الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا مراجعة استراتيجية واشنطن في العراق؟

لماذا مراجعة استراتيجية واشنطن في العراق؟

كاظم الموسوي

” مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية قال إن الولايات المتحدة تعمل على “إعادة النظر”او مراجعة في استراتيجيتها في العراق، مؤكدا أن واشنطن ستساعد بغداد لاستعادة هذه المدينة في أسرع وقت ممكن. كذلك أعلن أن حكومته ستسلم القوات المسلّحة العراقية نحو ألف منظومة صواريخ مضادة للدروع. معترفا بأن سقوط كبرى مدن محافظة الأنبار، في 17/5/2015، بيد داعش، يعكس “وضعاً خطيراً جدا””
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحاول الإدارة الأميركية ووزارة حربها الإعلان عن أفكار تقول بأنها تراجع استراتيجيتها في العراق. المحاولة تتكرر كلما تُفضح خطط البنتاغون في العراق وتسقط في فشل لا يمكن التهرب منه، وتسبب في نهايتها خطرا جديدا وتشجع من لدنها على تنفيذ خطط أخرى أكثر تدميرا للشعب العراقي ووحدة بلاده. وأمر المراجعة يعري ما لا تريده الادارة علنا او تشجع عليه حفاظا على سمعتها والبنتاغون. وترد به على المتربصين بها، من داخلها او خارجها، لاسيما في فترة استعدادات لانتخابات رئاسية جديدة. وهي بكل ما تعلنه او تريده تجرب سيناريوهات متعددة. في الواقع هي، الإدارة، لديها هذه الخطط وقولها بالمراجعة هو اختصار عملي في التجريب للخطط العدوانية التي وضعتها. وفي الوقت نفسه تكشف التخبط والعنجهية في آن واحد لديها. كل فشل اميركي في العراق على اي صعيد، سياسي او عسكري، يثبت ارتكاب جريمة الغزو والاحتلال، بل ويؤكد عليها ولا يغيّر من الاهداف المرسومة لها. والادعاء بمراجعة الاستراتيجية هو محض اعادة تجريب لما هو مخطط وموضوع اساسا وقد يجري تبديل مسمياته للتمويه او للامعان فيه. هذه هي حقيقة الادعاءات بالمراجعة والهدف من تسريب مسمياتها.
مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية قال إن الولايات المتحدة تعمل على “إعادة النظر”او مراجعة في استراتيجيتها في العراق، مؤكدا أن واشنطن ستساعد بغداد لاستعادة هذه المدينة في أسرع وقت ممكن. كذلك أعلن أن حكومته ستسلم القوات المسلّحة العراقية نحو ألف منظومة صواريخ مضادة للدروع. معترفا بأن سقوط كبرى مدن محافظة الأنبار، في 17/5/2015، بيد داعش، يعكس “وضعاً خطيراً جدا”، لكن لا تمكن مقارنته بـ”انهيار الموصل” التي يسيطر عليها التنظيم منذ هجومه الصاعق، في يونيو 2014.
مثل هذه التصريحات لا تحتاج الى تفسير، حيث تعبر عن نفسها بكل وضوح. الاختلاف فقط في المصدر والجهة التي تصرح بها. وبمجملها تمهيد لغيرها من التأكيدات التي تسعى لامتصاص عواقب الكارثة الممتدة من تاريخ الجريمة الاميركية. وهو ما تكرر ايضا فيما أقرّت به مديرة العلاقات العامة في البيت الأبيض، جين بساكي، بالحاجة إلى تعديل الاستراتيجية المعتمدة في العراق لتتكيف أكثر مع تهديدات ما يسمى اعلاميا داعش!.
حاولت بساكي، في مقابلتها مع شبكةCNN ، ان تخفف ايضا من تصريحات وزير الحرب الاميركي حول ارادة القتال عند الجيش العراقي بان “العراقيين يبذلون جهدا في معركتهم ومستمرون بذلك”، مستدركة ” لكننا بحاجة لإجراء بعض التعديلات في استراتيجيتنا تماشيا مع مرور الوقت ونوعية التسليح المقدم للعراق”!. ومع انها أقرّت أيضا بوجود بعض المشاكل في أداء الجيش سابقا، مبينة أن هناك “حالات كر وفر في ساحات القتال”. لكن “القوات العراقية نجحت باسترجاع 25 في المئة من الأراضي التي كان يحتلها داعش”!.
يزيد على تلك التصريحات ما قالته المستشارة السياسية السابقة للجيش الأميركي في العراق، ايما سكاي، إن الدولة العراقية لا يمكنها العودة إلى النظام المركزي بعد اليوم، مفسرة الأسباب التي تدفع لعدم وجود رغبة لدى الجيش العراقي بالقتال، كما تفهم من مستشاريتها لجيش احتلال.
قالت سكاي لشبكة CNN: “إذا نظرنا إلى المستوى الذي تتزاحم فيه السياسات في العراق اليوم نرى مدى تأثير ذلك وانعكاسه على الجيش، لا يمكن الحصول على جيش وطني في الوقت الذي لا يتفق فيه السياسيون على هوية الدولة.. يمكنك تقديم كل ما تقدر عليه من الأسلحة لهذا الجيش ولكن هذا لن يؤثر على السيكولوجية والرغبة بالقتال لديه، وما يؤثر عليه هو الصراع السياسي في الدولة.” وكمستشارة فهي تعلن عن نفسها خبيرة ايضا في كل ما يتعلق بالعراق وتركيبته وقواه وتنهي قولها بما تردده وسائل الاعلام المشاركة في الحرب على العراق والمنطقة. وبالتأكيد لا تنتقد دور بلادها بواقع الحال في العراق والمنطقة، او لا تستطيع البوح به.
حول ما يمكن فعله في الوقت الحالي، قالت سكاي: “عند النظر إلى ما يجري في العراق ورؤية إيران أنها اللاعب الأكبر داخل العراق، نرى أننا لا يمكننا اللجوء إلى الأساليب القديمة ذاتها وتوقع نتائج مختلفة فهذا لن يحصل.. أفضل أمر يمكن القيام به هو أن تجتمع أميركا والسعودية وإيران وتركيا وتتفق على كيفية دحر “الدولة الإسلامية”، وكيف سيبدو عليه العراق ما بعد داعش.”!
يخلص المراقب للتصريحات وما حصل فعلا على الارض في العراق بأن الفشل الاميركي صارخ، فالإدارة الاميركية حين غزت العراق وأعلنت احتلاله قامت بتغييرات واسعة فيه، لم تكن من صلاحيتها كدولة احتلال، ولكنها تصرفت بعنجهية الاستعمار وغطرسة الامبراطورية ومارست دورا تخريبيا واسعا في تدمير المؤسسات العسكرية والمدنية، والاسلحة والمعدات، مما كشف عنه ما حصل في الموصل وغيرها، وابرز الى العلن مثالا ساطعا على الفشل الاميركي والسياسات الصهيوغربية في العراق والمنطقة. فجاءت الاعترافات الاميركية، العسكرية والمدنية، بنكسة وفشل وتخبط ودعوات الى اعادة النظر او المراجعة لاستراتيجية الخراب والدمار، لتؤكد على ما ارتكب وتم في العراق نموذجا.
لماذا المراجعة اذن؟. هل هو تسابق مع الزمن؟. ما سبق من اقوال يشير إليها ويبين ما بعدها أو بين سطورها. ان الجريمة مستمرة في كل الاحوال وهناك من يتخادم معها بكل صلافة. وهنا الكارثة الواقعية في بلاد مازالت تعاني من ويلاتها ولم تتمعن في دروس تاريخها ونضالات شعبها وحركته التحررية وقواه الوطنية ومآثر كفاحه الوطني ضد الاستعمار والتخلف والرجعية العربية. ولعل المراجعة الاميركية وما تسربه من خطط جهنمية للتفتيت والدمار والحروب وشلالات الدم، تنبه من تورط أو راهن أو نام على وعود وأوهام تحالفات وعواصف خراب ودمار واستهانة بقدرات الشعوب وإرادتها وخياراتها، داخل وخارج العراق والمنطقة.

إلى الأعلى