الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : ماذا لو ركزت على ما تعمل ؟!

رحاب : ماذا لو ركزت على ما تعمل ؟!

محمد بن سعيد شاب في الثلاثين من عمره، يمتلك حافلة صغيرة يعمل عليها سائقا في مؤسسة تعليمية. يغادر بيته عند آذان الفجر، فيصلي صلاة الفجر في المسجد القريب من بيته في منطقة عوقد الجنوبية، ثم يباشر يومه بالمرور على الطلاب والمعملين، وبعد أن ينتهي من نقل الطلاب النظاميين في الساعة السابعة تمام، يذهب إلى بيوت أخرى لنقل نساء من مناطق متفرقة في صلالة إلى مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وبعد أن ينتهي من ذلك يمارس عمله كمرشد سياحي ينقل المسافرين القادمين بحرا لزيارة معالم صلالة وبقية أنحاء محافظة ظفار. وفي المساء يقوم بنقل متدربات يتدربن في أحد المعاهد التدريبية، ثم يذهب إلى أحد المطاعم الشعبية ليشاهد مباريات كرة القدم مع أصحابه، وبما أن المطعم بجوار مسجد صغير بالقرب من فندق حمدان بصلاله، فإن محمدا يحرص على تأدية صلاة المغرب والعشاء جماعة في المسجد، ثم لا يترك مكانه في المسجد حتى يوتر وبعد ذلك يستأنف مشاهدة المباريات. محمد إنسان ملتزم، يحب المرح، ويحب الفلوس، ولكنه مع كل ذلك فهو صادق ومنضبط ومواظب جدا. أعرف محمدا من خلال عمله معي في مؤسسة تعليمية. لم أسجل عليه تأخيرا في أي يوم من الأيام، ولم يرتكب مخالفة مرورية منذ بدأ العمل، ولم يشك منه طالب أو معلم. وأعتقد أن السياح كذلك يحبونه وأن النساء اللاتي ينقلهن إلى مدرسة تحفيظ القرآن يحببنه وأن كل من يتعامل مع محمد سواء أكان كبيرا أو صغيرا متعلما أو غير متعلم، مواطن أو أجنبي، كلهم يحبون محمدا.
حظ محمد من التعليم المدرسي لا يتعدى الثانوية العامة، يحتفظ بعلاقات حميمة مع زملائه الذين كان يدرس معهم، وينتهز فرص سماعه لأخبار تخرج بعضهم أو مناسباتهم السعيدة الأخرى ويسارع إلى تهنئتهم ومشاركتهم افراحهم وأتراحهم. بهذه النظام يعيش الشاب محمد، أراقبه مستمتعا، وأستحضر صورته في عقلي عندما أرى أو أسمع شبابا يتذمرون من غياب فرص العمل، ويبحثون عن المصائب بدون أن تقع وينتقدون كثيرا ويعملون قليلا. تمنيت لو يقتنع مثل هؤلاء بالتدريب على يد الشاب محمد من خلال المحاكاة والنمذجة.. لماذا لا؟ فحياة هذا الشاب عبارة عن نجاح حي، يدير الوقت بفاعلية ويجسد الخيرية وسلامة الصدر بالممارسة والعمل بدون ضجيج أو إضاعة الوقت في القيل والقال وفي النقد دون فائدة.
تذكرت شابا في عمر محمد تقريبا، كان يشكو ويتذمر وينتقد. سألته: ماذا تعمل؟ فقال أعمل معلما. قلت كم ساعة تعطي لعملك لكي تتقنه؟ وكم ساعة تتذمر وتشكو؟ بالأمس كنت أصلي في مسجد في منطقة السعادة بصلالة وكان الإمام يتلو القرآن بصوت خاشع وبقراءة خالية من الأخطاء، فحسبت الإمام مواطنا؛ لكنني اكتشفت أنه الإمام الهندي الذي جاء منذ سنوات إلى هذا المسجد كمؤذن، ولم يكن يقرأ القرآن بهذه الجودة وبهذا الصوت الخاشع، اكتشفت أن الإمام الوافد كان منذ وصوله إلى صلاله قبل سنوات وهو يتعلم يوميا كيف يقرأ القرآن بالتجويد وكيف يتقن مخارج العربية ويتخلص من العجمة. ثم بدأ في حفظ القرآن وبعد ذلك تعهد نفسه يوميا يتدرب ويمارس حتى صار إماما فصيحا يقرأ القرآن مجودا بلا أخطاء وعلى وشك أن يكمل حفظ القرآن الكريم.
عندما تحدثك نفسك وتزين لك انتقاد الآخرين اسأل نفسك: هل أقوم بعملي كما يجب؟ لو كنت في مكان الشخص الذي أنتقده؛ فهل سأكون أفضل حالا منه؟!.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى