الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنسان .. بين القتل والعدل

الإنسان .. بين القتل والعدل

علي عقلة عرسان

” إن الحاجة إلى استخدام القوة ينبغي أن تكون محكومة بالعدل والعقل والضمير، وبمصلحة البشر، التي يقررها عادلون، وليس من يضطرون العادلين إلى أن يأتمروا بأمر الفَجَرَة والظلمة ومن استهلكتهم شهوة الحكم وسلطة التسلط، فأتت على ما لديهم وما لدى من يحيط بهم من وعي وضمير وقيم ودين. ”
ــــــــــــــــــ

أينما توجهت تطالعك أخبار الموت: حرباً، قتلاً، حرقاً، غرَقاً، تعذيباً.. إلخ، أي الإمتة عبر الجريمة. وتلاحقك تأكيدات متعهدي القتل بالمزيد منه ومما يفضي إليه.. فتبقى في دوامة، هي دائرة مغلقة للقتل والرعب من القتل، والخوف من متعهديه، وأخباره، ونتائجه، وانعكاساته على الحياة والأحياء.
أخبار القتل والاقتتال تنثال من كل صوت تسمعه، أو سطر تقرأه.. ورائحة الموت قتلاً تلفك أينما تحركت، وتلقاك في أي مكان دخلت. ومذاق ذلك وانعكاساته وتبعاته على الناس وأمنهم ونفسياتهم وبيئتهم، تفقد معظم الخلق الذين يعيشون في أوساط يشيع فيها القتل والرعب، كلَّ طعم للحياة، بل وكلَّ مسوِّغ لها، لا سيما عند من يعيشونها تجدد مرارات، ويتجرعونها ذلاً في كل الأوقات.. وهم فوق ذلك كله يعانون من ممن يتزلفون ويزيفون ويتملقون ويتاجرون، فيقدمون القتل حياة أو مدخلاً للكريم منها، ويرشُّون سكراً على الموت/القتل، ويزينون الاقتتال للناس في كل وقت، ويلمعون الحرب الفاجرة تحت ألف ذريعة وسبب.. ليس تسليماً منهم بأن الموت حق، وأنه أمر الله الذي لا مرد له، والقبول بقدَره المقدور في هذا النوع من الأمور .. وإنما جعلاً منهم: للاقتتال الوحشي، والعدوان الهمجي، والفوضى المدمرة للأمن والعدل، ولتسميم العيش بالإرهاب والرعب والفتك والعذاب، وللظلم والقهر.. سُنَّة حياة، وقانون عيش، وطبع على الإنسان أن يتطبع به؟!، الأمر الذي يرمي إلى ترسيخ ” مشروعية” الجريمة/الحرب/القتل.. وإلى قتل الحياة ذاتها، والرغبة فيها.؟! وكل ذلك يتم استجابة لمتعهدي الحروب، والمستفيدين منها، وتعزيزاً لمواقف أساطين الاستبداد والتوحش ولمواقعهم، وتلميعاً لمن ينادون بالقتل والاقتتال، ويحثون الناس على الإقبال على ساحات الوغى في حروب ظالمة فاجرة، لتحقيق مصالح، أو لإرواء نهم للدم، وترسيخ لنهج فيه تغذية الاستبداد والاستعباد والظلم.. ذلك المتأتي عن كِبْرٍ وغلو، وادعاء فهم وعصمة، أو عن تحكم وحكم هما جاهلية الجهل. ولا يقود كل ذلك إلا إلى الفِتَن، وإغراق الخلق في المحن.. فتراهم يسيرون إلى حتوفهم “مكرهين، أو منومين، أو غواة، بغاة، آثمين، طامعين، طامحين”، يطيرون تيهاً برضا آمرهم، حالمين حتى برضا خالقهم.. يتوهمون أنهم ” الحق، والسيف المبصر العادل”.. فينشرون البغي والغي والموت/القتل، بنشوة.. كأنما هم في خُمار يطول.. وقد افتقدوا الوعي والمحاكمة السليمة، واندفعوا وراء مغنم أو بطولة أو نيل جنة موهومة.. مع افتقادهم لكل مسوِّغٍ لحرب عادلة.. هذا إذا كان ثمة من حرب تبدأ وتنتهي عادلة.؟! فمعظم الحروب ليست عادلة، وهي تزين نشوة فتك الإنسان بالإنسان، والنزوع إلى ممارسة الإجرام، مسبغة صفات على الفعل المنكر: “القتل، بغير حق ولا عدل.”.
ذلك الفعل الذي يقوم به، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ساسة تورموا وتجاوزوا الأخلاق وحقوق الله والإنسان، وزعماء لهم من الزعامة الانتفاخ الشامل عدا رؤوس الديوك على المزابل، وقادة مأمورون آمرون تعلموا أن الانتصار هدف وغاية يصغر معه كل هدف وقيمة وغاية، ومسؤولون عن شؤون الناس والحياة ضللوا أو ضلوا، فأضلوا.. وخلفهم وأمامهم وعلى جنوبهم وسائل إعلام، تدلق ما يرون ويريدون من فكر ورأي وقول وفعل، فيه من الخطل والخطر والوحشية والقتل ما فيه، تدلقه في حلوق الخلق، وتجعله بنكهة الشهد، وتصوره غاية الغايات، ومثلى النهايات، التي ينبغي أن تقترن بها حياة تتسم بالشجاعة وتنتج البطولات..؟! وهكذا تُقدم الأفعال الوحشية المتبادلة بين أبناء أمة ووطن وعقيدة وحضارة.. على أنها بطولات، وانتصارات، ونصراً لرسالات.. ويُقدَّم حتى الدمار الذي يطمر تحته أحياء بلا رحمة، لا يراهم الأحياء.. يُقَدَّم في باب البهيِّ من الأفعال والإنجازات، التي على الوطن والشعب والتاريخ أن يسجّلها ويحفظها ويخلدها ويقدمها للأجيال مفاخر، وعلى أنها أفضل ما تكون عليه أفعال الرجال؟! وأنها المشرَع والمشروع من أبواب تحقيق النصر، الذي هو، بنظر العدل الحق، وخلق من الخلق: القتل والذل والجريمة والقهر.؟!
ويذهب الذين يتبنون هذا النهج أو يؤيدونه، مذاهب شتى في تسويغ القيام به والدفاع عنه، بوصفه ما لا بديل له في حالات، وما لا بد منه في أخرى.. وأنه من طبائع الأحياء في الحياة، ومما تداوله تاريخ البشر، عبر الأزمنة وتداول الدول، فهو العمل الذي لا بد من القيام به حينما تكون هناك “ضرورات”. وهم يُدخلون في باب الضرورات: المصالح الحيوية ” وغالباً ما تكون خاصة”، والطموحات، والتوسع، واستشعار القوة الذاتية، أو استشعار ضعف الآخر وعجزه.. ويؤكدون على أهمية ذلك وضرورته ومشروعيته عندما يتعلق الأمر بتعزيز مكانة الدولة ” السلطة”، والقانون، والدفاع عن المجتمع. وهذه الذرائع الأخيرة تتضخم وتتورم عندما تصبح الدولة شخصاً، وعندما يتماهى الحاكم الوطن، والحاكم والشعب أو ارمة، وعندما يعلن أنه سيفٌ مبصرٌ مشرَعٌ لله، وبالله، ومن الله، وفي سبيل الله. وأنه عدلٌ إلاهيٌ يمشي على الأرض بقدمي حاكم، هو رجل لا كالرجال، ويرى أنه رب الأرباب.؟! فالأقوى هو “الأعلَم” والفارس المُعْلَم، حتى لو لم يخض عراكاً من أي نوع، وأنه القادر على فعل ما يعجز عن القيام فاقد الحيلة والقدرة على الفعل.
وحسب هذين “العرف والنهج”، ووفق هذه الأنماط طرائق التفكير والتدبير، ومن القياس على ما كان في غابر الزمان، والأخذ بإجماعٍ يُفرَض فرضاً لمصلحة تعرِض .. بهدف الإباحة والاستباحة.. فإننا لم نخرج، وربما لن نخرج، من بدائية الغابة، بمعنى الطبيعة البشرية البدائية، أو الوحشية كما يقال؛ إلا إلى غابة أخرى أقرب إلى ” الصناعية”، أو المصنّعة بدرجات من المهارة والتفنن والاتقان.. لكنها غابة المتوحشة بكل المباني والمعاني .. غابة بقي فيها الإنسان منطوياً على الوحش، حاملاً لقانون الغاب، مدركاً لفرص عليه أن يهتبلها، مقنّعاً بألف قناع وقناع، ومزوداً بأسلحة فتاكة، منها ما يقتُل بارصاص، وما يقتُل بالخديعة والقانون، وما يقتُل بالتقانة العالية، والكل يقتُل بالشر المتوطّن في أنفس هي بؤر للشر، عجزت الأديان الإلاهية والأفكار الإنسانية عن التخفيف من شراسة فتكها، وشدة توقد الحقد فيها.
إن الحاجة إلى استخدام القوة ينبغي أن تكون محكومة بالعدل والعقل والضمير، وبمصلحة البشر، التي يقررها عادلون، وليس من يضطرون العادلين إلى أن يأتمروا بأمر الفَجَرَة والظلمة ومن استهلكتهم شهوة الحكم وسلطة التسلط، فأتت على ما لديهم وما لدى من يحيط بهم من وعي وضمير وقيم ودين. نعم حدث في تاريخ كل الشعوب جور، وحدث أن تم التمرد على الجور.. ولكن كل ذلك كان مصحوباً بالقتل والفتك والقهر والبؤس، وبعدم احترام حق الحياة وحقوق الإنسان في الحياة.. ولهذا ينتصب السؤال عملاقاً حول عدالة البشر وجدوى التمرد، ونتائج الثورات.. حتى تلك التي لم يعقبها فساد واستبداد وطغيان فاق في حالات ما ثارت عليه من طغيان. لا أدعوا إلى حكم الفلاسفة، فجمهورية أفلاطون تبقى على الورق، ومن الأحلام المشروعة، سواء أكانت أحلام يقظة أم أحلام منام.. ولكن أقول بضرورة التمعن فيما يحدث باسم العدالة والحرية والإنسان، والسلطة والقانون وملوك الزمان.. حتى نصل إلى ما يخفف من مآسي البشر ومعاناتهم، وليس إلى ما يجعلهم يعيشون أو يتوهمون العيش في “يوتوبيا” هي فقد الموجود، وتأكيد فقود المفقود.. في أزمنة الحرب/الجنون، والتسلط المفتون، والاستبداد والاستلاب والرعب والإرهاب.. أزمنة الأغلال والقيود، والعزلة الاجتماعية، والقتل على الهوية، والفتن المذهبية والطائفية، والميتتات الجماعية غرقاً وقهراً، بحراً وبراً.. وأزمنة وسيطرة القوة العمياء، وأمراء الحرب وتجارها، وحروب الدول النووية والتكتلات الدولية الكبرى، عبر ممولين ومستهلكين للآسلحة، ومنفذين للأموامر.. أوامر من يحاربون بالوكالة ويستخدمون الأفراد والجماعات، الشعوب والمذهبيات، الدول والدويلات وكلاء وأدوات ووسطاء ودرجات للهيمنة على العالم، وإعادة تقاسمه ووضعه تحت الاستعمار المباشر وغير المباشر.
من أسف أقول إنه في كل العصور لُويت أعناق الحقائق، وزُيف الكثير من الوقائع، وحُبِّرت بالتشويه صفحات من التاريخ.. وأجبر أهل رأي وفقه وعلم على ما لا يمكن تصوره أو قبوله، في كل البلدان وفي ظل كل الأديان، فأحرق من أحرق، وعُذِّب حتى الموت من عُذّب، وسجن من سجن، وجُلد من جُلدو واضطهد من اضطهد.. فكانت طاعة كثيرة مثيرة وكان تمرد وتفرّد.. ولكن حكم القوة الظالمة، أو حكم الطغمة الحاكمة كان أقوى من أحكام الشرع، والعقل، والعلم، والبرهان، والقانون حيثما كان مستبد وقانون .. إلى أن أنضج الزمن من أنضج وما أنضج، وبقي في الحياة مما لم ينضج كثير. وفي معظم الأحوال سيطر النافذون على معظم الشؤون، سيطروا بالأمر أو بالقهر أو بالإغواء والإغراء، وكثيراً ما سيطروا بالقتل .. هذا إلا في حالات تُعد وتحصى، كان فرسانها ضحايا. حدث هذا في كل الدول والعهود كما أسلفت، ولم نكن نحن العرب والمسلمين استثناء من ذلك.. وحين نذكر ما حدث مع الأئمة الأربعة الكبار، ما نالهم، فإنما لنذكِّر بمخاطر الغلو والتزلف والافتراء والتغول، وبكل ما يجب ألا يتكرر.. وفي هذا السياق نذكر للاعتبار أن:
الإمام مالك، إمام دار الهجرة، ضربه جعفر بن سليمان والي المدينة المنورة، بسبب فتوى عدم جواز “طلاق المكرَه”. وهو أمر يتصل بموضوع البيعة، حيث كثيراً ما كان يُطلب ممن يبايع الخليفة، أن “يحلف بالطلاق”، حتى لا يتراجع عن البيعة. والحجاج هدد أنس بن مالك، خادم رسول الله ” ص”، والد الإمام مالك، وأساء إليه في الكوفة. وقد اشتكى لعبد الملك بن مروان من الحجاج، فأنصفه منه. – وأبو حنيفة النعمان سجن ومات في سجنة، أيام أبي جعفر المنصور. والشافعي، محمد بن إدريس، افتري عليه في موضوع التشيع ومناصرة الخارجين على إرادة الخليفة، وبرأه هارون الرشيد، أو قبل براءته.
الإمام أحمد بن حنبل ضُرب بأمر المعتصم، وتحت نظره، ٢٩ – ٣٣ سوطاً، في محنة خلق القرآن.
والإمام جعفر الصادق افتري عليه بأكثر مما يُحتمل، وقال من أرخوا للسلف في سيرهم: ” مَا كُذِبَ عَلَى أَحَدٍ مَا كُذِبَ عَلَى جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.”. حتى وصل الأمر إلى ” العصمة” التي لا تكون إلا لنبي، وإلى القول بأنه يشفع يوم القيامة؟! وقد قال تعالى في أمر الشفاعة:” أَطَّلَعَ الغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحمـنِ عَهدًا ﴿٧٨﴾ سورة مريم- الآية ٧٨، وجاء في الشفاعة:( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). وقوله:(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً). وقوله:(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). وقوله:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِه). وهي آيات لا تعطي هذا الحق إلا لمن يعطيه إياه الله، والعلم عند الله.
ولم تقف مثل هذه الأمور عند حد، حتى أنه قيل إن آل البيت أودعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً أو أمراً، مما نفاه علي ابن أي طالب كرم الله وجهه، إذ جاء فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ: ” قِيلَ لِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ تَرَكَ عِنْدَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا؟ وَفِي لَفْظٍ: هَلْ عَهِدَ إلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لِمَا يَعْهَدُهُ إلَى النَّاسِ؟ فَقَالَ : لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة: وَفِيهَا الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرِ”.
فماذا نقول اليوم، في زمن هو المحن، وكيف نخرج من فتنة ابتلينا بها، ونتخلص ممن يقتلوننا ليحررونا، وليحموا الوطن منا؟! إن ما يفعله فينا” أهل السلطات والمعارضات، أمراء الحرب وتجارها وساستها ومن وراءهم ..أصبح فيه موت الحياة، والحياة موتاً؟! ولا أجد ما أقول في هذا، حتى أنني لا أجد طعماً لأي قول، لأن كل الكلام لا يصف ولا ينصف حالة من تلك الحالات المأساوية التي تغرقنا فيها ويستغرقنا مدها وجزرها، وتلفنا بلاويها.. ولا يقدم أقل إيحاء بعمق المشاعر التي تنطوي عليها أفعال من هذه الأنواع.
وكم آلمني حتى مرجت النار قلبي، حين وقفت عند مشهد صارخ في صمته، يعبر عن بعض ما نلقى .. مشهد في صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي، فيه طفل في السادسة أو السابعة من العمر، يرسم بـ “الطبشور = الحُوَّار”، علي جزء من أرض شارع صورة لأمه “المقتولة، الشهيدة، الضحية.. إلخ”، يرسم ظلها لكي ينام في حضنها، وليستعيد في الشارع، بين خطوط الطباشير، دفئاً وحناناً افتقدهما في البشر ولا يمكن أن يغنيه عنهما وعن أمه بشر، يفعل ذلك ليهيئ حضناً يرتاح فيه، حيث نام هناك. استوقفتني الحياة في ذلك المشهد واستوقفني الموت.. استوقفتني الطفولة واستوقفني الرعب، واستوقفني التهجير والتشريد.. ولم أجد، من بعد الدوامة التي لفتني، أي معنى للكلام عن القتال، ولا للاقتتال تحت أي شعار، حين يدفع المستقبل،”الأطفال.. أطفالنا”، المتمثل في هذا الطفل وأمثاله، ثمناً فادحاً، ويخسرون خسارة لا تعوض.؟! لكن أكثر ما استثار غضبي، وأفقد كلماتي القدرة على الوصف هو وجود أشخاص يجبرون الآخرين على القتل/الموت، أو يقودونهم إلى ساحاته، ويجرعونهم كؤوسه، من أجل أن يبقوا فوق جثثهم، يتماهون مع الحق والعدل والله.. جل الله ويرتفعون سادة، نعم ” سادة، وقادة، وزعامات، ومنقذون، وأمراء حرب، وأوصياء وحتى.. حتى خونة وعملاء؟!”، والأدهى أنهم يفعلون بالناس ذلك تحت شعارات: الوطنية والحرية، الله والدين، الحقوق والواجبات، الحياة والإنسان، الأمن والاستقرار، رفع الظلم ونشر العدل، دفع الفوضى وهزيمة الإرهاب.. وباسم المذاهب والأئمة و.. و.. إلخ.؟! وكل ما يقومون به يفضي إلى شقاء الإنسان أو قتله، وهو ما نهى الله عنه.. ومن ثم يبطل القتلُ والبؤس واليأس، الذي يصنعونه وينشرونه، كل ما يتصل بالحياة والإنسان وسمو الأديان. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتخطاه إلى تشويه الوقائع، وقلب المشاهد، وإغراق الحقائق في خضم الأكاذيب والادعاءات، التي تُراكم افتراءً فوق افتراء.. فينبت في تلك الدِّمن فطرٌ سام هو سياسة البؤس والتعاسة، وفكر هو العدم بلا ندم، ومناخ عيش، وبيئة اجتماعية، ودواخل نفوس.. هي مستنقعات آسنة، ومستنبتات للشر.. تنتج ما يزيد حجم الشر والقتل والمعاناة.
عدو البشر هم البشر، ولكل وقت طعم، ولكل شخص اسم، ولكل فعل سبب ومسبب وتسبيب.. ولكن من تراه يشتري الخديعة ويستربح، ومن يأمن على نفسه وأهله ووطنه ودينه ويفرح.؟! ومن يتبين الإنسان في محنته بين القتل والعدل.. ومن.. ومن؟! ذلك ما لا أملك عليه دليلاً، ولا أجد إليه سبيلا، ولا أستطيع أن أجد لغيابه تأويلا.
والحمد لله على كل حال.

إلى الأعلى