السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / مشاريع مسقط الساحرة

مشاريع مسقط الساحرة

أعلنت بلدية مسقط قبل عدة سنوات أنها بصدد تنفيذ مجموعة من المشاريع التجميلية الرائعة والتي من شأنها أن تزيد من جاذبية العاصمة ورونقها وأطلقت على هذه الحزمة مشاريع مسقط الساحرة، والتي من ضمنها مشروع المنارة في شارع مطرح البحري ومتنزه هوية نجم ومشروع مرفأ العبارات في مطرح ومشروع متنزه الوادي الكبير ومشروع متنزه مدرجات الحمرية ومشروع ساحة مسقط بالخوير ومشروع الواجهة البحرية بالسيب ومشروع الرصيف البحري بالعذيبة ومشاريع أودية محافظة مسقط والتي تهدف إلى الإستفادة من الأودية وتحويلها إلى متنفسات وحدائق غناء وغيرها من المشاريع.
والحق أن التصاميم الأولية خلاقة وستغير من شكل المدينة وتزيدها جمالا إلى جمالها، غير أن الإشكالية في هذه المشاريع تكمن في التأخير الكبير في التنفيذ، ولقد بحثت مؤخرا في الموقع الإلكتروني الرسمي لبلدية مسقط لأعرف أخبار هذه المشاريع فلم أجد إلا نفس الرابط القديم الذي تم وضعه في الموقع يوم الإعلان عن المشاريع، وهذا أيضا ما نحتاجه في المواقع الرسمية للجهات الحكومية، فما الضير أن تذكر المزيد من التفاصيل وما الضير أن يتم دوما تحديث المعلومات بآخر الأخبار فيذكر على سبيل المثال مرحلة العمل في كل مشروع وتكلفته والاستشاري والمقاول وسير العمل في المواقع الميدانية، للأسف وبكل صراحة بعض المواقع الإلكترونية للجهات الرسمية لا تكاد تجد فيها مفيد، وإذا كنا نطالب الشركات المساهمة بالشفافية والإفصاح عن كل أمر قد يهم المساهمين فمن باب أولى المطالبة بالإفصاح عن أخبار هذه المشاريع الحكومية الإستراتيجية التي تهم كل مواطن ومقيم، ولما لهذه المشاريع من أهمية وتأثير مباشر على الإقتصاد ككل وبالذات اقتصاديات السياحة، ففي صناعة السياحة يعتبر معدل إقامة السائح في البلد من الأرقام المهمة التي تسعى الدول إلى زيادتها، وبالتأكيد الزائر السائح لمسقط ستتضاعف معدل مدة إقامته بمسقط بعد استكمال هذه المشاريع مما سيضاعف المردود المتوقع.
من حق المواطن أن يعرف مصير هذه المشاريع، إذا ألغيت ما هو السبب في إلغائها ولماذا لم يتم الإعلان عن إلغائها؟ وإذا كانت لم تلغى وإنما هو البطء المعتاد في التنفيذ، فمن أين المشكلة؟ هل من البلدية أم من المقاولين أم من الاستشاريين وما هي أسباب التأخير؟ لابد من زيادة درجة الثقة والشفافية بين الحكومة والجمهور فالمصلحة واحدة وليس الهدف إلقاء اللوم على جهة معينة أو تبادل أصابع الإتهام وإنما الهدف المزيد من التعاون والتكاتف للوصول للهدف المنشود
تحدث الرئيس الكوري السابق لي ميونج باك خلال زيارته للسلطنة في مارس 2014 عن تجربته في العمل البلدي عندما تولى رئاسة بلدية المدينة سيول عاصمة كوريا الجنوبية، ودورالعمل البلدي في الإقتصاد والتنمية وذلك في محاضره بجامعة السلطان قابوس بعنوان التجربة الكورية في الإقتصاد والتنمية، وفي كتابه (( الطريق الوعر)) تحدث بتفصيل أكبر عن المشاريع التي خطط لها ونفذها خلال توليه منصب عمدة بلدية سيؤول للمدة 4 سنوات من 2002-2006 والتي من ضمنها مشروع إحياء نهر شيونجيشيون والذي كان من بين الإنجازات الكبيرة للبلدية في تلك الحقبة.
نهر شيونجيشيون هو- باختصار- نهر مردوم بطول 5 أميال تقريبا ويقع بقلب العاصمة سيول وتم ردمه بعد الحرب العالمية الثانية عندما تكدست فيه كميات متراكمة من الأوساخ والردميات والمخلفات حتى قرر المسؤولون في تلك الفترة دفن النهروإنشاء طريق سريع عليه للتخفيف إزدحام المدينة، إلا أن الطريق تسبب مع الوقت في كارثة بيئية فالمنطقة امتلئت بالعوادم والأدخنة السامة، ولأن المسار الطبيعي للنهر مغلق، فالحرارة والرطوبة حبست، والطريق نفسه أيضا يكون دوما مزدحم بسبب أعمال التصليح الدورية خوفا من الإنهيار كون الطريق يقع فوق النهر المردوم مما يؤدي إلى اكتظاظ المنطقة.
كان الحل الجذري للمشكلة يكمن في هدم الطريق السريع القائم على النهر المردوم ثم دفن أنابيب المياه والصرف الصحي والإتصالات ومن ثم إعادة تنسيق قاع النهر وإعادة التنسيق الموقعي والمكاني للمحلات والمباني الصغيرة على جانبي الشارع، تم إنجاز هذا المشروع الرائع وتم خلاله التغلب على الكثير من الصعوبات – بالإضافه إلى العمل الإنشائي – والتي لخصها المؤلف في صعوبتين رئيسيتين: إقناع القيادة العليا والجمهور بأهمية مواجهة المشكلة فقد كان التخوف كبير من أن يسبب هدم الطريق السريع إلى شلل الإنسياب المروري في مدينة يسكنها عشرة ملايين نسمة، والإشكالية الثانية تكمن في التعامل مع إعادة تموقع حوالي عشرة الآف محل يمثلهم أكثر من ألف نقابة عمالية وكانت لديهم رغبات مختلفة وأحيانا متضاربة.
شكلت شعبة تابعة للبلدية للتسوية المطالبات والاستماع الى شواغل اصحاب المحلات واقناع النقابات بمشروع إحياء النهر وكيف أن المشروع سيحسن من طريقة عملهم وحياتهم في المستقبل، وخلال 11 شهرا تم عقد 4200 اجتماع تم خلالها تسوية 1000 طلب وفي النهاية وافقت النقابات على المشروع، وفيما يتعلق بإدارة الازدحام فقد تم اتخاذ بعض التدابير اللازمة بتوسعة مؤقته للطرق الجانبية وتشجيع النقل الجماعي، وتخصيص طرق أحادية الإتجاه وانشاء مركز للرصد ومراقبة أنماط المروروتعديلها وفقا للتدفق اللحظي وانسياب حركة المرور،وبدأ العمل فعليا بالمشروع بعد تسعة أيام فقط من التاريخ المقرر لبداية العمل.
وعدت بلدية سيول فأوفت بوعدها، وأعيد نهرشيونجشيون خلال عامين ولأول مرة منذ عقود أصبح الناس قادرين على الاستمتاع بالهواء النقي والمياه النظيفة في قلب سيول وحتى الطيور المهاجرة عادت؛ ووجد سكان المدينة بالقرب منهم مكانا للتجوال والاسترخاء
المشاريع البلدية الإسترتيجية دائما ما تقوي موقع المدينة في خارطة السياحة والإقتصاد، فسرعان ما أصبحت شيونجيشيون وجهة سياحية مفضلة واحد معالم سيول وعادت الحياة إلى المناطق المحيطة أيضا، فبدلا من اعتبارها سابقا الجزء القديم من المدينة ؛ أصبحت منطقة نشطة جدا وسرعان ما فتحت المطاعم والمقاهي ذات الماركات المحلية والعالمية أبوابها واعتبرت المنطقة وحواليها ضمن المناطق الترفيهية والسياحية المتكاملة التي تخدم قاطنيها وزائريها على حد سواء، كما حظي المشروع بترحاب اقليمي و دولي وحاز على العديد من الجوائز العالمية.
بعد إنجاز هذا المشروع الضخم لبلدية سيول، توقعت أن يستريحوا ولو للفترة وجيزة ويركزوا على تسيير العمل الروتيني البلدي المهم من تنظيف وتفتيش ورقابة وصيانة؛ إلا أن بلدية سيول لم تسترح إطلاقا لأنها وضعت على عاتقها أمانة مسؤولية أداء دورها في تحول كوريا الجنوبية للعالم الأول، في عالم سريع التطور ومليئ بالمتغيرات، حيث أنه بدأ العمل فورا في مشاريع أخرى مثل ساحة سيئول بلازا وحلبة التزلج المفتوحة في قلب المدينة وغابة سيئول والمنتزة الشرقي للسيئول وغيرها الكثير مما لا يتسع المجال للحصر وافتتح جميعها قبل يونيو 2006.
ليت تم افتتاح المشاريع الرائعة للبلدية مسقط بهذه الطريقة، وياليت تم إحياء مدينة الحافة في صلالة كما تم احياء نهر شيونجيشيون، فالكل متشوق للاستمتاع بالمشروع بعد انتظار دام أكثر من عقد من الزمان، والكل كذلك متلهف لافتتاح جسور شارع الرباط التي عقدت عليها الآمال لحل مشكلة الإختناق المروري السنوي لخريف صلالة
ديننا الحنيف حض على احترام الوقت ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك وربط معظم العبادات بتوقيت معين ليسهل علينا بعد ذلك احترام الوقت واعتباره منهج حياة، كما أن عصر العولمة يفرض علينا سرعة الإنجاز واقتناص الفرص والتكيف الدائم مع المتغيرات.
وما لم نحترم البرنامج الزمني لخطط التنمية بمختلف مجالاتها ونحاسب أنفسنا بناء عليها ويتم الإفصاح والمسائلة عن مبررات التأخير؛ فسوف تظل الكثير من خططنا الرائعة حبرا على ورق.

عمار الغزالي ..

إلى الأعلى