الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / قلعة صحار التاريخية .. بوابة عُمان الشمالية في سنوات الحروب في الأزمنة الغابرة
قلعة صحار التاريخية .. بوابة عُمان الشمالية في سنوات الحروب في الأزمنة الغابرة

قلعة صحار التاريخية .. بوابة عُمان الشمالية في سنوات الحروب في الأزمنة الغابرة

مسقط ـ العمانية:
عندما تشرق الشمس من بحر عمان، تخرج مغتسلة لعناق مدينة قدت من الجمال، أو قدّ الجمال من بين ثناياها، عندما تشرق الشمس تميل ظلال المدينة ناحية الغرب، فينتثر العبير في الأرجاء .. فلا يبقى جمال صحار وعظمة تاريخها، وهي الأقدم والأجمل بين المدن العمانية، رهن المساحة المجاورة للبحر، بل يمتد إلى ما هو أبعد .. شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، بل حتى صعودا ناحية الأفق الغربي.
هكذا تبدو صحار لمن عرفها سواء من سكانها او لمن ياتيها زائر او سائحا.وذروة سنام هذا الجمال في صحار قلعتها الشامخة، وهي الحصن الحصين لعمان في البوابة الشمالية في سنوات الحروب في الأزمنة الغابرة وبين حجراتها نشأت دولة البوسعيد على يد الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي.والقلعة تقع في مدينة صحار التي كانت مركزا لاستخراج وتصدير النحاس إلى دول العالم القديم ونسبة إليها سميت عمان قديما (مجان) والذي يعني جبل النحاس. كما أنها وبحكم موقعها على ساحل خليج عمان كانت تشكل ميناء عالميا يربط بين الموانئ الخليجية وموانئ الهند والصين، ويعتقد الكثيرون بأنها منشأ أسطورة السندباد. وقد ذكرها العديد من المؤرخين والجغرافيين على مدى العصور وأشادوا بأهميتها في كتبهم. كما أن عبد وجيفر ابني الجلندى (ملكي عمان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم) استقبلا رسوله إلى عمان عمرو بن العاص فيها. و تعتبر قلعة صحار أحد المعالم التاريخية البارزة في السلطنة و تعد من أهم القلاع والحصون في الباطنة نظرا لموقعها المتميز ودورها الكبير الذي لعبته طوال القرون الماضية ويرجع تاريخ بنائها إلى نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الميلادي، حيث توضح الحفريات الأثرية المكتشفة حول القلعة في عام (1980) بأن بناءها يرجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي في الطرف الجنوبي من المدينة وأن ” أمراء هرمز ” هم الذين قاموا ببنائها في عهد ملوك بني نبهان. وفي داخل قلعة صحار توجد عدة آبار للمياه الصالحة للشرب، كما تنتشر بها عدة أبراج كانت تستخدم للرصد والمراقبة والدفاع عن المدينة عند اللزوم. وفي الطابق الأرضي منها يوجد قبر السيد ثويني بن سعيد بن سلطان. وتشير آثار المبنى الأصلي الموجود في موقع القلعة الحالية إلى أن التحصين الأقدم كان مبنى مربع الشكل محاطا بجدران يصل ارتفاعها إلى 45م من جميع الجهات، وأنه كان مبنيا من الطوب المحروق وعليه طوب من الطين، كما كان لهذا التحصين برجان ضخمان عند طرفيه. وقد عثر على بقايا منازل يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر للميلاد تحت أساسات جدران القلعة الحالية بحسب ما أوردته الموسوعة
العمانية.ومن بين أبرز موجودات القلعة نفق يبلغ طوله 10 كم باتجاه الغرب كان يستخدم منفذا للدخول والخروج من القلعة أثناء الحصار في زمن الحروب باستخدام الخيول. عندما احتل البرتغاليون قلعة صحار كانت مبنى مربعا يميزه حاجز ومعقل عند كل زاوية، وقد وصف القائد البرتغالي الفونسو دو البوكيرك القلعة عام 1507 بأنها مربعة الشكل بها ستة أبراج تحيط بها كما يوجد برجان كبيران عند البوابة، وتحتوي على آبار عذبة وتتسع ل300 جندي وكان يطوقها جدار، ويوجد بها مساحة مفتوحة تمتد حتى البحر مخصصة للموكب والاستعراضات العسكرية. في عام 1621م أعاد القائد البرتغالي جواو دي سوزا بينل بناء القلعة، واستبدل الحجارة بالطوب القديم لتقوية المبنى، وأضيف لمبنى القلعة برجان عند الجهة المقابلة للبحر، وتم تقليص المسافة بين الجدار والقلعة من 150 إلى 70 م أي إلى أقل من النصف تقريبا. وكانت القلعة تحتاج إلى أكثر من ألف رجل لتأمين الحماية لها. وتظهر رسومات البرتغالي دي ريسنده التي تعود إلى عام 1635 المبنى بشكل مستطيل بجدران مبنية من الحجر السميك وأبراج عند كل زاوية من زوايا المبنى.بقيت القلعة في أيدي البرتغاليين حتى عام 1643 عندما حاصر الإمام ناصر بن مرشد اليعربي البلدة والقلعة وطرد البرتغاليين من صحار، وكان هذا الحدث التاريخي هو الخطوة الأولى لتحرير البلاد من الاحتلال البرتغالي. وبعد مضي قرن من استعادة القلعة من البرتغاليين أصبحت صحار مقرا للإمام أحمد بن سعيد البوسيعدي وقاعدته البحرية وشهد النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي تحولا مهما في تاريخ صحاروذلك خلال فترة حكم السيد سعيد بن سلطان حيث أمر بتنفذ تجديد جوهري للأساطيل العمانية التجارية والبحرية بهدف توسيع دولة عمان التجارية والدفاع عنها في منطقة المحيط الهندي حيث برزت صحار مرة أخرى كمركز ملاحي كبير. وحولت القلعة إلى متحف في عام 1993 يتناول الكثير من الجوانب الأثرية والتاريخية لمدينة صحار وغيرها من المواقع الأخرى في السلطنة كما تناول المتحف أهمية الدور الذي لعبته تجارة النحاس في هذه المدينة وعلاقتها مع مدينة كانتون في الصين، إضافة إلى عرض الكثير من القطع الأثرية التي عثر عليها أثناء التنقيبات الأثرية داخل القلعة وفي مواقع مختلفة من عمان. وتعرض محتويات المتحف في غرف القلعة، والتي تتوزع على أدوارها الثلاثة وباب القلعة الرئيسي يحمل على عتبته العلوية نقشا دون فيه اسم الإمام عزان بن قيس ويؤدي الى فناء واسع بالدور الأرضي ومنه توجد مداخل لعدد من الغرف حيث الغرفة الأولى وهي الموقع الذي خصص سابقا للغسيل والاستحمام، أما الغرفة الثانية، فقد عرض فيها بعض القطع الأثرية من ضمنها خنجر نحاسي وسوار وجدا في أحد القبور بالقرب من عبري ويعودان إلى الألف الثاني قبل الميلاد، كما تعرض فيها قطعة لسبيكة نحاسية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد وتزن 1700 جرام.إضافة إلى ذلك يوجد في هذه الغرفة من المتحف، معلومات تشير إلى حضارة صحار قبل التاريخ وهي فترة التكوينات الجيولوجية التي تعود لملايين السنين، وعلى جانب آخر من هذه الغرفة يوجد سرد لأسطورة الملك “جوديا” التي تتناول قصة الملك مع الحجارة المجلوبة من أرض مجان والذي أمر بعدها أن ينحت له تمثال من ذلك الحجر، والتمثال الذي تم نحته من هذا الحجر يعرض حاليا في متحف اللوفر في باريس. أما الغرفة الثالثة فيوجد فيها ضريح السيد ثويني بن سعيد بن سلطان الذي حكم خلال الفترة 1856 – 1866م. ويتناول تاريخ صحار الفترة ما قبل الإسلام وتاريخها القديم، كما يوجد فيها كذلك قطع فخارية تعود للقرنين الرابع والخامس الميلاديين وقطع من السيراميك المشكل وقطع لجرة مزخرفة تعود للقرن الخامس الميلادي وفي جانب آخر منها تعرض الخطوات التي يتم بها إنتاج الحرير من دودة القز .أما القاعة الثانية ففي غرفتها الأولى تعرض خارطة توضح طرق التجارة القديمة(طريق الحرير) والأسطورة المتعلقة بتجارة وإنتاج الحرير، كما تعرض بعض المسكوكات والعملات النقدية القديمة التي يعود أقدمها إلى القرن السادس الميلادي وبعضها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين وقد نقش عليها أسماء الأماكن التي سكت فيها ، وتعتبر هذه المسكوكات بمثابة دليل على الوضع التجاري
المزدهر في عمان، وخاصة مدينة صحار. كما يعرض في هذه الغرفة نموذج لخندق حفر عام 1986م لمعرفة تاريخ نشأة مدينة صحار، حيث أمكن قراءة تاريخ المدينة منذ الوقت الحاضر وحتى بداية تأسيسها على شكل طبقات متعاقبة.الغرفة الثانية : تعرض نسخة من نص رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم- إلى أهل عمان يدعوهم فيها للإسلام، وقد حمل الرسالة اثنان من الصحابة هما عمرو بن العاص السهمي وأبو زيد الأنصاري حيث قدما إلى عمان والتقيا بابني الجلندى ـ عبد وجيفرـ في صحار. كما تعرض وصف المقدسي لمدينة صحار في القرن العاشر الميلادي، وقصة وصول البرتغاليين إلى صحار بتاريخ 16 سبتمبر1507م بقيادة البوكيرك وحدود الدولة العمانية أثناء حكم اليعاربة والبوسعيد.الغرفة الثالثة: تعرض جانبا من احتفالات عُمان بالعيد الوطني الثاني والعشرين “عام الصناعة” الذي أقيم بمدينة صحار كما تعرض الوضع الذي كانت عليه القلعة عام 1960م و1980م ونماذج القنابل التقليدية القديمة التي استخدمها العمانيون في الحروب وبعض الأسلحة البرتغالية والترميم الذي جرى للقلعة عام 1992م.القاعة الثالثة: هي عبارة عن قاعة المحكمة القديمة، يطلــــق عليها ” البرزة ” وكان محدد للقاضي والوالي الاجتماع في هذه القاعة للقضاء في أول يوم سبت من كل شهر.ودخلت القلعة في السنوات الماضية مرحلة ترميم جديدة أعطتها حلة بهية. وقلعة صحار ببنائها الشامخ إلى يومنا هذا وتاريخها العريق ومتحفها الذي يزخر بالكثير من المقتنيات والمعلومات التاريخية القيمة تعد أحد أهم الوجهات السياحية التي يقصدها السياح من مختلف أرجاء السلطنة والدول الخليجية والأجنبية.

إلى الأعلى