التي تمكنهم من العيش عبر مئات القنوات في عالم سحري يزرع فيهم الرغبة في الهجرة.
ـ القرب الجغرافي: فأوروبا لا تبعد كثيرا عن شواطئ دول شمال إفريقيا , إضافة إلى هذه العوامل الاقتصادية والمحفزة، هناك عوامل أخرى مصدرها دول الاستقبال. عوامل النداء : إن حلم الهجرة هو نتاج الممنوع، وهو رد فعل أمام غلق الأبواب أمام الهجرة الشرعية والسياسة التي تبنتها أوروبا في هذا المجال والتي كانت لها آثار عكسية حيث أججت من وتيرة الهجرة السرية وجعلت كلفتها باهظة بالنسبة للمرشح للهجرة. وهكذا أصبحت الهجرة مشروعا مكلفا واستثمارا يقتضي تعبئة مصادر للتمويل من أجل تحقيقه من ديون ومن بيع للأرض والممتلكات… إلخ هذا ما يفسر كيفية إقبال المهاجر غير الشرعي على أي عمل مهما كان مذلا وصعبا لأنه في كل الحالات لا يقبل أن يرجع خاوي الوفاض.
وتجدر الإشارة هنا إلى وجود طلب نوعي على العمل في دول الاستقبال، هذا الطلب يستجيب وفقا لمعايير كلفة تشغيل العامل ومرونته في قبول أعمال صعبة حسب احتياجات سوق العمل وغالبا ما تكون هذه الأعمال مؤقتة ومنبوذة اجتماعيا. هذا الطلب يصدر أساسا عن قطاعات كالزراعة والبناء والخدمات. وتحصل هذه القطاعات على امتيازات مالية واجتماعية بتوظيف هذه اليد العاملة التي تتميز بكونها طيعة وغير مكلفة. ويظل الجزاء القانوني حتى الآن، رغم القوانين الصادرة للحد من الهجرة غير الشرعية، دون حد رادع لأصحاب العمل عن استغلال هذه اليد العاملة الغير شرعية. وقد أدت جدلية الرفض القانوني والطلب الاقتصادي إلى إنعاش ما يمكن تسميته بـ”تجارة الأوهام”. وقد تكونت شبكات منظمة في مختلف مناطق مرور المهاجرين السريين لتقدم خدماتها إلى هؤلاء. كل هذه العوامل تغذي الرغبة في الهجرة، وهذا النزوح هو أقوى عند الشباب
لذلك فأن محددات الهجرة كثيرة ومتباينة وأن الإجراءات القانونية لدول الاستقبال لا يمكن أن تكون فاعلة إلا إذا واكبتها إجراءات مصاحبة للتأثير على هذه العوامل في إطار مقاربة شاملة ويلخص العالم الديمغرافي الفرنسي الكبير ألفريد صوفي إشكالية الهجرة بقوله “إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات” .
واحد فقط من بين خمسة لاجئين يصل إلى أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية أو إلى بلد متقدم آخر. والأمر المثير للدهشة هو أنه بالرغم من الزيادة المطردة في عدد اللاجئين نتيجة الحروب الأهلية والصراعات العرقية والقمع السياسي، فإن عدد طلبات اللجوء في الدول الأوروبية قد تراجع. ولعل السبب في ذلك يكمن في أن تقديم طلب اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي بات أكثر تعقيداً إذ أصبحت توجد مبررات قانونية جديدة لإحالة طالبي اللجوء إلى دول أخرى بدلاً من التعامل مع المهاجرين أنفسهم. عندما يتقدم شخص ما للحصول على اللجوء في ألمانيا على سبيل المثال، فإن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين يتحقق من ما إذا كان صاحب الطلب قد دخل الأراضي الأوروبية عبر دولة أخرى أو تقدم بطلب لجوء في بلد آخر. وفي هذه الحالة، يتم تحويل الشخص للسلطات المعنية هناك. وإذا لم يكن ذلك، فيسكون السؤال الثاني هو ما إذا كان الشخص قد سافر إلى تلك الدولة عبر “دولة آمنة”، ويمكن إعادته بالتالي لتلك الدولة. لكن تعريف “الدولة الآمنة” داخل الاتحاد الأوروبي يختلف من دولة لأخرى. فعلى سبيل المثال، عدد الدول التي تعتبرها ألمانيا “دولاً آمنة” أقل كثيراً بالمقارنة بفرنسا أو بريطانيا. ويجب على طالب اللجوء إثبات أن مخاوفه من التعرض للاضطهاد في وطنه مبررة، عن طريق توفير أدلة دامغة إن أمكن. وفي ألمانيا، عادة ما يستغرق الأمر عدة أشهر حتى يتم اتخاذ قرار فيما يتعلق بطلبات اللجوء. وعلى الأقل خلال الأسابيع الأولى، يتوجب على طالبي اللجوء السكن في مساكن خاصة، وتُوفر لهم الاحتياجات الأساسية من غذاء وملابس وغيرها، لكنهم لا يحصلون سوى على حوالي 40 يورو نقداً، لتغطية مصاريف المواصلات والاتصالات الهاتفية الخاصة. وفي جميع أنحاء أوروبا، يكون على طالبي اللجوء الالتزام بلوائح العمل الصارمة: وفي ألمانيا مثلاً، لا يسمح لهم بالعمل في السنة الأولى وبعد ذلك يسمح لهم بالعمل لكن فقط بعد حصولهم على تصريح خاص بذلك.
///الهجرة: ماذا بعد؟
أخطأ الذين اعتقدوا أن العدد الكبير لضحايا غرق مركب المهاجرين غير الشرعيين سيشكل منعطفا في طريقة تعامل الأتحاد الأوربي مع الحالمين بالوصول الى الفردوس الأوربي أو الهاربين من بؤر الجحيم في بعض دول جنوب البحر المتوسط . قال ناشطو المنظمات الانسانية والاغاثية والحقوقية أن أولئك الضحايا الذين تراوح عددهم حسب التقديرات بين 700 و900 قتيل، ربما قدموا أنفسهم قرابين لتدشين مرحلة جديدة تفتح فيها أبواب أوروبا ” المحرجة” و “الغارقة في الشعور بالذنب” أمام الساعين الى ملاذها، لكن يبدو أن الحرج اتخذ لدى قادة القارة العجوز مفهوما آخر. الرسالة كانت واضحة في القمة الاستثنائية ان كانت المقاربة الأمنية قد أبانت عن محدوديتها، فينبغي تشديدها وتعزيزها بتدابير نوعية غير مسبوقة، لا إلغاؤها. اللهجة خلال القمة الاستثنائية للاتحاد الاوروبي جاءت شبه عسكرية. العزم معقود على تقوية التواجد البحري ومحاربة شبكات التهريب لمنع المراكب من الإقلاع من جنوب ذلك ” الجدار الطبيعي العازل”، البحر الأبيض المتوسط الذي يراد له أن يحمي المحظوظين من طمع البؤساء، والمتحضرين من غزو البرابرة. لكن لا مجال للحديث عن مرونة أكبر في استقبال الهجرة القانونية والتوسع في الاحتضان الإنساني للاجئين الفارين من حرائق الحروب. بيان القادة الأوروبيين شدد على تعزيز التواجد البحري لكنه لم يلبي مطلب برنارد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي السابق ومؤسس منظمة ” أطباء بلا حدود” الذي انتقد التلكؤ الاوروبي في التحرك وطالب بتشكيل أسطول بحري للإنقاذ.
يمكن للمرء أن يتفهم المنطق الأوربي في حماية حدودها، هي التي صرح أحد ساستها يوما بأن القارة لا يمكن أن تستوعب بؤس العالم. لكن المنطق نفسه سيحمل حينئذ أوروبا على إسقاط شعاراتها البراقة التي طالما رفعتها في سياستها الخارجية المشتركة، حول التنمية المشتركة والمسؤولية الأخلاقية تجاه الجنوب وإرساء فضاء الأمن والرفاه والاستقرار في المجال المتوسطي.
تشدد أوروبا على أن الحدث المأساوي كان نتيجة لوضعية طارئة صنعتها حالة الانهيارات السياسية والأمنية التي اتسعت رقعتها في جنوب المتوسط في خضم تداعيات ما يسمى الثورات العربية، خصوصا في ليبيا وسوريا، والحال أن المأساة قديمة تصمد في وجه السنين والقرارات والمؤتمرات، لأن معطياتها على الأرض لم تتغير: ثمة أوضاع طاردة في الجنوب: اختناق سياسي وخرق حقوقي وعجز تنموي، وأوضاع جاذبة في الشمال ، الفردوس الذي مازال يغري بالمخاطرة رغم الأزمات الاقتصادية التي ضربت بلدان جنوب أوروبا على وجه الخصوص.
أوروبا أرادت دائماً أن تكون دول الجنوب الشريكة في اطار المسار الأورومتوسطي، شرطيا يحمي نموذجها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، لذلك فشلت المقاربة ” العرجاء”، ولذلك ستفشل الحملة “العسكرية” المعلنة ضد المهربين وتجار البشر، باسم حقوق الانسان، علما أن الحكومة الإيطالية كانت اقترحت شن عمليات هجومية محددة ضد مراكب المهربين، لولا صعوبة التأطير القانوني والتنفيذ العملياتي لهذا المقترح.
ينبغي استحضار أن فكرة منح المرشحين للهجرة فرصة البقاء في بلدانهم من خلال مفهوم التنمية المشتركة التي يتم في إطارها تقاسم خبرات النمو ومحفزاته وإدماج الهامش في شبكات التبادل المادي والرمزي على الصعيدين الإقليمي والدولي، لم تكن غائبة تماماً عن الأدبيات المختصة باشكالية الهجرة ومستقبل الفضاء المتوسطي عموما، لكن على المستوى المؤسساتي والعملياتي، يعترف معظم الفاعلين الأوربيين، من النخبة القيادية والنخبة العلمية البحثية على حد سواء، بأن الاتحاد الاوروبي لم يبلور قط سياسة إرادية جذرية تسمح بالتأثير في الأرضية التي تنتج قرار الرحيل بأي ثمن الى الضفة الشمالية. سياسة المساعدات في اطار مسلسل برشلونة، كانت ضعيفة كما وقصيرة الأفق كيفا، ولا تتجه الى مساعدة الجنوبيين على تعلم صيد السمك بدل الاعتماد على العطايا ” غير البريئة” هي الأخرى الواردة من الشمال.
صحيح أن مافيات التهريب البشري تقرأ بذكاء تطورات الأوضاع في مناطق الانطلاق نحو الشمال، مترصدة مواقع فشل ممارسة السلطة وفرص الاستفادة من تفاقم الفساد، لكن هذه التحولات الظرفية لا تحجب الاختلال العنيد المزمن الذي يصنع الحلم المحفوف بالمخاطر، وهو أن فارق الدخل والمستوى المعيشي بين الضفتين يعادل نسبة واحد الى عشرة.
هل تتنكر أوروبا لتاريخ الحوض المتوسطي كما قرأه المفكر فرنان بروديل، الذي نظر لمجال متوسطي لا يشطره الماء بل يجمعه في اطار من التكامل بين العناصر الحضارية المشكلة له، كما كان ذلك في زمن انضم فيه الإرث الإغريقي اللاتيني الى الإسهام العربي الاسلامي في بناء “وحدة” الفضاء المتوسطي وإغناء الحضارة الانسانية.
ان الحديث عن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية وحتى الاستراتيجية لأوروبا في صياغة اجابة تجمع بين الأمني والإنساني، التنموي المستديم والعملياتي الظرفي، لا يعني رفع عبء المأساة عن أنظمة الجنوب التي زاد على فشلها في ربح رهان التنمية وضمان الحقوق الأساسية لمواطنيها، عجزها عن بناء مؤسسات وركائز دولة وطنية قوية على الارض. المقصود ان انتماء الاتحاد الاوروبي الى مدار المركز الغربي الرائد في توازنات القوة اليوم، يخوله هامشا أكبر للمبادرة وإمكانيات أوسع لخلق التأثير الإيجابي في امتداده الجغرافي والتاريخي، جنوب بحر كان يجمع أكثر مما يفرق.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى