الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / واسيني الأعرج لـ”أشرعة”: رجونا من الثورات العربية تغيير البنية القاسية وتحويلها لبنية ديمقراطية أكثر حيوية.. والمحصلة النهائية أن العكس الذي حدث

واسيني الأعرج لـ”أشرعة”: رجونا من الثورات العربية تغيير البنية القاسية وتحويلها لبنية ديمقراطية أكثر حيوية.. والمحصلة النهائية أن العكس الذي حدث

على الروائي أن ينشئ عالماً مميزاً يهدف لخلق محاورة مع الذات حتى في تكسرها وانهيارها

على المثقف أن يدرك ما هو جوهري في عملية التحول .. وأغلب مثقفينا العرب يميلون نحو الجزئيات البسيطة

إذا لم يشعر القارئ بأنه معني بما يقوله الكاتب فسنخسره حتما

الحركات المتطرفة تدعو إلى الضغينة والأحقاد وهي المسيطرة على مشهد الخراب العربي

لنضع اللحظة المحفوظية في مكانها التاريخي وننتبه إلى ذبذبات الأصوات الخفية التي تأتينا من الروايات العربية الجديدة

الجوائز اعتراف دولي بما تنجزه .. وأنا متصالح مع ذاتي، إذا فزت أفرح وإذا لم أفز لن أحزن

على الجهد العربي أن يتجلى ويدافع العرب عن ثقافتهم وأدبهم بكل ما يمنحهم مساحة جديدة من النور

المهرجانات شكل من أشكال الدعاية الإيجابية للأدب .. وهذا النموذج لا يمكن إلا نفرح به

الجيل التأسيسي أخذ اللغة وتعامل معها كمادة منجزة ولم يبحث جوهريا في عمقها

لست منزعجا من كثرة الكتابة ولكن على المؤسسة النقدية العربية أن تعيد النظر في نفسها

لا وجود لـ”رواية رقمية” .. وما نشاهده نصوص تعتمد على الوسيط الرقمي لكي تتحرك بسهولة وتصبح أكثر قراءة

النقد تخلف عن النص الروائي في قضية “التجريب”

أتفق مع فكرة لغة الحكي .. وفكرة الشعر عندما يتعلق الأمر بأعماق الإنسان في الرواية

عليَّ أن أؤمن بأن “والدتي” لا تزال حية لأكمل مشروع “القبر المفتوح”

اللحظة الروائية هي اللحظة التي تستطيع أن تدرك لحظة التحول وليس لحظة الثبات

الرواية يجب أن تساهم في إنشاء مجتمع إنساني وليس مجتمعا متطرفا

حاوره ـ فيصل بن سعيد العلوي :
,,, ذهبية صغيرة يعلقها على صدره .. وشاح أحمر يلفه على عنقه .. وقبعة لا تفارقه الإ قليلا .. يتجرع ألم الفراق؛ فيحتضن الذكرى بصدره، ويمد يده ليد تصاحبه في كل لحظة ليشعر بالدفء .. كلما يرى وجهه في المرآة يشاهد أمه .. يشعر بعظمة الكائن الذي منحته الحياة لذا تستمر الحياة .. قالت له والدته “كن كما أنت .. ” .. ليبقى الإنسان الطبيعي المخلص للقيم التي اكتسبها من والدته ليبقى كما هو .. “واسيني الأعرج” الابن البار لوالدته، والكاتب الوفي للكتابة، والمخلص لكل إنسان .. حينما التقيته للوهلة الأولى؛ آثرت أن أتعرف على الإنسان في داخله قبل الكاتب .. ومن الوهلة نفسها أدركت أنه الإنسان البسيط، الذي آثر أن يظل وفيا لوصية والدته .. يتحدث عن منجزه بمبدأ رد الجميل لها .. ولا يخلو حديثه عنها من الحزن .. يناضل من أجل مشروعه الكتابي بإخلاص، ويدافع عن جل أفكاره من مبادئ القيم المتصالحة مع الذات .. لا يصد أحدا، ولا يرد أحدا ..
يعتبر “واسيني الأعرج” أن الكتابة هي الرهان الأساسي عند الأديب وعند الكاتب وكل عمله ينبني على مشروع .. فمشروعه حياته هو ما يكتبه من روايات ونصوص متواصلة .. يريد أن يشهد على الزمن الذي يعيش فيه بشهادته كمثقف وأديب وإنسان؛ فيشتغل في مشروعه الأدبي على اللغة؛ لأن الكتابة بالنسبة لها قبل أن تكون موضوعا أو قضية، فهي صناعة لعمل مشرق .. في محاولة لكيفية أن تستخرج من اللغة كل النور الذي تحتويه وكل الظلال التي لا تظهرها اللغة العادية .. هكذا يرى هو ..
نال مؤخرا جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الأولى بالدوحة عن روايته “مملكة الفراشة” في فئة الروايات المنشورة، كما نالت الرواية ذاتها جائزة تحويل النص إلى الدراما التلفزيونية .. هناك التقيناه فكان هذا الحوار ،،،

* لنبدأ من حيث انتهينا هنا .. منح مهرجان كتارا للرواية العربية جائزتين لتجربة ثرية تمتلكها “مملكة الفراشة” بين 711 رواية مشاركة في هذه الدورة .. ما هو شعورك؟
** عندما تكتب هذه النصوص وهي ضمن مشروعك الخاص، ويأت نص ويهتم به النقاد أوالقراء أو المحترفون، هؤلاء الذين يتحكمون بالجوائز إلى آخره، ويعترفون بقيمة هذا النص، طبعا لا يمكنني إلا أن أكون سعيدا وأفرح لأن هذا النص لم يمر على الأقل بالنسبة للمختصين بسلام، توقفوا عنده، وقرأوه، وفكروا بأنه يستحق الجائزة، كغيره من النصوص الأخرى التي فازت بالجوائز. إذن أنا من هذه الناحية سعيد جدا، ولكن في الوقت نفسه أنا لا أقول بأن هذا النص تفوق على النصوص الأخرى؛ لأن المسألة ليست من موقع منافسة، ولكنها هي لجنة تقرأ ولها وجهة نظرها، وترتاح لنص دون نصوص آخر، أو ترتاح لمجموعة من النصوص. إذن ليست لدي هذه الأوهام الداخلية في أعماقي، لكن في الوقت نفسه أنا أشكر الناس الذين كانوا وراء هذه الجائزة التكريمية.

* ربما كانت هنالك مساحة لدى اللجنة قد تقصيك من المنافسة، ماذا لو حدث الخيار الأسوأ؟
** الذي يعطي الجائزة يفتح قوسا، هذا القوس هي هذه اللحظة الجميلة التي تجمعنا ونتحدث ونفرح مع بعض إلى آخره، لكن في الوقت نفسه الذي يغلق القوس هو الكاتب، عليك أن تغلق هذا القوس وتعود إلى عملك الطبيعي وأنك أنت المنتج، أنت المثقف، أنت الأديب الذي يكتب، أنت الشخص الذي يحمل رهانا معينا تجاه موضوع أمام الموضوعات، ولهذا أنا عندي نوع من التصالح الداخلي سواء فزت أو لم أفز. إذا فزت أفرح وإذا لم أفز لن أحزن وأستمر في الكتابة. حقيقي أقولها من أعماقي، وحتى الترشح للمشاركة هذه بعثها الناشر وبعدها أخبرني (طبعا هو صديق وحبيب ولا أرفض له طلبا) فالرواية مطبوعة في ثلاثة أماكن بيروتية وفلسطينية وجزائرية، والطبعة الجزائرية هي التي فازت، ولا يعنيني الأمر بالأهمية القصوى، هو مهم أكيد لأنه سيعيد نصا نشر منذ سنة إلى الواجهة إلى المقروئية، أن تكون عنده صحبة جديدة مع القراء، وهذا مهم، لكن الأمر لا يتعدى ذلك، فوظيفة الكاتب هو أن يستمر في الكتابة.

* ندرك جميعا الحسابات المعقدة لجائزة نوبل، ولكن في الوقت نفسه لا نعتقد أن تجربة “واسيني” لا تستحقها، ماذا تعني هذه الجوائز في كثرتها؟
** أنا أسعد حينما تأتيني جمعية مثل جمعية “القلم” المعروفة الدولية وتقول نحن نريد ونفكر أن نرشحك لجائزة نوبل، طبعا يسعدني ذلك وهذا مهم؛ لأن نوبل هي أيضا اعتراف دولي بما تنجزه مثل كتارا أو مثل البوكر أو الجوائز الدولية الأخرى، هي سلسلة من الاعترافات بما تقوم به، لكن مع ذلك يجب ألا يرهن الإنسان كل مشروعه الثقافي والأدبي على المسألة الطارئة في الذاكرة، سواء الذاكرة المحلية أو العربية أو الذاكرة الإنسانية، هي طارئة، أنت فزت وانتهيت، وحتى لو فزت بنوبل، من الذي يتذكر اليوم الذين فازوا في الخمسينات والستينات والسبعينات ؟ لكني أتذكر الكتب، مثلا كتاب مدام بوفاري الذي نشر في القرن التاسع عشر وأستمتع به، تقول لي مثلا كتاب تولستوي أو كتب نجيب محفوظ، إلى اليوم أتذكرها وأستمتع بها، إذن الكتاب هو القيمة المتعالية الأساسية ما عداه فهو شيء إذا جاء جميل أن نفرح به ونستمتع به مع أنفسنا وأصدقائنا، ولكنها لحظة تنسى ونعود إلى ما هو أصلي في الكتابة.

* .. ولكن هل نحن في “العالم العربي” نحتاج فعلا لجوائز ومهرجانات للرواية العربية؟
** نعم، فالمهرجانات هذه شكل من أشكال الدعاية بالمعنى الإيجابي للأدب، فمثلا في جائزة كتارا الأخيرة لأول مرة أشاهد السجادة الحمراء تنجز لصالح الأدباء والمثقفين والنقاد والروائيين، وهذا لم نره إلا في السينما، أليس هذا مدخلا جديدا وجميلا؟ لأنك تعيد تقييم الأدب وتضعه في السقف العالي الذي هو أيضا قيمة روحية وفنية وجمالية وقيمة إنسانية وتاريخية مثلما تفعله السينما يفعله الأدب. وأساسا لا وجود للسينما بدون الأدب. إذن لماذا لا نغير تلك القيم ونرفع من شأن الأديب ومن شأن الرواية وبالتالي القارئ، حينما يشاهد هذا الاهتمام يرفع قيمة اهتمامه بالنص الأدبي، كأنك رفعت شيئا لم يكن يراه من قبل.
* .. ولكن ليست كل المهرجانات تحمل تلك الأهداف التي نراها فعليا؟
** بالطبع، فأنا لا أتحدث عن المهرجانات التي يأتي الناس فيها ويأكلون ويشربون ثم يذهبون، أتحدث عن المهرجانات التي لها قضية، فمثلا مهرجان كتارا للرواية العربية فيه قضية، فيه تصور، فيه جائزة، فيه نية للذهاب بعيدا في فرض هذا النموذج بشكل إيجابي وهذا طبعا لا يمكن إلا أن نفرح به.

* نلاحظ في الفترة الأخيرة كثرة في الكتابة، فهل هو استسهال لجنس الرواية؟، أم هو واقع الرواية وإرادة فرضه؟
** ظاهرة عربية موجودة، أستطيع أن أصنفها بأنها ظاهرة صحية، فلنترك الناس تكتب ما تشاء، ولكن المشكلة ليست في الكتابة، المشكلة في المؤسسة النقدية العربية، وهذه الأخيرة ما زالت ضعيفة، فالمؤسسة النقدية هي التي تغربل، وهي التي تضع النصوص في أطر الاهتمام والدراية والمحبة والعلاقة مع القارئ، أنا لست منزعجا من الكتابة الكثيرة، برغم أنها تغطي على الكثير من النصوص الجيدة. إذن المؤسسة النقدية العربية يجب أن تعيد النظر في نفسها.

* عرضت في الندوات المصاحبة لمهرجان كتارا للرواية العربية جدلية “الواقعي والتاريخي” كما يسميها النقاد. ويرى البعض أن الواقعي هو امتداد للتاريخي في الأصل، في حين تساءلت أنت في حوارات سابقة: هل فعلا تعيد الرواية إنتاج التاريخ؟ فماذا ترى الجواب من منظورك الخاص؟
** الوضعان مختلفان، على الأقل مختلفان في الدرجة الزمنية إذا شئت، الكتابة المرتبطة بالواقع هي متابعة اليومي الحياتي، متابعة زمن معين، عصر معين، وأن تكون وأنت تكتب داخل هذا العصر أن تتناول القضايا الحيوية التي تراها أنت ككاتب حيوية في العصر، لكن الكتابة في التاريخ شي آخر، فهي الكتابة عن زمن استقر نهائيا ولم يعد عنده فاعلية مثلا حدث وقع في سنة كذا مجاعة حدثت في زاوية معينة، أنت تحاول أن تسترجع هذه المادة وتحولها إلى مادة أدبية، إذن جهدك أنت ككاتب هو كيف تحول هذه المادة إلى عنصر أدبي، وأعتقد أن هذا هو الأهم، وطبعا في هذه الحالة عليك أن تشتغل على المادة التاريخية، لأن المادة التاريخية ليست فعلا منجزا، هي وجهة نظر لمجموعة من المؤرخين، أيضا أنت من حقك أن تنظر إلى المادة التاريخية برؤية نقدية وليس برؤية ثابتة.

* كيف ترى ما قاربه الدكتور سعيد يقطين حول علاقة الأدب بالتكنولوجيا، حيث أشار إلى أن استخدام التقنيات الحديثة في السرد تطغى في الإنتاجات الروائية الأوروبية، وأشار أيضا إلى أن اعتماد العوالم السردية باعتبار وجود “رواية رقمية” حيث أشار إلى أن الكاتب ظل يشعر أنه أمام إكراهات متواصلة، وتجاوز هذه الإكراهات لن يكون إلا باستخدام التكنولوجيا؟

** أنا أحترم جهود الدكتور سعيد يقطين، وهو من النقاد المجتهدين جدا وأحييه على كل الجهود التي يبذلها من أجل إنتاج نقدي حيوي وفي الوقت نفسه متجدد، ومن هذا الباب هو خرج من الدائرة البنيونية وراح نحو محاولة اكتشاف الإشكالات العصرية التي تواجهنا اليوم. أختلف قليلا مع العزيز الدكتور سعيد يقطين في المادة العلمية التي ذكرها، فيما اعتبرها مثلا الرواية الرقمية، أنا لا أؤمن بأن هنالك رواية رقمية، أؤمن بأنه يوجد وسيط رقمي، هذا الوسيط الرقمي شكل بنية تحتية تستطيع أن تحرك النص أو يستطيع أن يتحرك النص من خلالها ويتحرك بشكل أسرع وبشكل أجمل وربما بشكل أنه يصل إلى القارئ بدون جهود كبيرة مثلا الإنترنت والفيسبوك، إلى آخره .. هذا جميل ولكن النص الأدبي في حد ذاته هو إشكالية إنسانية لم تتغير، فمثلا قضية الحروب وعلاقة الإنسان مع الطبيعة والقهر والظلم والخوف كلها موضوعات لا تزال إلى اليوم موجودة ولا تزال تشكل العنصر الجوهري في الكتابة الأدبية، لهذا أنا لا أرى أن الأدب الرقمي له وجود، توجد جهود داخل السياقات الرقمية، مثلا حينما نقرأ نصوصا منشورة في الفيسبوك هي نصوص لا تقول الفيسبوك هي نصوص تعتمد على الوسيط الرقمي لكي تتحرك بسهولة وتصبح أكثر قراءة.

* “الروايات مأخوذة إلى حد الهوس بالمنجز الفني الذي حققته الرواية العربية منذ نجيب محفوظ، وتهفو إلى تخطيه وتجاوزه”، ما دقة ما طرحه الناقد التونسي لطفي اليوسفي في ندوة الرواية؟
** أنا لست متفقا معه، فأنا أرى أن نجيب محفوظ هو لحظة تاريخية في الرواية العربية وهذا أكيد، ولحظة نسميها اللحظة الترسيخية، أي أنها جعلت هذا الفن الذي كان عبارة عن شذرات عند الكثير من الروائيين حولته إلى حقيقة، لأول مرة كاتب يكتب نصوصا كثيرة ويحول هذه المادة الروائية الكثيرة إلى واقع موضوعي، فرض ما سمي بالجنس الروائي أو بعلامة التجنيس الروائية، وهو ما لم يتحقق قبله، بمن فيهم الكتاب المصريون أو العرب الذين واكبوه أو سبقوه، كان كل واحد فيهم (حتى كاتب رواية زينب) كم كتب من الرواية؟ أعظم واحد فيهم كتب رواية أو روايتين، فإذن هم لم يرسخوا هذا الفن، ونجيب محفوظ رسخه بالجهد الفني والكثافة، لكن في الوقت نفسه يجب ألا نتوقف عند اللحظة المحفوظية، لأنها لحظة ترسيخية، بل فيما بعد هنالك لحظات وضعت اللحظة المحفوظية مثار تساؤل وتأمل! وأعطيك مثالا، ما كتبه عبدالرحمن منيف ليس أقل أهمية من نجيب محفوظ بل فيه تخطٍ، ما كتبه حنا مينه فيه تخطٍ، ما كتبه نبيل سليمان فيه تخطٍ، ما كتبه حيدر حيدر فيه تخطٍ، ما كتبه إلياس خوري فيه تخطٍ، ويمكنني أن أذكر العديد من النصوص العربية التي حققت هذا النوع من التخطي، إذن يجب ألا نتوقف عن هذه اللحظة، وأن نبذل جهدا، وهذا أقوله للعزيز لطفي اليوسفي، أن نبذل الجهد لكي نضع اللحظة المحفوظية في مكانها التاريخي وأن ننتبه إلى الذبذبات، إلى الأصوات الخفية التي تأتينا من الروايات العربية الجديدة، وهي روايات فعلا الكثير منها يثير تساؤلات مهمة في الكتابة الإبداعية.

* قضية التجريب في الرواية التي تم طرحها تناولت الكثير من الإشكالات، ولكنها تشيئ إلى الإستجابة، فهل استجابت الرواية العربية فعلا لهذا المبدأ؟

** طبعا، عندما تأخذ الرواية العربية مثلا نجيب محفوظ الكلاسيكية في ثلاثيته ولكن عندما كتب الحرافيش كان تجريبيا وعندما كتب أولاد حارتنا كان تجريبيا، وضع نفسه كأديب في مواجهة القضايا الكبرى، خصوصا القضايا الدينية التي تمس المجتمع، وحينما نأت لتجربة اسماعيل فهد اسماعيل ـ وهو روائي من أهم الروائيين العرب على الرغم أنه لم يأخذ حقه ـ أيضا كان تجريبيا في روايته “كانت السماء زرقاء”، كان تجريبيا في الجانب اللغوي وفي جانب إنشاء النص، ومثلا غسان كنفاني عنده رواية صغيرة بعنوان “ما تبقى لكم” بالفعل كان تجريبيا فيها في كل شيء وعبقريا أيضا، وأصل إلى الروايات العربية عند الشباب من الكتاب فأجد التجريبية هي نفس من أنفاس الحياة، فالإنسان عنده رغبة لذلك لا يكرر الآخرين، لكن يقتضي منا نحن كنقاد قبل أن نقول إن التجريبية غير موجودة، علينا نبحث في أعماقها، ففي الرواية العربية في هذه الخاصية تحديدا نقول إن “النقد هو مرة أخرى الذي تخلف عن النص الروائي”.

* .. ولكن ألا تتفق أن البعض فهم “التجريب” بإيغال المظاهر الشعرية في النص الروائي بشكل مبالغ فيه، لدرجة أنه يشتت فهم القارئ لجنس النص المكتوب؟
** الظاهرة موجودة، وهي حق من حقوق الكاتب، وأي كاتب يكتب كما يشاء، وهو مسئول عن كتابته، لكن في الوقت نفسه فيه ما يسمى بالحدود الدنيا التي تجعل من الشعر شعرا ومن الرواية رواية ومن المسرح مسرحا وكل مجال يصنف في مكانه، على اللغة الشعرية ألا تتعدى حدا معينا من القبول، بمعنى أنت تحتاج إلى لغة تقول الداخل وهذا ما تفعله اللغة الشعرية، ولكن أيضا تحتاج إلى لغة واصفة، لغة تصف الأحداث والوقائع. أنا مع فكرة التوازن، مع فكرة لغة الحكي، وفي الوقت نفسه مع فكرة الشعر عندما يتعلق الأمر بأعماق الإنسان.

* يرى البعض أن الرواية بما تسكنه من الأسئلة الكثيرة، مطالبة هي الأخرى بطرح الأجوبة؛ لتحقق فعليا ما يريده الكاتب من شخصياته في واقع الحياة، فهل تتفق مع رؤاهم؟
** الرواية غير مجبرة على طرح الأجوبة، الرواية هي لحظة تأملية من طرف كاتب، ولكن لحظة تأمل ليست فقط في المجتمع لحظة تأملية في الذات، في ذات الإنسان في حالة قصورها وفي حالة أيضا تجميع هذه القطع المتشظية الموجودة فينا، أيضا حالة تأملية في المجتمع الذي أدى بالإنسان إلى هذه التمزقات، نحن لا نحل ولكن نشعر القارئ بأن ثمة شيئا ما يستحق التفكير ويستحق التأمل، إذا حققنا هذه الغاية، نكون قد قمنا بعمل جبار، فكل كاتب يكتب بطريقته ولكن ما أتصوره أنا شخصيا، على النص لكي يكون ناجحا أن يشعر القارئ بأن ما يذكره النص هو أيضا كقارئ معني به، لأن القارئ اذا ما شعر بأنه معني بما قاله الكاتب فنحن سنخسر حتما هذا القارئ !

* خوان غويتسيولو الروائي الإسباني المقيم في المغرب قال: “يؤلمني أن المثقفين الإسبان لا يقرؤون الأدب العربي” يبدو أن الجهد الأوروبي نحو رغبة الاهتمام بالأدب العربي أكثر غيرة على الجهد العربي نفسه نحو إشهار نفسه، ألم يحن وقته لكي يتجلى؟
** خوان غويتسيولو يعتبر من أهم الكتاب الإسبان، ورشح لنوبل العديد من المرات ورفض جائزة القذافي. هو أديب عنده قيم، عندما بدأت الحرب الأهلية في الجزائر في التسعينيات، جاء وزار الجزائر وزار القصبة وألف كتابا عن الجزائر. إذن هو منخرط في العالم العربي، بل يعيش في مراكش وهو مطلع على الأدب العربي ويعرف أن داخل هذا الأدب نصوص مهمة وراقية، لهذا هو رفض رفضا باتا بألا يُهتم بالنصوص، وطالب بضرورة الاهتمام بتلك النصوص العربية، وهذا رأي فرد أوروبي ! اذن على العرب أن يهتموا بأدبهم. ما هو رأينا نحن كعرب من الناس الذين يمتلكون المؤسسات الثقافية الضخمة ويسيرونها ؟ عليهم أن يدركوا أن الأدب هو القيمة الإنسانية التي توصلنا بالآخر وليس السياسي، فهنالك الكثير من البلدان لديهم كاتب عربي أوصل اسم بلده باسمه، هؤلاء هم القيمة الثقافية الذين يجب أن نهتم فيهم، يجب أن نهتم بالنصوص التي تنتج، أن نسوق لها، أن نترجمها إلى اللغات العالمية، نحن أناس يملكون العقل ويملكون المال، اذن لماذا لا نستثمر هذا المال وهذا العقل؟ لكي نجعل من هذه النصوص نصوصا جميلة ومقروءة إنسانيا، وربما نتخطى بها نحو العالمية، إذن الجهد الأوروبي موجود وعلى الجهد العربي أن يتجلى، أن يدافع العرب عن ثقافتهم وأدبهم، عن تنورهم عن كل ما يمنحهم مساحة جديدة من النور.

* نحن مهووسون في كتاباتنا بطرق مفردات البؤس كالفقر، والحروب، والقلق، والتشاؤم والموت .. مفردات ومواضيع مقلقة نراها مترددة في جل الإبداعات الأدبية العربية ولا تخلو الرواية منها، هل هو تقديس لابد منه؟ أم أنه الواقع ؟
** أنا لست مع فكرة التقديس، ولكن مع فكرة ألا نكتفي بالقضايا المحلية الضيقة على قيمتها. الكتابة لحظة إنسانية، وهذه اللحظة الإنسانية عليها أن تتشابك مع الجانب الإنساني الموجود في أستراليا، في الصين، أو الموجود في الوطن العربي، فمثلا الخوف من الحروب هذه مسألة حيوية وأينما تذهب في أي بلد فيه حروب، بمعنى أن القارئ الذي يقرأني في الوطن العربي والذي يعيش هذه الحرب والقارئ الذي يقرأني في آسيا أو يقرأني في جزء مشتعل من أوروبا يشعر بأني أشبهه، وأن هناك شيئا مشتركا، ولهذا أقول بأن على الأدب الإنساني أو على الأدب العربي إذا أردنا أن يستمر ويترسخ، عليه أن يتناول الموضوعات المحلية في أفق إنساني وليس في أفق ضيق.

* في الكثير من لحظات اللقاء بينك وبين الإعلام تتطرق إلى أن نهايتها باتت قريبة، فأين وصلت “أكاريا” الصغيرة؟
** توقفت أكاريا ! عندي سلسلة روايات ذهنية أحلم دائما أن أكتبها، وتمر علي فترات أبدأ في نص وأشتغل فيه على مدار سنة، وأفشل أن أصل بالنص إلى النهاية، فيبقى معلقا، واليوم معي على الأقل عشر روايات معلقة بما فيها الجزء الثاني من كتاب “الأمير” و”أكاريا” على الرغم من أنها رواية صغيرة، أحببتها كثيرا وتأثرت برواية “التحول” لكافكا، ولكني لم أفلح في إنجازها ! ولا أدري ما الأسباب، ربما لعدم توفر الطاقة الكاملة الداخلية التي تسمح لي للذهاب بالنصوص بعيدا ولكن لا أدري، ربما يأتي يوم وتجد هذه النصوص واقعا !

* .. وماذا عن الرواية الطويلة التي قررت أن تكتبها عن والدتك؟
** هي في الحقيقة مشروع مسلسل اسمه “القبر المفتوح” وهي رواية في البحث عن رفاة الوالد (الشهيد) وأمي زوجة استشهد زوجها في 59 ، وكنت أرغب في أن أكرمها بشيء أن ترى صورتها في التلفزيون، كيف قاومت امرأة مات زوجها ووجدت نفسها في مواجهة حياة صعبة على المستوى الاجتماعي والحياتي والعمل على مستوى تعليم الأولاد على مستوى تعليم اللغة الفرنسية التي تعتبر لغة العدو، هذه المرأة التي أصر زوجها قبل أن يستشهد في السجن أن تعلم أولادها رغم أنه لا وجود للمدارس العربية، فطلب منها تعليمهم الفرنسية، بغية ألا يكون أميا، فأمي حملت دينا تجاه الوالد لتعليمنا حيث رفضت الزواج بعد وفاة الوالد وهي صغيرة وبقيت مع أولادها وعلمتنا حتى آخر لحظة في العمر، حيث عاشت 90 عاما ظلت وفية لهذه القيم، أنا بصراحة تعلمت منها كل شيء، كانت تقول كلمة “أنا أوصيك بشي أنك مهما وصلت خليك مثل ما أنته هذا الإنسان البسيط الجميل الطبيعي، بس تبدأ تشوف حالك تخسر حالك” فعندما تتعلم من والدتك هذه القيم فأنت هو أنت. لذلك أحببت أن أكرمها بهذا العمل وسجلت معها بالتلفزيون بداية المسلسل المكون من 30 حلقة، تحكي بشخصية حقيقية، كما صورت قفلة المسلسل في حياتها، وبدأت أشتغل في السيناريو الذي هو في الوقت نفسه رواية، ولكن توفت الوالدة، ومنذ ذلك اليوم كلما أرجع إلى النص أشعر بالفراغ، فالتلفزيون كان جاهزا، والطاقم الفني كان جاهزا، ولكن لم أستطع الكتابة، فأنا أستطيع أن أحكي عن قصة والدتي، ولكني شخصيا لا أستطيع أن اكتب عنها حاليا، ربما قادم الوقت يمنحني قدرة الكتابة، علي أن أؤمن بأن هذه المرأة لا تزال حية وموجودة لكي أكتب، أحيانا كل قصة تبدأها بفرح، أحيانا لا يكتب لها أن تنجح !.

* كمال الرياحي في كتابه “هكذا تحدث واسيني الأعرج” يقول إنك صوت روائي على خلاف الجيل التأسيسي الذي سبقك، ما هي نقاط الاختلاف بينك وبين ذلك الجيل كما تعتقد أن رآها كمال الرياحي ؟
** الجيل التأسيسي في المسألة اللغوية مثلا أخذ اللغة وتعامل معها كمادة منجزة، لم يفكر أن اللغة العربية هي سلسلة من الكلمات، هي سلسلة من المواد، سلسلة من الروابط، سلسلة من الجمل، سلسلة من الأفعال، واخذها كما هي، ولم يبحث جوهريا في عمق هذه اللغة، وكيف يخلق من هذه اللغة حالة تمايج، يعني تفجير الكلمة بحيث يكون لها مدى أوسع، أنا في مشروعي على الأقل الأدبي، حاولت أن أشتغل على اللغة لأن بالنسبة لي الكتابة هي بالدرجة الأولى قبل أن تكون موضوعا أو قضية أو أي شيء آخر، فهي بالدرجة الأولى صناعة عمل، إشراق، كيف تستخرج من اللغة كل النور الذي تحتويه وكل الظلال التي لا تظهرها اللغة العادية، فإذن جهد الجيل الذي أنتمي إليه هو جهد يتعلق باللغة أيضا.

* في محاورتك الشهيرة “حارسة الظلال” لنص “دون كيشوت” ذهبت بعيدا إلى مسألة الصراعات الدينية، فهل خيال التعصب المتحرك فرض نفسه في محاورتك، أم هو الواقع الثابت في نص سرفانتيس؟
** العصر الذي تحدث عنه سرفانتيس أولا وتحدثت عنه هو عصر صعب، عصر صراعات دينية بالفعل، فسرفانتيس كان مسيحيا متصلبا، وكان يقاوم العثمانيين المسلمين الذين هم أيضا متصلبون، لكن الزمن يغير الأشياء. اللحظة الروائية هي اللحظة التي تستطيع أن تدرك لحظة التحول وليس لحظة الثبات، فمثلا لو أخذنا لحظة الثبات سيتحول سرفانتيس وهو أهم كاتب عالمي الذي رسخ الفن الروائي عالميا، سيتحول إلى رجل صغير معاد للإسلام فقط، بدليل أنه كان يقول قبل أن يسجن في الجزائر، بأن الجزائر هذه عش القراصنة، وحينما عاش في الجزائر خمس سنوات غير وجهة نظره تماما وأصبح شخصا عاش في النمط الجزائري بثقافة جامعة بين ما هو إسباني وجزائري، في هذه الحالة بدأ يتغير، وحتى حينما عاش في الجزائر أحب امرأة جزائرية، وحينما عاد إلى إسبانيا اتهم بما يسمى اليوم بـ”التخابر” لأنه اتهم بالتواطؤ مع المسلمين في الجزائر، حينما دافع عن مسلمي الأندلس، لأنه في نفس الفترة في القرن السابع عشر تم طرد الدفعة الأخيرة من المورسكيين في 1609 م وفي 1610 م كتب هو روايته “دونكيشوت” وذكر المورسكيين ووقف ضد الظلم. ما الذي غير هذا الرجل؟ الذي غيره هو أنه عاش في مكان أصبح يعرفه، ولهذا أقول دائما: علينا أن نضع هؤلاء الناس في لحظة حركية، لذا أنا أحببته وشعرت به؛ لذا كتبت دونكيشوت في الجزائر على إيقاع روايته سرفانتيس دونكيشوت.

* في الرواية نفسها، تذكر تاريخ القراصنة في الجزائر، ولكنك ترصد الشبه بين ذلك التاريخ وواقعنا المعاش في الوطن العربي. ما مدى دقة هذه الرصد؟
** الواقع باختصار كان واقع تصلبات وتطرفات دينية، عندما تأخذ حقبة القرون الوسطى؛ ستجد الحركة المسيحية المتطرفة التي نتجت عنها مؤسسة من أخطر المؤسسات وهي محاكم التفتيش المقدس، هذه المحاكم تعاقب كل من ليس معها حتى من المسيحيين، رغم أنها بنيت على أساس محاربة المسلمين واليهود؛ لأنهم كانوا يشكلون وحدة في الأندلس وكانوا يهددون نسبيا هذا الوجود الإسباني، وعندما دخلت في أمر المحاكمات؛ أصبحت متطرفة جدا.
والعصر الذي نعيش فيه نحن اليوم، هو أيضا نعيشه في عصر التطرفات، انظر إلى الحركة الإسلاموية، يجب أن نفرق بين الحركة الإسلامية والإسلاموية، الحركة الإسلامية يمكن أن تكون حركة لها وجهات نظر مختلفة، لكنها ليست متطرفة، تعتمد الإسلام مثل المسيحيين، مثل الحزب المسيحي في إيطاليا، أو في بلد من أوروبا الشمالية، أستطيع أن أؤمن بأن هذه الحركات لها حق الوجود، لكن الحركات المتطرفة التي تدعو إلى الضغينة وإلى الأحقاد ـ للأسف ـ هي اليوم المسيطرة على مشهد الخراب العربي. انظر إليه وحاول أن ترى من يقف وراء هذا المشهد؟ هذه اللحظة تذكرني بالقرون الوسطى وكأن الزمن انقلب فقط، فنحن أخذنا تصلب المسحية في القرون الوسطى وأخذنا مكانها، اصبحنا نحارب العلم كما كانوا يحاربونه في القرون الوسطى وأصحبنا نحارب الاختلاف مثلما كانوا يحاربونه، وأصبحنا نخلق عدوا دينيا مثلما كانت تخلق هذا العدو الديني؛ ولهذا أنا رأيت هذه التقاطبات، ومن هنا كتبت دونكيشوت في الجزائر؛ لأقول أنا ضد هذه الأحقاد، وأنا مع أن تساهم الرواية في إنشاء مجتمع إنساني وليس مجتمعا متطرفا.

* علق الكاتب الجزائري الراحل محمد ديب على “حارسة الظلال” فقال: “إنّها قيمة أدبيّة لا تخذل قارئها من أول حرف إلى آخر كلمة” هل أنصف محمد ديب النص وأعطاه حقه ؟ أم أنه جامل واسيني واقعا ، خاصة وأن النص اشتغل على البشاعة أساسا؟
** في الحقيقة أن هذه الكلمة مستني في الأعماق لأنه (بعيدا عن الخذلان) وضع يده على أن النص يشتغل على البشاعة من داخل البشاعة، ولكنه ضد هذه البشاعة. هو ينشئ من داخل البشاعة بؤرة نور، يجب أن نتفق على أن الأدب ليس مكانا لإشاعة البشاعة أو لجعلها مهيمنة، الأدب هو مكان للإنسان بالدرجة الأولى، ولكن علينا أن نشتغل لكي نؤنسن الوضعية رغم القسوة، ففي “مملكة الفراشة” في النهاية مثلا على الرغم من قسوة اليأس النهائي، إلا أن الرواية تنفتح على حلم آخر !

* كيف قرأ واسيني الأعرج السجالات العارمة التي شهدها العالم العربي والتحولات السياسية المباغتة، وهل ترى أن المثقف العربي قام فعلا بدوره تجاهها؟
** يجب أن نؤمن بأننا في وطن عربي شديد التعقيد، خصوصا بالنسبة للسنوات الأخيرة، وهذا الوضع تعقد أكثر بعد الثورات، ما كان مرجوا من الثورات هو ان تغير هذه البنية القاسية وتحولها إلى بنية ديمقراطية وأكثر حيوية، والمحصلة النهائية أن العكس الذي حدث ، فالبنية تلك بدل أن تتصدى لهكذا موضوع، فككت هذه البلدان وألغت مفهوم الدولة وبالتالي حينما تلغي الدولة كمؤسسة ضامنة للحياة في بلد من البلدان، إذن أنت تقتل البلد، انظر إلى ما يقع في سوريا ويقع اليوم في اليمن وما وقع العراق، ربما الديكتاتوريات ذهبت، أو في طريقها للذهاب، ولكن ماذا خلّفت وراءها؟ هل خلفت وطنا موحدا يستحق أن نفتخر به ونحبه ونبذل جهودا مضاعفة لنجعله وطنا متنورا وحيا، دور المثقف في هذه الدائرة هو هذا، فالمثقف عليه أن يدرك ما هو جوهري في عملية التحول وليس ما هو فرعي، وللأسف إن أغلب مثقفينا العرب يميلون كثيرا نحو الجزئيات البسيطة، وينسون هذا الخط الجوهري الذي تنبني عليه كل التجديدات، وكل الأشياء المهمة؛ لهذا نحن في حاجة اليوم بالنسبة للمثقف العربي إلى سجالات ولقاءات داخلية قوية، لكي يستطيعوا أن يخلقوا نقاشا موضوعيا وأن يتبينوا الأهم من المهم من الأقل أهمية.

* بعد تجربة عميقة في الكتابة ووجعها، ما الذي يمكن أن تستذكره؟
** نحن من جيل نشأ داخل الخطابات السياسية وداخل الإديولوجية وداخل التصنيفات الجاهزة (هذا جيد وهذا ليس جيدا، هذا يساري وهذا يميني، الى آخره ..) وهذه التصنيفات انعكست على الكتابة، بينما أنا أرى أن الكتابة ـ على الأقل في حدود ما تعلمت ـ أنها تخطت هذه المرحلة باتجاه مرحلة أعمق، وهو العمل على ما هو جوهري في الإنسان، وهذا يقتضي من الروائي أن ينشئ عالما مميزا، هدفه في النهاية خلق محاورة مع الذات، حتى في تكسرها، في انهيارها، وأيضا خلق محاورة مع ما هو خارجي !

إلى الأعلى