الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ألا اتقوا الله فينا .. حتى لا نصبح رهائن الحقد والموت

ألا اتقوا الله فينا .. حتى لا نصبح رهائن الحقد والموت

علي عقلة عرسان

أسعى إليك تُباريني تَباريحي
خَيلي الرياحُ وأشعاري تسابيحي
يا من ملكت عليَّ الكونَ أجمعه،
وأشعلت نارُ حبيك مصابيحي
أسابق الصوت، من شوقٍ، ومن لهفٍ
إلى شعابٍ، بها قد أينعت روحي
أستافُ ما لا ربيع الكون يشبهه
نشرَ الروابي، وما يشفي تباريحي
ما يثقل القلب إلا علة سكنت
بين الضلوع، ولا تَشفى بتصريحِ
يا صاحب المجد، ساكَنْتَ الفؤاد، وما
أبهى بدائع روح ساكنت روحي
يُعشي عيوني إذا أنواره سطعت،
ويستبيني، فما أدري بما يوحي
أمشي على دربه، دمعي يسابقني
إلى بَهيٍّ، حنونِ القلبِ، مقروحِ
تناوشته ذئابُ العصر، فانتحبت
حتى السّماء لدِمِّهِ المسفوح
أهفو إلى سَامِعٍ منهليسمعني
أفضي إليه بإيماء وتلميح
بما يفتت كبدي من قساوته
وما يزيدعذاباتيوتجريحي
يا لحظة الوعد ما أبهاكِ، في وطنٍ
يشفي مواتي، ويحيي في المدى روحي
إذا تناهت إلى سمعي بوارقُه
حسبت أنيَ فوقَ الخُلد والريح
لكنني كامدُ اللونين من فزعٍ،
فيه ومنه، على الأطفال في السُّوح
ترميهم الحرب من سهل إلى جبل
إلى صحارى، إلى رعبٍ، وتذبيح

* * *
سوريا الوطن، بما تعنيه لي، ولأهلها، ولأمتيها العربية والإسلامية، وللعالم أجمع، من حيث: الهوية والتاريخ والحضارة.. سوريا الوطن، في مهب الريح، تعصف بها الحوادث، وتزوبِعُها المحن، وتفترسها الحرب المجنونة، وتكتنفها الكوارث، وتجتاحها وحشية بشرٍ، تتقاصر أمام وحشية أفعالهم قامات الوحوش. وأكثر ما يحيق بهذا البلد الحبيب العزيز الجميل، من مخاطر: عدم شعور المتقاتلين على أرضه، ومن يقف وراءهم، بالمخاطر التي تحيق به، وغياب الحس العالي بالمسؤولية، بمعناها الكامل الشامل، عن وطن وشعب وأمة وثقافة وقيم وحضارة.. وانخراطهم في الاقتتال إلى آخر رجل، وآخر طلقة، وآخر رمق. والله وحده يعلم نتائج ذلك على بلد هو بيضة العروبة والإسلام، برغم شعوبيي هذا العصر وملحديه الحاقدين على العروبة والإسلام، وهو موطن الأبجدية، والأوابد الحضارية، والموطن الثاني لكل مثقف في العالم، يعرف دور سوريا في الريادي في التأسيس للثقافة البشرية.
سوريا تنتقل من مرحلة في البؤس إلى مرحلة، وكل المنتقلين بها من أهوال إلى أهوال. ومن بؤس حال إلى أبأس حال، يعتدون أنهم على مشارف الخلاص من شر الشرور، والدخول في عصر لا يباهيه أبهى العصور؟! إنهم لا يلتفتون إلى ما دُمِّر ومن هُجّر، ولا إلى الجرحى والمعوقين والمقعدين، إلى اليتامى والأيامى والأرامل والثكالى والعوانس والفاقدين والفاقدات لك رجاء، ولا إلى من ينتظرهم المصير الأسود، بعد أن سقوا الناس من كؤوس ذلك المصير.. سوريا الحبيبة في الرعب تعيش، وإلى أنواع من القنوط تنظر..
منذ زمن قالت الأمم المتحدة التي قد لا تكون إحصاياتها دقيقة مئة بالمئة، ولكنها قد تقارب الوقائع من وجوه: “إن ملايين الناس في سوريا يحتاجون إلى المساعدات، ويهددهم المرض والجوع والجهل، وأن ملايين منهم يعيشون لاجئين، داخل وطنهم وخارجه”؟! ولا يبدو أن ذلك الوضع يتجه إلى الأفضل، بل إلى مزيد من التدهور. وأقتبس من بيان لمنظمة “آفاز Avaaz”، أشار إلى مأساة السوريين والروهينجا، وهي منظمة دولية غير رسمية، أسسها عام ٢٠٠٧ ريكن باتل Ricken Patel الكندي من أصل بريطاني، ولها منتسبون متطوعون يبلغ عددهم ٤١ مليونًا في ١٩٤ دولة، وتقوم بنشاط إنساني عالمي، وتقدم نفسها من خلال آراء منتسبيها، على أنها “تعني سلطة الشعوب التي تساعدهم في رسم وتحديد المستقبل. وأنها بمثابة صوت الملايين الذين يتوقون إلى العدالة والسلام والديموقراطية”. أقتبس فقرة من ذلك البيان تقول: “تلجأ الشعوب المضطهدة إلى السفر في “توابيت عائمة”، هربًا من العنف في بلدانهم، وبحثًا عن ملاذ آمن لعائلاتهم. لكن بدلًا من الاستجابة لهذه الحالات من منطلق إنساني، تعمد حكوماتنا إلى إغلاق الباب في وجههم، وتركهم يموتون جوعًا أو غرقًا في البحر.. وقد تحول كل من البحر المتوسط وبحر أندامان إلى مقابر لهؤلاء اللاجئين. تدفع ميانمار بأقلية الروهينجا المسلمة إلى الهرب خارج البلاد، وآلاف العائلات في هذه الأثناء يجرفها التيار في البحر، أفرادها عاجزون ومضطرون لشرب بولهم الخاص كي لا يموتوا عطشًا. بينما يخاطر السوريون والأفارقة بالموت غرقًا، على السواحل الجنوبية لأوروبا أسبوعيًّا، في أثناء محاولتهم عبور المتوسط في زوارق غير آمنة، هربًا من التعذيب والاضطهاد والجوع”. نواجه اليوم أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، وتتصرف الحكومات حيالها بترك اللاجئين يموتون غرقًا، وسط مناخ من تنامي العنصرية وكراهية الأجانب. إن لم نتحرك سريعًا، فقد يصبح العام ٢٠١٥ عام “الهائمين بالقوارب”. هكذا أصبح وضع السوريين بنظر العالم، وهكذا أصبح العالم أمامهم، عنصريًّا مغلق الأبواب، ينظر إليهم نظرة لا تليق بهم.. وهم قد لا يرون أنفسهم، ولا ما يجري من حولهم بوضوح ويقين؛ ذلك لأن مرآة المحنة لا تقدم إلى الناظر فيها ومن خلالها، صورة نقية من جهة، ولأن الرائي إليها ذاته ينظر بعين داخله، ويرى ما تزينه له نفسه، وبما تهواه وتتمناه.. فتكون رؤيته قاصرة، أو مشوهة، أو منقوصة على نحوٍ ما. وهذا مما يزيد الأمر تعقيدًا وسوءًا وسوداوية مأساوية.
مما يؤسف له أن سوريا العزيزة، فيما يبدو، قد تجاوزت الامتحان إلى المحنة.. فما نسمعه ونقرأه ونتابعه من إعداد واستعداد، وحشد وتحشيد، وتهديد ووعيد.. وما تثيره وترسمه المعارك الدائرة على الأرض من تفاعلات وانفعالات وحدود نقمة وتبديد، وما تقدمه ويقدمه المحيط الجغرافي والسياسي من أهداف وخطط وأدوات وتصورات، لا سيما بعد المواجهات الشرسة الأخيرة من جسر الشغور إلى تدمر.. وأمس واليوم في “أريحا، وجبل الأربعين، وأورم الجوز، من محافظة إدلب”، وفي “ريف اللاذقية الشمالي ـ الغربي”، وفي “ريف حماة الغربي”، وفي “أحياء حلب وريفها”، وفي “درعا، وقرى حوران، والقنيطرة، وريف دمشق”، وما ينتظرنا غدًا وبعد غد.. كل ذلك وما يؤسس له ويبنى عليه، ويشير إليه من أبعاد وآفاق، وما يرسمه من خرائط، ليست هي بالضرورة خرائط ثابتة ونهائية، لأنها متحركة، وفق نتائج معارك الفر الكر، كما يقول الساسة والاستراتيجيون والقادة الميدانيون، وأهل العلم بسفك الدم. سوريا العزيزة تجاوزت الامتحان إلى المحنة.. وعلى كل من يعنيه أمرها، من بنيها ومن أبناء أمتها، من أصدقائها والمتحالفين معها وضدها، ممن يتقاتلون فيها وعليها أو “من أجلها، كما يقولون؟!”.. إن عليهم جميعًا أن ينظروا بحساسية إنسانية فائقة، وبمسؤولية أخلاقية وتاريخية وحضارية عالية، وبعقلاينة وتبصر.. إلى ما ينتظرها، وإلى ما يمكن أن يحصل أكثر مما حصل لها وفيها، وإلى ما يمكن أن تقود إليه الأحداث والأوضاع القتالية الجارية، على أرضية الانتماءات العقائدية ـ المذهبية المتطرفة، والحالات الاجتماعية الثأرية وغير الثأرية التي كانت مقهورة أو نائمة قبل الحرب، وتلك التي نتجت عن الحرب ونضجت على نارها وفي ظلها وإطارها.. وعن تحريض واستنفار ونفير، على أرضية مذهبية، مشحونة بالحقد والكراهية، ومصبوغة بالدم.. حتى لا تتحول سوريا إلى مستنقعات أو بحيرات من دم، تمخرها قوارب المتوحشين والآثمين، والظالمين والطامعين، والأعداء التاريخيين للأمة، والجاهلين بأمور العقيدة وبرسالة الدين. إننا في الوضع الأقرب إلى الأسوأ من الأسوأ، وفي هذا الليل البهيم يحتطب في بلادنا كل صاحب قوة ومأرَب ومصلحة وضغينة وجاهلية، وكل مقامر ومغامر ولص، وكل من يعتقد أنه مكلف من الله، ومعصوم بعصمة الله، ومنوط به حماية المقدَّس من المدنَّس المدنِّس، والثأر لمن ظلم عبر التاريخ من أبرياء يراهم ظلمَ التاريخ.. والكل يحتطب ما يحتطب في ليل، فيعفِّر الكون والبراءة بالدم والكراهية والظلم والإساءة. فاتقوا الله جميعًا في بلد، وشعب، وأطفال، وأبرياء.. هم ضحايا، ولا ناقة لهم في الحرب ولا جمل، وارحموهم وارحموا سوريا، ولا تخرجوا كل الناس، بالعدوان والظلم والقهر، من حظيرة الصبر والفقر إلى ساحات الموت دفعًا للإرهاب والعذاب بالموت، ولا تحملوهم كل ما تفعلون وما قد ينتج عن ذلك، وما يحول الإنسان بسبب ذلك إلى وحشية تطغى على إنسانيته، وتدوم زمنًا يقتل فيه الإنسان الإنسان بلا وازع من دين وخلق، ولا رحمة في قلب، ولا حكمة في عقل.
ألا إنها المحنة التي تضعنا فيها الفتنة، ويدفعنا إليها كل الذين يستهدفون سوريا والأمتين العربية والإسلامية، بفتنة دينية ـ مذهبية، أو بسواها، مما لا تبقى ولا تذر.. ويضعها جميعًا قيد الكراهية والتمزق والضعف والاقتتال، إلى أجيال وأجيال.. ألا واتقوا الله فينا، فقد بلغنا ما لا يمكن احتماله ولا الصبر عليه. ونحن شركاء البشر في الشرط الإنساني والمصير الإنساني.

إلى الأعلى