الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. الطريق الساحلي الذي شتت كل شيء !!

رؤى .. الطريق الساحلي الذي شتت كل شيء !!

لم اشهد في حياتي (على الأقل في المحيط الذي اسكن فيه) مشروعا شتت بسوء تخطيطه كل شيء مثلما شهدته واقعا في مشروع طريق الباطنة الساحلي، كنت لا اود ان اطلق هذا الاتهام تعاطفا مع مشروع حكومي له ابعاده الاقتصادية ومردوده الإيجابي (كما خطط له)، ولكن في المقابل سوء الإعداد لهذا المشروع وإدارته وتنفيذه واقعا كان له الأثر السلبي في نفسية المواطن الذي يقطن على الشريط الساحلي للباطنة او بمعنى اكثر دقة “المتأثرين” من هذا المشروع سواء بالنسبة للبيوت المتأثرة بالطريق نفسه، أو المواقع الأخرى ومنها المزارع والمتأثرة بمناطق التعويضات للطريق لذلك كان لازما ان نضع التوازنات في التعاطف بين “الحكومة” و”المواطن”.
في الواقع و ـ كما يبدو ـ انه حينما بدأ التفكير جديا للبدء في تنفيذ هذا المشروع، لم يتم استشارة “المواطن” بتاتا سواء بشخوصهم أو ممثليهم في “مجلس الشورى” في كيفية الخروج بمنطق حيادي وسليم ومرض لتنفيذه بالطرق المثلى التي تضمن حقوق المواطن وتساهم في تسارع وتيرة تنفيذ هذا المشروع واقعا، ويبدو ذلك الأمر جليا سواء من الفترة الزمنية التي قضاها المشروع حتى اللحظة منذ العمل بالمرسوم السلطاني رقم (6/2005) الخاص بمشروع الطريق الساحلي بمحافظتي شمال وجنوب الباطنة بتاريخ 3 يناير 2005م، ومرورا بالمراحل العشوائية والتخبطات والإجراءات التي نالت من المواطن في الحصول على “حقه” من الأراضي التعويضية أولا، والمادية ثانيا، وانتهاء بالقرار الأخير الذي اصدره معالي الشيخ وزير الإسكان حول اعتماد آلية جديدة للتعويضات خلال المرحلة الثانية، والذي اشار إلى ان ما تبقى 4143 حالة لا تزال على قائمة الانتظار، وان ما تم انجازه خلال اكثر من عشر سنوات تعويض 3813 منزلا خلال السنوات الماضية تعويضا نقديا بالإضافة لقطعة أرض علما بأن هنالك مواطنين تم تعويضهم ماديا ولم يتم منحهم “قطعة الأرض المستحقة” حتى هذه اللحظة!!، وحسب المعطيات السابقة وبهذا الرقم فنحن بحاجة إلى عشر سنوات أخرى لتنفيذ ما تبقى من المشروع !!.
بدأ هذا المشروع (الذي تولت إدارته اللجنة العليا لتخطيط المدن الملغاة) اولا دون ان يخطط لرغبة المواطنين كلٍ في قريته، فحدد خيارين الأول “التعويض بمنزل” والثاني “التعويض المادي” ، لم يكن يعي المواطن (بمختلف المستويات) في القرى المتأثرة ابدا بآلية تلك الاختيارات، فأصبحت الاختيارات عشوائية والبعض آثر البيوت التعويضية معتقدا ان ما ستنفذه الجهة المختصة للمواطن يفوق التوقعات ـ ربما ـ ، والبعض آثر بالتعويض المادي معتقدا ان المبلغ الذي سيتم صرفه يبني قصرا على شاطئ يعتقد انه سيمنح أرضه فيه، وفي الواقع ان لا هذا ولا ذاك الذي حدث.
نعتقد ان النقطة الأساسية في تخبطات هذا المشروع هي عدم التشاور مع المواطن بشخصه او ممثليه، وهذا الأمر دعا إلى إعادة النظر مرارا وتكرارا في واقع التنفيذ والذي ـ بطبيعة الحال ـ يضاعف الموازنة ويثقل كاهل الدولة في تنفيذه على أرض الواقع، فمواقع الأراضي التعويضية التي صرفت للبشر خلال الفترة الماضية من المؤكد انها لن ترضي المواطن الآن، والمبالغ المادية التعويضية التي صرفت في السابق هي الأخرى لن تكون محل قبول الآن .. ماذا يعني هذا ؟!.
عشنا تجارب عدة في هذا المشروع سواء على المستوى الشخصي او على مستوى معايشة واقع الناس في الأماكن المخصصة للتعويضات، ولم اجد في يوما من الأيام ما استطيع ان اسميه تنظيما في آلية اخذ المواطن لـ “حقه”، ولم اجد ما يشي بمستقبل أفضل، لدرجة ان بعض الولايات تعتمد في تخليص اجراءات التعويضات على موظف واحد فقط، إن تواجد وتفضل بقبول معاملات الناس تم انجاز ثلاث معاملات بالورق وعشر معاملات (بالكلام)، وإن لم يقبل “اللقاء” فيتوقف كل شي، وإن خلد للإجازة السنوية تم الإعلان عن توقف المعاملات لتلك الولاية حتى بعد عودته للإجازة، وإن مرض توقفت المعاملات، ولكني لا اعلم في الواقع إن “مات” (وهي سنة الحياة) إلى اي مدى ستتوقف المعاملات؟!.
بدأت عملية التنظيم للمشروع ونحن ندرك ضخامته والجهد الذي يبذل من اجله بعد ان آل إلى “وزارة الإسكان” وشخصيا لا اعتبر هذا المآل جديدا كون ان موظفي “اللجنة الملغاة” سابقا هم على ارتباط وثيق بوزارة الإسكان ومعلوم لدى الجميع بأي درجة هذا “الارتباط”، كما ان “وزير الاسكان” هو نائب رئيس اللجنة الملغاة، بمعنى ان المشروع ومقتضياته وكل تفاصيله ليست بغريبة على الجهة التي تشرف على المشروع الآن، لذا كان قرار اعتماد الآلية الجديدة للمرحلة الثانية الذي صدر مؤخرا موفقا إلى حد ما وهو ما كان من الاجدى العمل به منذ انطلاقة المشروع، فكل الذي حدث في السابق شتت المواطن عن أهله وابعده عن جيرانه، وكبّد البعض خسائر مالية سواء في شراء اراض لبناء مسكن (وهو الأمر الذي لم تتنبه له الجهات المعنية حتى اللحظة وهو صرف مبلغ مادي للتعويض دون صرف الأرض)، وسواء للبناء نفسه والذي تتزايد “قيمته” يوما عن يوم وهو ما يفوق المبالغ التي تم صرفها للتعويضات، في حين ان الوحدات السكنية التي قامت الجهة المعنية ببنائها في مناطق المسافة بينها وبين المسكن الحالي لا تتناسب قطعيا مع رغبة المواطن في “المكان” ولا تتناسب والطبيعة الاجتماعية العمانية، وكأن الذي صمم هذه المنازل جاء من كوكب آخر ولا يمتلك اي دراية بالطبيعة العمانية، إضافة إلى تكبد المواطن خسائر توصيلات الخدمات (الماء والكهرباء) في حين ان اغلب المناطق التعويضية طينية ولا يوجد بها شوارع وبالتالي اي مطر وان كان خفيفا يعيق وصول المواطن لمنزله فتضطر مجموعة بالتشارك لردم طريق من “رمل الوادي” لإنقاذ الوضع في حين ان “الطرق” هذه نفسها هي اراض تم تعويضها اساسا لمواطنين آخرين وهذه إشكالية أخرى، ولو تم حفر تلك الاراضي للبناء سيكلف الأمر المواطن البحث عن طريق آخر بديل، وهذا الامر لم تهتم به بتاتا لا وزارة الاسكان ولا الجهات الحكومية الأخرى المعنية وهنالك العديد من الامثلة إن اراد المسؤولون الوقوف عليها.
القرار الآخر باستكمال بناء 2200 وحدة سكنية ( إن كانت بذات المواصفات السابقة) فهو في الواقع خطأ آخر ترتكبه الجهة المعنية بالامر، حيث نعتقد انه من الضروري إعادة النظر في التصاميم الداخلية للمنازل وتهيئتها بما يتناسب مع العيش في مجتمعنا العماني المحافظ (فليس من المنطق ان تشترك المجالس مع الصالات الداخلية بدورة مياه واحدة) !! وهذا مثال واحد، كما ان المخططات التي يتم فيها بناء المنازل البديلة الجاهزة ليست اهم هي الاخرى (في توفير الخدمات الأساسية لهذه المخططات من إنارة وطرق وصرف صحي ومياه وغيرها) من المخططات التي تم تعويض المواطنين الذين يرغبون ببناء منازلهم بأنفسهم .. من يتحمل هذا الأمر؟!
القرار الأخير برغم إشادتنا بأغلب محتوياته والتي هدفها في الحقيقة تحقيق رضا المواطن الا انه هو ايضا من الممكن ان يوقظ شعور بالظلم تجاه التعويضات المادية التي سبقت القرار ، ومن نفاد الاراضي التعويضية في منطقة “المواطن” الذي يفترض ان يمنح اياها ليتولى صاحب المنزل التعاقد مع المقاول وبناء مسكنه حسب تصوره ورغبته !! ، من المؤكد ان الوزارة ستصرف الأرض الأقرب من آخر أرض تم صرفها في المناطق المتأثرة بالتعويضات وهي في الواقع “بعيدة” بجيران آخرين!! الا اذا كانت هنالك آلية مخفية تعيد الحقوق ولا نعلم بها!!.
في القرار الأخير ايضا وضح بأنه يتم حاليا فرز الحالات المتأثرة، والتي آثرت في السابق تعويضها بمنزل جاهز، حيث ستحصل هذه الحالات على وحدة سكنية جاهزة من المنازل التي تم الانتهاء من تشييدها ضمن المرحلة الأولى ـ حسب رغبتها التي أبدتها في ذلك الوقت ـ .. ولكن ماذا عن الذين يرفضون قطعيا التعويض بالمنازل الجاهزة ـ وهم كُثر ـ نظرا لسوء تصميمها وبعدها عن مناطقهم وهو الوقت ذاته (من الذين ابدوا رغبتهم في الحصول عليها في ذلك الوقت) .. ما مصير من اراد التغيير، واين سيتم تعويضه؟
بالأمس تم تداول مقطع فيديو عبر وسائل التواصل لرجل مسن اصيب بحالة نفسية في موقع الانتظار بمكتب التعويضات في شمال الباطنة (الصغير المكتظ بالمراجعين)، وبغض النظر عن الكيفية التي تم تداولها الا ان الانهيار والحالة النفسية الصعبة التي يعايشها المواطن “المتأثر بالمشروع” منذ اكثر من عشر سنوات بين المراجعات غير المجدية والانتظارات الوهمية والحلول الصعبة باتت واقعا في نفس “المواطن”، لا نقول هذا الأمر الا ونحن ندرك بأن الوسائل جميعها ضاقت، نتمنى بالفعل جميعا انجاز هذا المشروع التنموي الجميل ولكننا يجب ان ننظر بعقل ونقرر من خلاصة التجارب السابقة (ونعترف بالأخطاء ونستفيد منها) القرار المناسب الذي يخدم الأطراف في هذا البلد الذي يستحق منا العمل بتفان وجدية ومسؤولية قبل كل شيء.

فيصل بن سعيد العلوي

إلى الأعلى