الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عاصم الشيدي يقدم إصداره الأول في رحلة لا يريد لها أن تنتهي

عاصم الشيدي يقدم إصداره الأول في رحلة لا يريد لها أن تنتهي

اصدر بيت الغشام للنشر والترجمة الاسبوع المنضرم اولى إصدارات القاص والصحفي عاصم الشيدي الأدبية في “أدب الرحلات” حيث حمل عنوان اصداره “لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي”. وجاء الكتاب الذي ضم 8 رحلات في القدس، وفيرونا، والبندقية، وفلورنسا، وروما، وسراييفو، وعمّان، وطوكيو في 134 صفحة من القطع المتوسط. ومنذ العتبات الأولى للكتاب يعيدنا الشيدي إلى مساء قائظ من مساءات عام 1984 حيث كان طفلا في الخامسة من عمره يرقب طائرة محلقة في سماء قريته الأثيرة “شيدة” التي يصفها “بالمستكينة تحت سفح ثلاثة جبال شاهقة”. في تلك الأمسية المفصلية يرد سؤال السفر للمرة الأولى في ذهن الطفل الذي بدا من تلك الطفولة المبكرة مسكونا، كحال قريته، بحكايات السحرة والمغيبين.. ذلك السؤال، “إلى أين تذهب هذه الطائرة وهل يمكن أن تأخذني معها؟”، سيظل حاضرا في ذهن عاصم الشيدي في كل رحلاته، رغم أنه سيصاب لاحقا بفوبيا المطبات الهوائية. تبدو الرحلة بهذا المعنى ممتدة من الطفولة إلى المستقبل ولذلك يمكن الربط هنا بينها وبين عنوان الكتاب “لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي” في إشارة قد تبدو فيها الرحلة هي المعادل الموضوعي للحياة بالنسبة للكتاب وتوقفها يعني توقف الحياة بكل تفاصيلها.
وإذا كان سؤال الكاتب حول تلك الطائرة ما زال يطارده منذ الطفولة فإن سؤال والدته له ما زال مستمرا رغم تعدد رحلاته وتنقلاته: “شيء معهم حرب ولا هم مثلنا عايشين في أمان؟” في إشارة إلى خوف الوالدة على ابنها من خطر الحروب المحتدمة في الكثير من البقاع التي يزورها. ويسرد الكاتب في المقدمة ما علق في ذهنه من أول سفر قام به وهو انتقاله من قريته الأولى “شيده” إلى مركز ولاية صحم بحثا عن الخدمات التي توفرها المدينة على قلتها في ذلك الوقت المبكر من النهضة العمانية. ويبدو شديد التعلق بلتك التجربة رغم قلة تفاصيلها العالقة في الذاكرة. إلا أن ذلك لا يمنع من الاعتراف أنها سفره الأول الذي يتمنى لو استطاع كتابته كما كتب سفره في مدن عربية وعالمية عديدة.
في الرحلة الأولى والأهم في الكتاب رحلة القدس التي عنونها الكاتب “إلى القدس.. اقتفاء للزيتون وصلاة تحت الصخرة” يبدو الشيدي مأخوذا بارتباط مشهد المدينة القديمة بأغنية فيروز “زهرة المدائن” فنجده يبحث عنها، وعن صوتها منذ العتبة الأولى لدخوله من باب الساهرة، أحد أهم أبواب المدينة. ورغم أن العبور من حاجز قلنديا الذي يدخل إلى القدس متعلق كثيرا بمزاجية المجندين هناك إلا أن الكاتب بدا في تلك اللحظة الملتبسة والحرجة عندما بدأ زملاؤه يدخلون واحدا بعد الآخر الى التحقيق بعد أن تعكر مزاج المجند، محتاجا إلى صوت فيروز وهي تنشد بصوتها الكنسي “لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي، لأجلك يا بهية المساكن، يا زهرة المدائن، يا قدس، يا مدينة الصلاة.. أصلي”.
بدت رحلة القدس مشحونة بالعواطف والتأملات في المكان ورصد كل تفاصيله التي لا تتاح في ظل الاحتلال إلا لأبناء المدينة أو القلة ممن تسمح لهم الظروف بالعبور إلى طرقاتها القديمة. وإذا كان الكاتب قد بحث عن فيروز منذ العتبات الأولى لدخوله المدينة إلا أن الشاعر الكبير محمود درويش هو من سيرافقه في بقية الرحلة.. حيث يحضر كثيرا من خلال استعاراته وتأملاته في المكان المقدس.. فنجده يستعيد درويش وهو يشاهد جموع المتطرفين الإسرائيليين وهم متجهون إلى حائط البراق لأداء صلاتهم اليومية مالئين شوارع المدينة القديمة:

“أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا”

وفي الرحلة الثانية والتي كانت إلى مدينة فيرونا الإيطالية، نجد الكاتب يبحث خلال عشر ساعات هي مدة بقائه في المدينة بشكل حثيث عن بيت جولييت متقمصا دور عاشقها روميو الذي كان يجلس تحت نافذة بيتها حسب مسرحية شكسبير. لكن جولييت لا تخرج من شرفتها رغم المشهد الجميل المحيط بتلك الشرفة والذي يرصده الكاتب بلغة شاعرية موحية. يتداخل السرد في هذه الرحلة بين الماضي والحاضر اللحظي الذي يسجله الكاتب كما يكاد الكاتب نفسه يتداخل مع روميو ولكن في نفس سردي شاعري. ورغم أن المساحة السردية أقصر بكثير مما هي في رحلة القدس إلا أن الاختزال واستحضار مسرحية شكسبير أعطى الرحلة الكثير من الدلالات التي مكن من خلالها قراءة المشهد بشكل جيد.
ويبدو أن الكاتب انتقل من مدينة فيرونا إلى مدينة البندقية، قبل أن تغرق المدينة في البحر كما قال في العنوان. ورحلة البندقية من الرحلات الجميلة في الكتاب نظرا لاستثنائية المدينة وبعدها الكلاسيكي الذي مازالت تحافظ عليه. وإذا كانت فيرونا قد استحضرت في ذهن الكاتب مسرحية روميو وجلييت فإن مدينة البندقية استحضرت أيضا مسرحية “تاجر البندقية” وكذلك مسرحية “عطيل” لشكسبير أيضا. ورغم أن الصدفة قادت الكاتب إلى النزول في فندق كان قصرا في الأساس لأحد أثرياء المدينة إلا أنه وزوجته هذه المرة فضلا ترك القصر فورا والنزول إلى المدينة بحثا عن “الجندول” وهو وسيلة النقل الوحيدة في المدينة التي لا تدخلها السيارات.. ويبقى قارب الجندول هو وسيلة النقل الوحيدة. ووسط استدعاءات تاريخية وحضارية وفنية يحاول الكاتب رسم صورة لمدينة البندقية بكل تفاصيلها وميراثها الثقافي. وبمناسبة رحلة مدينة البندقية تبدو صورة الغلاف مأخوذة من مدينة البندقية على هيئة ممر مائي وسط المدينة تنعكس على صفحته بعض الأضواء في دلالة على أن الرحلة مستمرة.. في تناغم جميل مع عنوان الكتاب. وتستمر رحلات الكاتب في المدن الإيطالية فمن البندقية إلى مدينة فلورنسا التي يلتقي فيها الكاتب بالرسام والنحات الأشهر مايكل أنجلو لقاء استرجاعيا حكى خلاله الكاتب قصته مع لوحة من لوحاته التي نشرها في الملحق الثقافي “شرفات” حينما قامت الدنيا كلها عليه وكادت تذهب به إلى وراء القضبان باعتبار أن الصورة مليئة بالعري والاسفاف بحسب الرؤية المحيطة في تلك المرحلة.
لكن الكاتب اقترب كثيرا من تمثال أنجلو باحترام واكبار شديد لقدرته العجيبة في رسم سقوف الكنائس الإيطالية. ومن فلورنسا إلى مدينة روما العاصمة الإيطالية التي يستذكر فيها نيرون صاحب أشهر حريق في التاريخ كما يبحث عن بعض التفاصيل تحت ركام أطلالها المندثرة. وفي روما يرمي الكاتب بعملة نقدية في نافورة “تريفي” الأشهر في العالم حسب التقاليد السائدة هناك ولكنه لا يستطيع أن يقول “تشاو” للمدينة التي أسرته كثيرا، بل نجده يقتفي أثر حسناء أتعبها صيف روما فتخففت من كل شيء حد الوصول إلى لحظة الخلق الأولى التي جاءت بها إلى الدنيا.
ومن روما إلى مدينة سراييفو حيث كان الكاتب يعبر جسور إيفو أندريتش ويبحث عن بقايا أنين الشهداء في المدينة التي شهدت أحد أكبر عمليات التصفية العرقية في تسعينات القرن الماضي. ورحلة سراييفو مليئة بالكثير من المواقف والإنسانيات بدءا من الطائرة وفوبيا المطبات الهوائية وليس انتهاء مع التحليق عاليا مع صوت الفنانة اللبنانية غادة شبير وهي تغني “لو كان قلبي معي ما اخترت غيركم”. ومنها إلى مدينة عمّان الأردنية التي يصلها الكاتب وهي تشهد الكثير من الوقفات الاحتجاجية ضمن الربيع العربي.. لكنه يترك كل ذلك ويذهب باحثا عن أهل الكهف في أطراف المدينة ويزور مخيم الوحدات حيث بقايا رائحة أيلول الأسود. ويختتم الكاتب رحلاته عند قمة جبل فوجي ياما في مدينة طوكيو اليابانية حيث وجد نفسه في مدينة مليئة بالمشاعر والأحاسيس على عكس الصورة النمطية المعروفة عن المدينة التي يسير كل شيء فيها بالريموت كونترول.
وإذا كانت رحلات الكاتب الثمان في هذا الكتاب قد تباينت في الشمال والجنوب إلا أنها توحدت في اللغة الجميلة التي يتوسل بها الكاتب لإعطاء اللغة التي تصف المكان وبعدا أبعد من اللغة الصحفية كما أشار إلى ذلك أيضا في مقدمته.

إلى الأعلى