الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة : تأهيل الشباب من أجل حياة أسرية سعيدة

أضواء كاشفة : تأهيل الشباب من أجل حياة أسرية سعيدة

حينما شرع الله سبحانه وتعالى الزواج اشترط لكي تستقيم الحياة الزوجية وتسير في طريقها الصحيح الذي يدفع بالمجتمع إلى الأمام أن يتوافر بين الزوجين السكن والمودة والرحمة وهو ثالوث يحقق الاستقرار النفسي الذي ينعكس بدوره على المجتمع ويحقق استقرارا للدولة ككل .. إلا أنه نتيجة لاختلاف طبيعة البشر من إنسان لآخر وتضارب وجهات النظر حيال الكثير من الأمور الحياتية قد لا تتحقق هذه المودة والرحمة بين الزوجين وتنشب الخلافات بينهما وحتى لا تتحول الحياة إلى جحيم يكتوي فيه الإنسان بناره ليل نهار أحل الله الطلاق واعتبره أبغض الحلال لما له من آثار سلبية على المجتمع.
الجميع يعلم أن ظاهرة الطلاق منتشرة في جميع أنحاء العالم ومنها مجتمعنا العماني إلا أن ما يحزننا هو أن النسبة العظمى من حالات الطلاق تتم بين الزوجين في مرحلة الشباب وذلك وفق دراسة أعدها فريق عمل تابع لجامعة السلطان قابوس ووزارة التنمية الاجتماعية وهذا مؤشر خطير لأنه يدل على عدم إدراك حديثي الزواج لحجم المسئولية والمرحلة التي يقبلون عليها.
لقد أشارت الدراسة إلى أن الطلاق يقع كذلك في المستويات التعليمية المنخفضة والمتوسطة وعند أصحاب المهن الدنيا والمتوسطة والباحثين عن عمل وذات الدخل المنخفض وفي حالة عدم توافر مسكن للأسرة أو وجود أطفال .. وربما هذه مبررات مقبولة لحدوث طلاق لأن العامل الاقتصادي له دور هام في استقرار الأسرة عندما يستطيع الأب توفير كافة احتياجات أسرته .. أما في حالة ضيق ذات اليد مع تزايد مطالب الحياة الضرورية وفي ظل الارتفاع الجنوني للأسعار فإن المشاكل تكثر بين الزوجين والتي تنتهي بالطلاق وخراب البيوت.
إلا أن ما يثير القلق بشأن الدراسة هو ارتفاع نسبة الطلاق في فئة الشباب المتزوجين حديثا لأن هذا يقتضي ضرورة البحث عن أسباب وقوع هذا الطلاق حتى يمكن تفاديه .. ولعل أهم أسباب انفصال الزوجين هو عدم وجود الوعي الكافي لدى الشباب بأهمية المرحلة المقبلين عليها وهو ما يتطلب نشر الوعي لدى فئة المقبلين على الزواج بكيفية بناء أسرة سليمة مستقرة والتكيف مع الحياة الجديدة.
إن التحديات التي تهدد كيان الأسرة كثيرة منها الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والنفسية بالإضافة إلى متغيرات العصر ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة التي جعلت من أبناء الأسرة الواحدة جزرا منعزلة متفرقة عن بعضها البعض .. لذلك فإن إعداد الشباب المقبلين على الزواج من الجنسين أصبح ضرورة حتمية عن طريق إكسابهم المهارات والمعارف اللازمة لمواجهة متطلبات الحياة الزوجية بنجاح وتوعيتهم بحقوق وواجبات الطرف الآخر.
أغلب الأسباب التي يقع بسببها الطلاق بين الشباب هو قلة المعرفة نتيجة انتشار الأفكار المغلوطة والمنحرفة والمتضاربة عن الزواج والأسرة .. ففي الوقت الذي تنتشر فيه الأفكار الغربية التي تعطي صورة غير مسئولة عن الزواج نرى أن هناك أفكارا متشددة بدأت تطفو على السطح مع ظهور التيارات المتطرفة التي تسعى لنشر فكرها المسموم .. فأصبح الشباب مشوشا يجهل الكثير من الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية الصحيحة المتعلقة بالحياة الزوجية والحفاظ على الأسرة.
لاشك أن تأهيل الشباب المقبلين على الزواج وإكسابهم مهارات التعامل مع الضغوط الحياتية والمشكلات المسببة لفشل الزواج سيحمي العلاقة الأسرية من الانهيار ويمنع تشريد صغار ضعاف ويقوي أواصر المجتمع ويحافظ على استقراره .. ومما لا شك فيه أن هذا التأهيل لا ينبغي أن يقتصر على المقبلين على الزواج فقط بل للآباء والأمهات من الأسرتين فهم أيضا يحتاجون لتأهيل أسري يجعلهم يقدرون قدسية العلاقة الزوجية الجديدة ويراعون خصوصيتها ويرأفون بحال العروسين ويعلمون أن الزواج لا ينجح بالمال فقط .. فلا يقسو أهل العروس بالمغالاة في متطلبات الزواج المادية من مهر وبيت عصري حديث وأثاث على أحدث طراز وتوفير كافة الكماليات المتواجدة بالأسواق بالإضافة إلى حفل زفاف في فندق خمس نجوم .. وكذلك أهل العريس يطالبون البنت بما لا تقدر عليه من مراعاة الزوج بصورة مبالغ فيها والتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة العروسين بعد الزواج.
للأسف لا يعي معظم الشباب أن هناك تغيرا نفسيا يحدث لهم بعد الزواج .. فقد أصبح مسئولا عن بيت وزوجة ولم يعد مثل السابق مسئوليته فردية وعليه أن يكون قادرا على قيادة وإدارة وتدبير شئون الأسرة بمهارة وكفاءة ومراعاة مشاعر من ترافقه حياته الجديدة واختلاف الأنماط السلوكية بينهما .. فلا يغضب لأتفه الأسباب ويوجه دفة الأسرة للاتجاه الصحيح بالصبر والعقلانية .. فالحب وحده ليس كفيلا لتفاهم الزوجين معا لأن لكليهما وجهة نظر مختلفة وهدفا يختلف عن الآخر في الزواج .. فالرجل يريد أن يشعر بأنه السيد والقائد في المنزل بينما تبحث المرأة عن الأمان في الزواج وتريد أن يحققه لها زوجها بالحنان والعطف والإخلاص.
نحن جميعا نقدر دور وزارة التنمية الاجتماعية في تقديم الخدمات الإرشادية للمقبلين على الزواج ولكننا نتمنى أن تتضاعف هذه الجهود حتى نقضي على ظاهرة الطلاق المبكر الذي أصبح مشكلة مؤرقة تخلف الكثير من الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية السلبية التي تؤثر على استقرار المجتمع.

* * *

الجوع يتفاقم وسلة القمامة تئن من الغذاء المهدر
في الوقت الذي تعاني فيه دول كثيرة من الفقر والجوع المفضي للموت وتتراجع الرقعة الخضراء والتي تنذر بحدوث فجوة غذائية كبيرة تخرج علينا منظمة الأغذية والزراعة “فاو” التابعة للأمم المتحدة بتقرير صادم حيث أكدت أن حوالي ثلث مجموع الأغذية يتم فقده أو تبديده قبل أن يصل إلى المستهلكين وهو ما يعد كما تقول المنظمة “فائض أغذية في عصر يعاني فيه مليار شخص من الجوع وهدر للشغل والمياه والطاقة والأراضي والمستلزمات الأخرى التي استخدمت لإنتاجه”.
لاشك أن من يتخيل كم الغذاء المهدر تصيبه الحسرة على حال الجوعى الذي يصارعون من أجل البقاء ولا يجدون كسرة الخبز أو نقطة الماء .. وكذلك على الأموال المهدرة والطاقة والمياه والأراضي وبقية المستلزمات التي ذكرتها فاو .. لأنه لو تم الحفاظ على هذا الهدر بالتأكيد لما ارتفعت أسعار السلع أو توفي فقراء من الجوع أو على الأقل لحصل باحثين على عمل وقلت نسبة الباحثين عن العمل التي تنهش في المجتمعات.
الغريب أن المنظمة الأممية ذكرت أن العالم ينتج أغذية أكثر مما يكفيه وهو ما يعني أن هذا الهدر أو الفقد من الأغذية هو سبب حدوث المجاعات وبالتالي لو تم استرداده أو الحفاظ عليه سيختفي الجوع من العالم وسيطعم العالم أجمع.
المأساة أن ملايين الأطنان من الغذاء يكون مصيرها صناديق القمامة إما بسبب أنها تفسد في الطريق إلى الأسواق أو أنها فائض عن حاجة المستهلكين الأغنياء وهذه مشاكل يمكن معالجتها بكل سهولة وتوفير هذه الأغذية التي يحتاجها أطفال كثيرون حول العالم يموتون بسبب سوء التغذية.
إن التكنولوجيا الحديثة لم تدع مشكلة إلا وصاغت لها ألف حل .. فالثلاجات والمبردات أصبحت بكل شكل ولون ويستطيع التجار الاستعانة بها لحفظ أغذيتهم حتى يتم تسليمها للأسواق مع اتباع الإرشادات الصحيحة لكيفية التخزين حتى تصل سليمة وصالحة للاستخدام الآدمي .. كذلك الحال بالنسبة للحصاد والقطاف والنقل والتعبئة.
أما فائض الأغنياء فقد تم استغلاله في بعض الدول وطبقت تجربة مشروع “بنك الطعام” الذي تقوم فكرته على الحصول على فائض طعام الفنادق الكبرى والحفلات والأعراس الذي لم يمس ويتم إعادة تغليفه وتوصيله للفقراء أينما كانوا لسد جوع بطونهم الخاوية وهو ما يعد نوعا من التكافل الاجتماعي كما أنه يوفر الكثير من فرص العمل .. ولو تم انتشار هذا المشروع ومشاريع أخرى مماثلة لما بقي جائع واحد على الأرض.
لقد آن الأوان لإصدار تشريع والتزام سياسي تتبعه كافة الدول لمواجهة هذه المشكلة فيكفي أن الكوارث الطبيعية تقضي حاليا على الأراضي الصالحة للزراعة وتنذر بحدوث مجاعات ستطال جميع البلدان لذلك لابد من اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الغذاء من الفقد والهدر وتغيير طريقة التعامل مع الغذاء المهدر والمفقود لأن ذلك يعد عقبة في طريق التنمية المستدامة التي تنشدها كل الدول فلماذا لا تخصص شركات ومؤسسات تكون مهمتها الأساسية هي الحفاظ على الطعام من الهدر والفقد ؟.
لا يوجد منزل لا يعاني من هدر الطعام سواء بإلقاء الفائض في القمامة أو تركه ليفسد لذلك يجب تسوق وطهي الكمية التي يحتاجها أفراد الأسرة مع شراء المشتريات الضرورية فقط ولا داعي لشراء ما لا نحتاجه حتى لا يفسد ويكون مصيره الرمي وقبل كل ذلك علينا أن نلتزم بما أمرنا به الله من عدم الإسراف والحفاظ على نعمه حتى لا تزول عنا ونندم وقت لا يجدي البكاء على اللبن المسكوب.

* * *
آخر كلام
يقول الكاتب الكبير توفيق الحكيم : إن عقل المرأة إذا ذبل ومات فقد ذبل عقل الأمة كلها ومات.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى