الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة” .. يتناول الإسلام ديناً وثقافةً وفكراً وسلوكاً

“الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة” .. يتناول الإسلام ديناً وثقافةً وفكراً وسلوكاً

عرض ـ حسام محمود:
صدر للدكتور محمد خلف الله كتاب بعنوان “الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة” يجمع فيه عددا من الدراسات الأكاديمية ورؤى نظريات وأطروحات ثقافية دينية, حيث يتناول الإسلام دينا وثقافة وفكرا وسلوكا. فالاسلام نظام عالمى عام يوجه الانسان فى الحياة, ويساعده على أن يحصل لنفسه وللجماعة الانسانية أسمى درجات الكمال البشرى, سواء فى الروح او الخلق والمادة وكذلك العقل, وينظم علاقة الإنسان بربه, وعلاقته بأخيه الإنسان فى كل مظاهر الحياة, لأنه قانون الفرد والمجتمع والعلاقات المحلية والدولية على السواء. وكل تكييف لعمل الانسان حسب هذه المبادئ التى جاء بها الاسلام يعتبر عبادة مشروعة. فكل لحظة من لحظات الحياة تتفق فى هذا الوجه, وكل لحظة يقضيها العالم فى معاملة من أجل الله والانسان, وكل تأمل وتدبر, وكل حركة تنبعث عن هذا الباعث, تعتبر فى جوهرها من نظر الإسلام عبادة لله وتقديسا له وتمجيدا لجلله. وقد جعلت المعرفة فى الاسلام شرطا للايمان, فمن اعتقد من غير فهم ومعرفة لم يكن خيرا بكثير من غيره, والاعتقاد الحق هو الذى ينشأ عن دليل وفهم واختيار صحيح, وليس لمجرد التقليد دون فكر وإعمال العقل .

معرفة العقيدة
إن الايمان والاسلام اللذين ينشآن من خلال الاقتناع بإعمال الفكر والعقل هما الكيان الذى يستند فيه الانسان لعقيدته خلال حياته ودروب الدنيا, حيث يكون الفكر المستنير الذى يفرز العقيدة الراسخة أساس الآراء فى اختيار الايمان بالاسلام, كما أن طرق البحث والمعرفة فى الدين الاسلامى تقود نحو أسمى العبادات تدبرا وعقيدة وعملا. ويضيف خلف الله أن البحوث والدراسات تكشف أن المفكرين المعاصرين في البلاد الإسلامية يختلفون في تقديرهم لصلة الدين بالحياة، وصلة الشريعة بالتطورات الاجتماعية، متأثرين في هذا بالظروف الفكرية والسياسية القائمة في بلادهم. لافتا إلى أن إظهار هذه الأبحاث في كتاب يهدف لأن تكون عونا للعالم الإسلامي على أن يفهم بعضه بعضا، وللعالم الغربي على أن يدرك العوامل الثقافية والروحية ذات الأثر الكبير في حياة الشعوب الإسلامية.
ومن الدراسات التي تضمنها الكتاب: ( فلسفة الحريات في الإسلام ) لعبد الله غوشة الرئيس السابق للهيئة العلمية في المملكة الأردنية الهاشمية ، الذى أكد خلالها أن الإسلام عالج موضوع الحريات معالجة حكيمة ناجحة ، وقال : لقد أقر الإسلام حرية العقيدة وترك لكل فرد الحرية التامة في أن يبني عقيدته على ما يصل إليه عقله السليم ونظره الصحيح . وجعل أساس الإيمان وعماد التوحيد البحث والنظر والعقل والدليل . فالدين هداية اختيارية للناس ، تعرض عليهم مؤيدة بالأدلة والبيانات والرسل مبشرين ومنذرين ، والداعي لا سلطان له غير سلطان التذكير والموعظة الحسنة دون إرغام أو تنكيل . وأشارت الدراسة إلى أن الحرية الفكرية التي جاء بها الإسلام وحث عليها هي التي يكون الدافع إليها والغاية منها تحقيق المصلحة ودرء المفسدة, وإحقاق الحق ورفع الظلم وإزهاق الباطل. أما الحرية التي يترتب عليها انحلال في كيان الأمة، أو فساد في خلق أبنائها أو عقائدهم أو التي تدعو إلى الفوضى والاضطراب وتخلق الفتن وتقوض العمران, فليست الحرية التي يدعو إليها الإسلام، ذلك الدين الحنيف الذى انتشر فى مشارق الأرض ومغاربها بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتالى هى أحسن دون ارغام أو عنوة بالبشر .

آثار الاسلام
لقد ترك القرآن الكريم تراثا فكريا ساميا , وفيضا لا مثيل له , كإشعاع ثقافى وروحانى للبشرية , حيث أضاء جنبات المشرق والمغرب عبر نور الاسلام . وقد اغترف المسلمون من تعليم وتفسيرات وآيات القرآن الكريم ما ينفعهم , واجتنبوا ما يضرهم , فصعدوا لقرون فوق الأمم وفتحوا الشرق والغرب وصالوا وجالوا ليتركوا تراثا خصبا من العلوم والفنون والآداب والعمارة وشتى مجالات الحياة , حتى تأثرت الأمم الأخرى بفكر وعبقرية المسلمين الأوائل الذين امتلكوا المعرفة بالايمان والعلم بالاسلام والهدى بالدين الحنيف . فكانوا كرسل هداية وهدى للأمم وتواصل بين الشعوب كافة .
ويلقى المؤلف الضوء على دراسة كويلر يونج أستاذ العلاقات الأجنبية بجامعة برنستون ورئيس قسم اللغات والآداب الشرقية ، تحت عنوان ( أثر الإسلام الثقافي في المسيحية ) ، فرأى أن الإسلام كان ذا أثر ثقافي عظيم في المسيحية في العصر الوسيط , فمنذ بضعة قرون تحول مجرى العلم والتقدم ، فأصبح يجرى من الغرب إلى الشرق ، وليس هناك من علامات تنبئ بانعكاس هذا التيار , ولكن على الرغم من قوة هذا المد ، فليس من المعقول لثقافة حية كثقافة الإسلام ، يدين بها أكثر من خمس عدد سكان الأرض ألا يكون لها تأثير بارز في الحضارة العالمية التي أخذت في الظهور والتكامل في العصر الحديث . ويمكن إجمال تلك التأثيرات في أمور ثلاثة ، الأول : الوحدة الثقافية , فبين شعوب الإسلام المتعددة المختلفة مثال مشترك وأصول عقيدية تقوم عليها وحدة في الثقافة ، ومن واجب المسيحية أن تقدر هذه الظاهرة وتقلدها . والثاني : أن للإسلام نصيبا من الفضل فيما حققه من التسامح بين أجناس البشر ، فقد حقق الإسلام نجاحا فعليا حقيقيا في ميادين التسامح البشرى , والفضل الثالث من أفضال الإسلام : هذه الروح الحقيقية من الديمقراطية في عالم محتاج إلى أن يطابق فعله قوله في هذه الناحية ، فعلى الرغم من إيمان الديمقراطية الإسلامية بالزعامة السياسية الملهمة ، وطابعها المذكر المستبد كى لا ينفرط عقد الرعية ، فإنها تأخذ من الديمقراطية الروحية بنصيب عملى حقيقى يجعل السلطة عادلة دون اهتزاز , وديمقراطية دون انحراف .

المد الثقافى
أكد الإمام الغزالى العالم الإسلامى الراحل الكبير أن الدين الحنيف ليس هو عبارة عن الأشكال الخارجية من العبادات , بل هو يمتد إلى معرفة الدنيا وربط الدين بالحياة والتطور والمدنية , حتى أن سبعا وأربعين آية فى أربع وعشرين سورة مختلفة من القرآن يقترن فيها الايمان بأعمال صالحة . وتتضمن آيات القرآن تفاعلات الناس مع الدنيا والحياة من خلال السير فى طرق الخيرات , والسير فى دروب الدنيا والتفكر فى الخلق والتركيز على العمل الصالح والتعايش مع أصحاب الديانات الأخرى , واجتناب المنكرات وتشغيل العقل بما ينفع البشرية . وهذا يبين فيما تركه الغزالى دعوة الاسلام نحو التحضر والمدنية دون تضييع ثقافة الدين , والتعامل مع الشعوب من منطلق السماحة الدينية واتساع آفاق الفكر والثقافة . ويربط المؤلف هذا بتفاعل وتأثر الأمم الإسلامية بمدنية الغرب ونظرية الاستمداد الثقافي ، من خلال دراسة أخرى تضمنها الكتاب لأستاذ اللغة العربية بجامعة شيكاغو الدكتور ( جوستاف فون جرونباوم ) ، الذي أكد أن الحقائق السياسية والثقافية للمائة وخمسين سنة الأخيرة ، جعلت من المحتم أن يكون للغرب وتصوراته المدنية صدى في كل محاولة لتجديد النظر في الإسلام دون خصوصية منغلقة وانعزال . وأوضح أن الذي يميز بين الاستمدادات الثقافية التي قام بها المسلمون في القرنين الثامن والتاسع الهجريين ، وتلك التي قاموا بها في الحاضر هو الحالة السياسية المعكوسة . فالعصر العباسي الأول لم يستعر علم الفلك الهندى أو الإدارة الفارسية , لأنه رأى في تلك المنتجات الأجنبية وسيلة للتغلغل أو السيطرة السياسية أو الاقتصادية . والإسلام لم يكن فى موقف دفاعي , ولكنه تبنى تلك الإمكانات الأجنبية لمصلحته ولإعلاء شئونه وتعزيز ثقافته . وإذا كان قد وقع تحت ضغط ، فإنه لم يكن مهزوما فكريا من الخارج بفضل عقيدته الشاملة لكافة أطياف الثقافات ، بينما الملابسات السياسية التي توجه النقل الثقافي في العصر الحاضر هي أفرزت صعوبة من الوجهتين النفسية والاجتماعية على امتزاج الثقافات , لكن يبقى الفكر الاسلامى منفردا بخصوصيات رغم أى مد غربى , نتيجة أسس راسخة يتميز بها الدين الحنيف وثقافته فى ضوء تعاليم القرآن الكريم وما تركه رسوله الأمين .

إلى الأعلى