السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. الإرهاب وفائض نفاق المحاربين

شراع .. الإرهاب وفائض نفاق المحاربين

خميس التوبي

لا يكاد يمر يوم من عمر المؤامرة ضد سوريا إلا ويؤرخ لموقف فاضح لحقيقة الأدوار التي يلعبها المتآمرون لتدمير هذه الدولة العربية العزيزة، الذين ينطبق عليهم المثل القائل “يكاد المريب يقول خذوني”. فهناك بون شاسع بين التصريحات أمام الإعلام والبرلمانات لسياسيي الدول المتآمرة وبين ما تفعله هذه الدول من أدوار على الأرض يندى لها جبين الإنسانية، وتبين أن لا قيمة للإنسان أمام المصالح الاستعمارية الامبريالية، خاصة الإنسان العربي الذي ينظر إليه على الدوام هؤلاء المستعمرون الامبرياليون على أنه متخلف وغبي وتابع وينقاد بسهولة.
إن محاولة معشر المتآمرين الربط بين تقسيم سوريا والعراق وبين مواجهة تنظيم “داعش” الإرهابي ليست محاولة تعبر عن ما يفيض به خطابهم السياسي من نفاق فحسب، وإنما محاولة لاستغباء الطرف الآخر المتلقي لمثل هذا النوع من الخطابات الكاذبة والمنافقة والمفضوحة التي أصبحت ارتجالية ولا يمكن صرفها في السياسة لفقدانها القيمة الحقيقية من المصداقية، وبالتالي فهي لا تنطلي إلا على مغيب الفكر والوعي ومعزول عن الواقع أو إمَّعة، ذلك أن الواقع على الأرض هو الذي يقول ذلك ويفنِّد حقيقة هذه الخطابات ويدحضها بل ويرد عليها عمليًّا.
وبالعودة إلى لغة تقسيم العراق وسوريا ونفاق الخشية من حصول ذلك، والنفاق بأن تداركه لا يتم إلا عبر مواجهة “داعش” وحركات التطرف والإرهاب، فإن هذا الاستعراض السياسي الدعائي المفضوح والممجوج، يفضحه الواقع ويكذبه، فمبدأ التقسيم قائم في مخططات المتآمرين ومشاريعهم العازمين على تنفيذها، والمجاهرة به لم يكن ضربًا من الحرب النفسية أو بقصد ممارسة نوع من الضغوط على حكومتي العراق وسوريا، وإنما كل دقائق التحركات على الأرض تعبر عن حقيقة ما جاهر به المتآمرون ليس عن التقسيم وحده بل عن هدف التدمير الممنهج، والذي من أجله صنعوا “داعش” وشجعوا جميع المتطرفين والمتطرفات والتكفيريين والتكفيريات في أصقاع العالم على الانضمام إلى التنظيم الإرهابي، وسخروا له كل أسباب التمدد والتوحش، كما صنعوا إلى جانبه العديد من عصابات الإرهاب والموت المجاني والتدمير، وزودوها بكل ما تحتاجه من تدريب وسلاح ومؤن ودواء، وراهنوا على هذه المنتجات والصناعات الإرهابية في تنفيذ مخططات التقسيم والتدمير، فلم يكن تمدد هذه العصابات الإرهابية في الأرض العراقية والسورية وإيقاعها المذابح بحق الشعبين العراقي والسوري، وإثبات تفوقها على العصابات الصهيونية (الهاجاناة وشتيرن) التي مارست التطهير والمذابح والمجازر بحق الشعب الفلسطيني، ولم يكن مسح الأراضي العراقية والسورية عبر الأقمار الصناعية الأميركية والصهيونية وإمداد هذه العصابات الإرهابية بالإحداثيات عن المناطق الخالية من أي وجو عسكري عراقي أو سوري، وإمدادها بالسلاح من الجو، لم يكن كل ذلك سوى مزيد من الأدلة والبراهين العملية على ما يعج به الخطاب السياسي لمعشر المتآمرين من نفاق وأكاذيب وفبركات، وهو أسلوب لطالما ارتكزت عليه السياسة الاستعمارية الامبريالية الغربية لإيجاد الذرائع والمبررات، ولستر الأدوار غير الأخلاقية والشاذة، وكنوع من التلطيف الظاهري للأجواء المملوءة بروائح الفتن الطائفية والمذهبية التي ملأت المنطقة عبر تحالفات مشبوهة وعميلة مع قوى تصدرت المشهد العام في المنطقة بحرفتها التي لا تجيد غيرها وهي رعاية الإرهاب ومده بأسباب البقاء، ومستعدة للذهاب بعيدًا إلى تضخيم آفة الإرهاب ومد أذرعها وجذورها ليس في المنطقة وحدها، وإنما في العالم بأسره، ولذلك وبناء على هذه التحالفات المشبوهة لم يكن الحديث عن محاربة إرهاب تنظيم القاعدة إلا أكبر كذبة تمارس على شعوب العالم أجمع. ولعل الوقائع والتطورات الأخيرة كفيلة بإعطاء أدلة إضافية على فائض النفاق لدى معسكر التآمر والعدوان، ومن هذه الوقائع:
أولًا: تعويم إرهاب تنظيم القاعدة المحظور بالقرارين الصادرين عن مجلس الأمن رقمي (2170) و(2178)، وتذويب هذا الإرهاب المحظور المتمثل تحديدًا في ما يسمى “جبهة النصرة” في الإرهاب المعتدل والمُسوَّق باسم “المعارضة المعتدلة” ـ حسب تسمية معشر المتآمرين ـ وقد بدا محاولة يائسة وبائسة ومكشوفة ومفضوحة الترويج الإعلامي لإرهاب القاعدة المتمثل في “جبهة النصرة” وتقديمه وتقديم مجازره ومذابحه بحق المدنيين السوريين والقوات الأمنية السورية، والدمار الهائل الذي أحدثه في البنية الأساسية السورية على أنه “اعتدال”، وأنه هو “المعارضة السورية المعتدلة”، ولعل المدخل الأكثر يأسًا وبؤسًا، والأكثر إثارة للسخرية في الوقت ذاته، هو الترويج اللافت عن أن إرهاب “جبهة النصرة” ليس في مخططه استهداف الغرب الامبريالي الاستعماري، والعزف على الوتر الحساس لهذا الغرب الاستعماري بأن كل خطط (القاعدة/النصرة) وأهدافه هو إسقاط سوريا. والأمر الآخر الأكثر إثارة للسخرية واستفزازًا للعقول أن هذا (الإرهاب القاعدي) الذي يضم إرهابيين وتكفيريين وظلاميين ومرتزقة ونكاحيين ذكورًا وإناثًا، جلبوا من أصقاع العالم هو (المعارضة السورية المعتدلة)، فكيف يتأتى لهذه العقول أن تقبل أن هؤلاء هم معارضون سوريون و”معتدلون”؟
ثانيًا: كل الحيثيات والوقائع تشير إلى أن السيطرة على آبار النفط وحقول الغاز والمصافي ليست من وحي المصادفة من قبل الإرهاب “المعتدل” و”غير المعتدل”، وإنما جاءت وفق الأهداف المرسومة من قبل منتجي هذا الإرهاب ومشغِّلي أدواته، فقيام دول في معسكر التآمر والعدوان ببيع النفط والغاز المسروقين في السوق السوداء واقتسام العائدات، له نتائجه وآثاره من حيث إن المنتجين والمشغِّلين لا يكلفون خزائنهم دولارًا واحدًا لدعم هذا الإرهاب وأدواته، بل العكس من ذلك فعائدات هذه السرقة توظف لتدوير تروس مصانع السلاح لدى الغرب الاستعماري الامبريالي وشركات انتاج السيارات(الدفع الرباعي)، بالإضافة إلى الالتزامات المفروضة على العملاء والوكلاء في المعسكر بدفع تكاليف صفقات السلاح لدعم هذا الإرهاب، ومن نتائج ذلك أيضًا التأثير على أسواق النفط وأسعارها على النحو المشاهد، ولذلك ما أشارت إليه الخريطة التي نشرتها الدمى التي صنعتها مخابرات معسكر التآمر والعدوان على سوريا من أن تنظيم “داعش” الإرهابي يحتل المرتبة الأولى بسيطرته على أكثر من 80 بالمئة من حقول النفط والغاز، وتليه الفصائل الكردية بنسبة حوالي 12 بالمئة (معظمها بمناطق أقصى شمال شرق سوريا)، وأن سيطرة الدولة السورية في المرتبة الأخيرة بنحو 8 بالمئة، لم يأتِ ذلك من فراغ وإنما عبر تخطيط واضح. وتبدو في هذه السيطرة على مصادر الثروات من قبل عصابات الإرهاب دلالة على الهدف من نشر الفوضى والإرهاب في عموم المنطقة وهو تنفيذ اتفاقية “سايكس ـ بيكو” ثانية تقوم على تقسيم المنطقة وفق الثروات وليس الجغرافيا والحدود التي رسمتها الاتفاقية الأولى.
ثالثًا: حسب بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، أن لجنة الرصد وتطبيق العقوبات ضد التنظيمات الإرهابية قدرت أن أكثر من 25 ألفًا من المقاتلين الأجانب من أكثر من 100 دولة قد سافروا إلى سوريا والعراق وأفغانستان واليمن وليبيا، بنسبة زيادة بلغت سبعين في المئة هذا العام عنها في العام الفائت. فهؤلاء الإرهابيون لم ينزلوا بالمظلات من السماء إلى هذه الدول، وإنما جاؤوا بعلم دولهم وربما بتشجيع حكوماتهم ودخلوا الى بلدان الهدف عبر دول الجوار. فكيف يتوافق الحديث عن مواجهة حركات الإرهاب والتطرف لتدارك تقسيم العراق وسوريا مع الهجرة المتزايدة لقطعان الإرهابيين وتحت سمع وبصر حكومات دولهم التي تدَّعي محاربة الإرهاب والتطرف؟ أليس ذلك فائض نفاق وللاستهلاك الإعلامي والسياسي؟

إلى الأعلى