الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السياسة تغزو دولة الفيفا

السياسة تغزو دولة الفيفا

محمد عبد الصادق

” كشفت انتخابات “الفيفا” الواقع العربي الملتبس والانقسامات التي يشهدها الوسط الرياضي العربي، فرغم وجود مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب والذي عقد جلسة في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة قبل الانتخابات، وأصدر بياناً أعلن فيه دعمه لترشح الأمير علي بن الحسين لمنصب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وجدنا مواقف متباينة لممثلي الدول العربية في الانتخابات”
ــــــــــــــــــــــــ

ظلت كرة القدم منذ اخترعها الإنجليز في القرن التاسع عشر وسيلة للترفيه، ورياضة تجلب المتعة وتنشر المحبة والتعاون والروح الرياضية بين الفرق المتبارية وترسخ المنافسة الشريفة بين الأندية والمنتخبات الساعية لإمتاع الجماهير والحصول على البطولات الرياضية بنزاهة وشرف، في ظل نظم ولوائح تحكمها الهواية الخالصة، هذه المبادئ السامية ظلت مسيطرة على لعبة كرة القدم لسنين طويلة، قبل تحولها في السنين الأخيرة لتجارة وصناعة لا تعرف إلاّ لغة الأرقام والمصلحة، وتحول اللاعبون والمدربون والإداريون إلى محترفين يسعون لجمع الأموال وجني الأرباح مقابل ما يقدمونه من جهد في مجال اللعبة الأكثر شعبية حول العالم.
ولعل ما شاهدناه مؤخراً من صراع شديد في انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” يظهر إلى أي مدى تسببت الأموال والأرباح الطائلة التي تدرها اللعبة في إفساد هذه الرياضة الجميلة وتحولها من لعبة تنشر المحبة والتسامح بين الشعوب إلى أداة لنشر الكراهية والصراع على المناصب وتبادل الاتهامات بالفساد والرشوة، وتقاضي عمولات بالملايين من أجل تنظيم البطولات، أو الحصول على حقوق البث التليفزيوني ، الذي تحول من حق متاح للجميع ، إلى سلعة مشفرة متاحة لمن يقدر على الدفع فقط .
ورغم تمكن السويسري سيب بلاتر من انتزاع فترة رئاسة خامسة في الانتخابات التي انتهت مؤخراً ونافسه خلالها الأمير الأردني علي بن الحسين ـ إلاّ أن الصراع داخل هذه المنظمة الرياضية بدأ ولا أظنه سينتهي، بعد انقلاب أوروبا، وأميركا الشمالية على بلاتر، وتوقيف أعضاء مهمين بـ”الفيفا” للتحقيق معهم في اتهامات بالفساد في أميركا وأوروبا، التي أعلن رئيس اتحادها القاري ميشيل بلاتيني الحرب على بلاتر ومنظمته، وساند الأمير الأردني في الانتخابات، ورغم الفوز المريح لبلاتر بفضل أصوات أفريقيا (54) صوتا، وآسيا (46) صوتاً، إلاّ أن هناك شكوكاً كبيرة في قدرته على إكمال فترته الانتخابية، بل هناك تهديدات أوروبية بالانسحاب من أنشطة “الفيفا” اعتراضاً على نجاح بلاتر، وهو أمر لم نعهده أو نسمع عنه من قبل في عالم الساحرة المستديرة.
وعرفت السياسة طريقها لأروقة “الفيفا”، فخرج بلاتر عقب فوزه ينتقد حملة الكراهية الأورو /أميركية ضده، وضد منظمته، وأعتبر أن اعتقال 7 من كبار المسؤولين بالفيفا في زيوريخ بموجب مذكرة توقيف أميركية بتهمة الفساد محاولة للتدخل السياسي في شأن رياضي وهو ما تُحرمه المواثيق الأوليمبية، واتهم أوروبا وأميركا بمحاولة إزاحته عن عرش الفيفا بدعمهم المرشح العربي في الانتخابات وأرجع ذلك لخسارة أميركا وانجلترا شرف تنظيم كأس العالم 2022م التي فازت بها قطر، وكانت سبباً في فتح أبواب جهنم على بلاتر والاتحاد الدولي لكرة القدم واتهامهم بتلقي هدايا ورشى لإسناد التنظيم للبلد الخليجي الصغير.
ووصل الأمر ببلاتر إلى الزعم أن وراء دعم الولايات المتحدة للأمير علي بن الحسين، هو العلاقة السياسية القوية التي تربط المملكة الأردنية بأميركا التي وصفها بأنها الراعي الأول للأردن موطن المنافس الوحيد، ونفى الاتهامات الموجهة لمساعديه بالفساد، وزعم أنها تأتي في إطار حملة تشويه وكراهية ضد شخصه رغم الإنجازات العظيمة التي حققها خلال سني حكمه للعبة من تطور فني وتقني ونشر للعبة لتمارسها شعوب 240 دولة على مستوى العالم، ومداخيل مالية تعدت المليارات.
وكشفت انتخابات “الفيفا” الواقع العربي الملتبس والانقسامات التي يشهدها الوسط الرياضي العربي، فرغم وجود مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب والذي عقد جلسة في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة قبل الانتخابات، وأصدر بياناً أعلن فيه دعمه لترشح الأمير علي بن الحسين لمنصب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وجدنا مواقف متباينة لممثلي الدول العربية في الانتخابات، فبعض الوفود العربية لم تكتف بإعلان تأييدها لبلاتر، بل شنت حملة تشويه ضد المرشح العربي وهناك اتحادات عربية، أيدت المرشح العربي في العلن، وأعطت بلاتر في صندوق التصويت، وربما هذا يفسر عدد الأصوات المتواضع الذي حصل عليه المرشح العربي، رغم دعم أوروبا وأميركا الشمالية، واستراليا.
واهم من يعتقد أن بلاتر يمكن أن يساعد أحد المرشحين العرب في الانتخابات المقبلة لخلافته في الجلوس على عرش الفيفا، أولاّ لأن بلاتر مراوغ وثعلب كبير لا وعد ولا عهد له، ثانياّ أن القوى المهيمنة على اللعبة في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، لن تسمح بذلك، وكلنا نتذكر كيف غدر بلاتر برئيس الاتحاد الآسيوي السابق الذي فكر في مزاحمته وترشيح نفسه في الانتخابات السابقة، ولم نسمع حينها صوتاً من أوروبا أو أميركا يقف مع المرشح العربي في محنته.
ويبدو أن الـ”فيفا” عصية على رياح التغيير، لأن المسيطرين على الاتحادات القارية أشد حرصاً من بلاتر على استمرار سياساته التي أثمرت تدفق نهر العوائد والأرباح على كبار المسؤولين عن اللعبة، وكلنا شاهدنا على شاشات التليفزيون الكاميروني عيسى حياتو رئيس الاتحاد الإفريقي وابتسامة النصر ترتسم على محياه ـ والذي لم نره يبتسم من قبل ـ وهو يقدم التهنئة لبلاتر ويدعوه لإلقاء كلمته، فحجم الأموال التي يجنيها الاتحاد الإفريقي بفضل سياسات بلاتر القائمة على تسويق وبيع وتحصيل العمولات عن كل ما يمت بصلة لكرة القدم، والتي بفضلها عرف الاتحاد الإفريقي طعم الملايين، بعد سنوات من الحرمان والفقر عندما كان يقبع في شقة صغيرة ملحقة بالاتحاد المصري لكرة القدم يدفع إيجارها وأجور الموظفين الحكومة المصرية.
والديكتاتورية واحتكار السلطة، أبرز سمات إدارة كرة القدم العالمية في العقود الأخيرة فالمناصب القيادية المهمة ظلت حكراً على شخصيات محددة، عرفت كيف تصل إلى الكرسي ولم ترغب في التنازل عنه تحت أي ظرف، ولم يخلعها منه سوى الموت، أو السجن وشبح الفضيحة، فقد سبق بلاتر على عرش الفيفا البرازيلي جواو هافيلانج الذي استمر حكمه قرابة ربع قرن واضطر للاستقالة بعدما واجه اتهامات بالرشوة والفساد كادت تودي به للسجن، وهو صاحب الفضل على بلاتر في تولي المنصب المرموق، وإن كان بلاتر غدر به بعد ذلك ورفض إعطاءه الرئاسة الشرفية للاتحاد التي سعى إليها رغم بلوغه سن الخامسة والتسعين.

إلى الأعلى