الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التوسع والاستيطان في الفكر الصهيوني

التوسع والاستيطان في الفكر الصهيوني

محمد بن سعيد الفطيسي

” المتتبع لما تقوم به الحكومة الإسرائيلية في فلسطين العربية المحتلة، من محاولات التوسع والاستيطان وضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء المساكن والمستوطنات، لا يمكن أن نطلق عليه بالظاهرة الاستعمارية الجديدة في فكر هذا الكيان الإرهابي المحتل الغاصب، وإنما هو فكر متأصل في جذور تاريخ هذا الكيان منذ قيامه بقرار أممي ظالم،”
ـــــــــــــــــــــــــ

مستوطنة عوفرا والتي تعد اليوم رمزا من رموز الإرهاب الصهيوني في ارض الطهر والرسالات فلسطين والمتمثل في التوسع والاستيطان واغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية، هي كما وصفتها صحيفة الواشنطن بوست جزيرة من اليهود فى بحر من الفلسطينيين، وتسمى “أم كل المستوطنات” حيث تم بناؤها منذ40 عاما، وأشارت واشنطن بوست إلى أن عوفرا هى أول مستوطنة يتم بنائها شمال القدس فى عام 1974، ويقيم بها الآن حوالى 740 عائلة يهودية.
والمتتبع لما تقوم به الحكومة الإسرائيلية في فلسطين العربية المحتلة، من محاولات التوسع والاستيطان وضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء المساكن والمستوطنات، لا يمكن أن نطلق عليه بالظاهرة الاستعمارية الجديدة في فكر هذا الكيان الإرهابي المحتل الغاصب، وإنما هو فكر متأصل في جذور تاريخ هذا الكيان منذ قيامه بقرار أممي ظالم، وبالتالي فهي مسألة مألوفة كغيرها من القضايا الكثيرة والمتنوعة التي تتداخل في تعقيداتها مع النهج السياسي العملي المفروض على الشعب الفلسطيني العربي الأعزل، من خلال الممارسات القمعية التي تنتهجها حكومة الاحتلال وسلطاتها العسكرية كل يوم وبشكل متواصل.
وفي تقرير يتناول هذا الشأن قال معهد الأبحاث التطبيقية أريج في تقرير صدر له مع مطلع شهر ابريل من العام 2013م، انه منذ احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة في العام 1967، دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تشجيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وفي منطقة القدس على وجه الخصوص، من خلال تقديم حوافز للمستوطنين، بما في ذلك إعانات السكن، وعمل تخفيض على ضريبة الدخل وتخصيص فوائد ومخصصات مالية لمناطق المستوطنات، ومنح مالية وضمانات وفوائد ضريبية لقطاعي التجارة والصناعة.
وقد لفت التقرير ان إسرائيل قامت بطرح مخططات لبناء 18 ألف وحدة استيطانية خلال العام 2011 ، وأكثر من 26 ألف وحدة استيطانية خلال العام 2012 ، ومع طرح هذه المخططات فإن خطة تجميد البناء في المستوطنات الإسرائيلية أصبح لا معنى لها ، وبذلك تكون إسرائيل قد فرضت شروطها لحل النزاع مع الفلسطينيين، وأعلنت عن مخططات لبناء أكثر من 30 ألف وحدة استيطانية في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، بما في ذلك تلك الواقعة في القدس الشرقية.
وبحسب تحليل صور الأقمار الصناعية التي قام بها المعهد سالف الذكر في تقريره ، تم الكشف عن 232 بؤر استيطانية في الضفة الغربية دون احتساب البؤر الاستيطانية التي تم تفكيفها في المناطق المختلفة من الضفة الغربية ، وهو أعلى مستوى وصل إليه عدد البؤر الاستيطانية حتى العام 2013م ، ولان بناء وتوسع البؤر الاستيطانية الإسرائيلية قد خلق نوع من التواصل الجغرافي بين البؤر الاستيطانية الأخرى والمستوطنات الأم ، فقد ساهم ذلك أيضا في الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنات الإسرائيلية ، وهذا ما تأكد من ارتفاع عدد المستوطنات مع نهاية العام 2014م إلى 389 مستوطنة استعمارية بزيادة قدرها 4% والمتوقع إن تصل مع نهاية العام 2015 إلى 580مستوطنة في حال لم يتم إيقاف هذا المد الإرهابي السرطاني الذي ينهش في الأرض العربية الفلسطينية المحتلة.
وبتناول هذه الظاهرة يتضح لنا ان لها أبعادا كثيرة ومختلفة، أريد من ورائها ترسيخ الوجود الصهيوني، وتحقيق الاستقرار للمستعمرة الإسرائيلية الكبرى المسماة بإسرائيل على ارض فلسطين، ونوجزها في البعد الأيديولوجي ـ التاريخي والديني ـ، والبعد الاقتصادي والأمني العسكري والسياسي القومي والديموغرافي، وقد تناولت هذه الأبعاد في تاريخ الفكر الصهيوني العديد من الدراسات والبحوث الأيديولوجية والتاريخية، والتي خلصت في مجملها إلى تلازم هذه التوجه الاستيطاني مع ذلك الفكر العدواني.
فهي عقيدة متأصلة قبل أن تكون سياسة مستحدثة، ( فالحقيقة هي أن لا صهيونية بدون استيطان، ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراضيهم وتسييجها)، وطردهم منها وتحويلهم إلى لاجئين ونازحين، ومن ذلك المنطلق فإن ابسط تعريف لهذه الظاهرة هي أنها محاولات الحكومة إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإحلال السكان الذين ينتمون لدولة الاحتلال مكانهم عبر الوسائل التعسفية والقهرية والقمعية الإرهابية وما يرافق ذلك من مصادرة للأراضي العامة والخاصة دون مراعاة لأي اعتبارات إنسانية وأخلاقية أو سياسية او قانونية أو غيرها.
وقد بدأت فكرة الاستيطان في فلسطين، تلوح في الأفق: بعد ظهور حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في أوروبا، حيث بدأ أصحاب المذهب البروتستانتي الجديد ترويج فكرة تقضي بأن اليهود ليسوا جزءاً من النسيج الحضاري الغربي، لهم ما لهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات، وإنما هم شعب الله المختار، وطنهم المقدس فلسطين، ويجب أن يعودوا إليه، وكانت أولى الدعوات لتحقيق هذه الفكرة ما قام به التاجر الدنماركي أوليجربولي Oliger poulli عام 1695م ، والذي أعد خطة لتوطين اليهود في فلسطين، وقام بتسليمها إلى ملوك أوروبا في ذلك الوقت ، وفي عام 1799م، كان الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أول زعيم دولة يقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين أثناء حملته الشهيرة على مصر وسوريا.
ولكون هذا الاستيطان من أهم العوامل الرئيسية للبقاء الصهيوني في هذا العالم ، فقد ظل على قمة الأولويات السياسية الإسرائيلية الحكومية وبمختلف تقسيماتها وفروعها، ما بين يمين ووسط ويسار، بل وأيديولوجياتها السياسية والدينية منها او التصحيحية، وان دل هذا على شيء، فإنما يدل على الأهمية البالغة والقصوى لهذا النهج الاستيطاني في فكر بناء الدولة الصهيونية الحديثة، او المستعمرة الإسرائيلية الكبرى على ارض الطهر والرسالات فلسطين العربية المحتلة، بل ونراه دائم التصدر على قمة الأولويات الصهيونية الإسرائيلية في جميع المحافل الدولية، وليس ذلك إلا لكونه أداة هامة لممارسة الفكر الاستيطاني الذي تقوم عليه النظرية الصهيونية، مدعومة بكل وسائل القمع والبطش والإرهاب، والدعم المتزايد من قبل منظمات الضغط الصهيونية المتوغلة في جل الدول الكبرى بشكل عام، وفي الولايات المتحدة الاميركية على وجه التحديد، والتي من شأنها تغيير الواقع الفلسطيني من خلال التصرفات المكرسة بأعمال البناء والهدم واستقدام المهاجرين اليهود من مختلف أرجاء الأرض.
وليتحقق لإسرائيل الغلبة الديموغرافية على الرقعة الجغرافية الفلسطينية في نهاية المطاف بحسب الاعتقاد الإسرائيلي، ودون الأخذ بالاعتبار إلى حقوق الشعب الفلسطيني الإنسانية منها والأخلاقية والقانونية، وتنبع تلك الأهمية الإستراتيجية للاستيطان الصهيوني في فلسطين: (من خلال كون هذا الاستيطان يشكل العمود الفقري والتطبيق العملي للصهيونية، واللبنة الأولى لإنشاء الكيان الإسرائيلي في فلسطين، فإسرائيل (كدولة) ما هي في الحقيقة إلا مستوطنة كبيرة قامت على أساس غزو الأرض وطرد سكانها العرب، وإنشاء كيان غريب عن المنطقة العربية من خلال جلب المهاجرين اليهود من جميع أنحاء العالم واستيطانهم فيها).
وعلى رأس تلك الأبعاد التي تحاول الحكومة الإسرائيلية تحقيقها من خلال ظاهرة التوسع والاستيطان، هو المحافظة على البعد الأيديولوجي للديانة اليهودية المتمثل في العقيدة والدين، بالرغم من أن الحركة الصهيونية قائمة على البعد السياسي بالدرجة الأولى، إلا أن فهما لأهمية هذا البعد لتعميق الربط الروحي والعقائدي ما بين المواطن الإسرائيلي بأرضه ووطنه، ومزج ذلك بتلك الأساطير الإسرائيلية المتمثلة بالوعود الإلهية للشعب المختار، سيزيد من عمق تمسك الإسرائيلي الصهيوني ودعمه لحكومته في هذا التوجه، بل وسيكون محفزا لليهود من مختلف دول العالم للعودة إلى فلسطين من جديد، وقد لعب الدين الكثير في تاريخ الديانة اليهودية قديما وحديثا، لدرجة أن الصهيونية قد نجحت في استغلال هذا البعد بدرجة كبيرة جدا في سياساتها التوسعية في فلسطين العربية، بل وفي العالم بأسره.
ومن أهم القراءات المتزمتة التي تدل على خطورة هذا البعد في العقيدة الصهيونية السياسية الحديثة، قول الجنرال موشي ديان، في صحيفة الـ(جيروزاليم بوست)، بتاريخ 10 أغسطس 1967م: (إذا كنا نملك التوراة، ونعتبر أنفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا أن نمتلك جميع الأراضي المنصوص عليها في التوراة)، وفي هذا السياق يوضح مارتين جيلبرت معنى تطور الصهيونية الدينية وادعاءاتها المتعلقة بالضفة الغربية فيقول: ( إلى جانب النمو السريع لحركة ارض إسرائيل بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية سنة 1967م، تحولت الصهيونية الدينية فعليا إلى حركة استيطان في الضفة الغربية، مدفوعة برؤية قوامها إن الاحتلال اليهودي لكل الأرض خطوة حاسمة في طريق الخلاص الجسدي والتجديد الروحي ).
أما البعد السياسي والقومي لهذه الظاهرة فانه يتمثل في انه يلبي مطالب واسعة من القوى السياسية الفاعلة في إسرائيل، وخصوصا القوى الدينية منها والصهيونية السياسية، والتي طالما ظلت تنادي بتوسيع هذا الكيان ليحقق البعد القومي والسياسي لإسرائيل التاريخية، وان بدا ذلك بتوسع داخلي للاستيطان، بالرغم من أن هذا البعد لا يختلف كثيرا عن البعد السابق المتمثل في عقيدة الوعد وأسطورة الشعب المختار، فهنا لا نستطيع أن نفصل كثيرا ما بين السياسة والدين في قاعدة الأيديولوجيا الاستيطانية للحكومة الإسرائيلية الصهيونية .
فانطلاقا من هذا الوعد الإلهي ـ كما يقول الكاتب الفرنسي روجيه غارودي: (يذهب القادة الصهاينة وحتى الملحدين منهم إلى القول: بان الرب قد وهبنا ارض فلسطين، وذلك دون التساؤل عن طبيعة هذا الوعد، او ما ينطوي عليه الميثاق المعقود مع الرب، او ما إذا كانت هناك شروط لذلك الاختيار الإلهي)، وهو ما أكده رفض القيادة السياسية الإسرائيلية لقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، والذي اعتبرته تلك القيادات السياسية تقسيما للوعد الإلهي المتمثل في كامل الأراضي الفلسطينية وما حولها، او إسرائيل التاريخية من الفرات إلى النيل، حيث نقلت صحيفة الـ(نيويورك تايمز) بتاريخ 6 ديسمبر 1953م، إعلان بن غوريون أن ذلك القرار الذي أصدرته الأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 1947م، باطل ولاغٍ، كونه لا يحقق الإرادة الإلهية او البعد السياسي التاريخي والقومي للشعب اليهودي.
كذلك فان البعدين الاقتصادي والأمني، واللذين لا نستطيع أن نفصلهما عن بعض، كونهما متلازمين دائمين وطبيعيين لاستتباب الاستقرار والتقدم المدني، فإنهما يمثلان نفس القيمة المعنوية لمستعمرة إسرائيل الكبرى من حيث الفكرة الهادفة إلى السيطرة على ارض فلسطين التاريخية من خلال فكرة الاستيطان والتوسع، حيث تبلغ مساحة الضفة الغربية والقطاع نحو 23% من مساحة هذه الأرض، وبذلك يتحقق لإسرائيل السيطرة على الموارد الطبيعية والأساسية في هذه الأراضي، كالمناطق الزراعية الخصبة والقوى البشرية العاملة والموارد المائية.
كما يحقق الاقتصاد الإسرائيلي الكثير من الأهداف المستقبلية، ويجنبها العديد من المشاكل الاقتصادية والأمنية، المتمثلة في انخفاض معدل نمو الاستثمار وارتفاع الدين الخارجي، وزيادة مستوى التضخم، وكثرة الباحثين عن العمل وما يترتب على ذلك من جرائم وخلافه، ومن هذا المنطلق فقد رأى جل الزعماء الإسرائيليين في الهجرة اليهودية والاستيطان حلاً لجميع مشاكل إسرائيل الأمنية من خلال خلق مؤسسة عسكرية قوية مزودة بالعناصر البشرية، والاقتصادية من خلال توفير الأيدي العاملة والأراضي اللازمة لإقامة المنشآت الاقتصادية والسياسية من خلال ضمان الاعتراف والإقرار بشرعية الأمر الواقع الذي يجسده الاستيطان في المناطق المحتلة.
ختاما فإن البعد الديموغرافي لظاهرة التوسع والاستيطان، لا يقل أهمية بالنسبة لإسرائيل عن بقية الأبعاد السابقة، فهي بضمها لبعض مناطق الضفة الغربية والقطاع، وتوطين المهاجرين الجدد من اليهود فيها، يضمن لإسرائيل ضم اكبر مساحة ممكنة من الأراضي بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين، وبذلك تتحقق المعادلة الصعبة بين الأرض والأمن والسكان، كما يكفل للحكومة الإسرائيلية وسيلة سهلة لتهجير سكان القرى المجاورة لتلك المستعمرات، وبالتالي مزيدا من الأراضي الفلسطينية.

إلى الأعلى