الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الثقافة والبربرية

الثقافة والبربرية

أ.د. محمد الدعمي

” إن الثقافة هي نقاء العقل وتثقيف السلوك تبعاً لذلك، شريطة أن يكون على النحو الذي يتمخض عن مجموعة قيم ومبادىء إنسانية سامية تمنع الإنسان عن الإقدام على قيم ومبادىء أقرب إلى مملكة المخلوقات الدنيا كالحيوانات، على الرغم من أن هناك نماذج من السلوكيات الحيوانية مما يثير الدهشة، بل والصدمة،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
كما يخضع الإنسان لقوتين متناقضتين تعتملان في دواخله، هما قوتا الخير والشر، تخضع المجتمعات لدفع قوتين متناقضتين على ذات المنوال، هما: قوة الثقافة وضغط البربرية. والفرق بين الثقافة والبربرية كبير للغاية كالفرق بين الخير والشر، وهما في حال من صراع متواصل، الأمر الذي يفسر بروز ظواهر متحضرة في مناسبات، وأخرى بربرية في مناسبات مختلفة.
وإذا كانت البربرية تحاول دائماً سحب المجتمع إلى أسفل سلم التمدن، أي إلى البدائية الأولى، أي إلى طور جمع القوت حيث تقود الغرائز والعواطف الأولية الإنسان والجماعة نحو سلوكيات حيوانية لا تأبه بالضوابط الأخلاقية أو الدينية أو بالكوابح الذاتية والإنسانية العامة، فان الثقافة تدفع دائماً نحو الرقي بالإنسان والجماعة إلى الأعالي وإلى أجواء الحياة الصافية والخالية من الصراعات الأولية أو البدائية كالصراع من أجل الغذاء والأمن الأولي وإشباع الغرائز البدائية.
إذا سئل المرء تحديد درجات ثقافات المجتمعات حسب هرم تصاعدي، فان عليه إعتماد المعايير المدرجة في أعلاه لتقييم وتقويم المجتمعات، ذلك أن الأمر لايمكن أن يتحدد بألفاظ معيارية فضفاضة تطلق على نحو متعام، من قبيل: الثقافات الكبيرة والثقافات الصغيرة، أو الثقافات المتقدمة والثقافات المتأخرة، من بين سواها من الألفاظ التي يميل العديد من كتابنا في العالم لعربي إلى توظيفها على نحو يفتقر إلى الجدل المقنع للمتابع. أما الإفتراض الذي يفيد بأن قوتي الثقافة والبربرية هما في حال من الصراع المتواصل، بين شد وجذب، وصعود ونزول، فانه يتجلى على نحو لا يقبل الشك عندما يهاجم الجمهور، في مجتمعات تعد متطورة ومتحضرة تقليدياً، المتاجر والأسواق والمنازل والممتلكات الخاصة بقصد النهب والسلب، وكأن العنصر البربري كان كامناً في جيب ما. وعلى الجانب المعاكس، يلاحظ المرء أن هناك الكثير من نماذج الفروسية والتضحية والإيثار وقصص المحبة والتعاطف التي تتبلور في مجتمعات غالباً ما تعد بأنها مجتمعات بدائية، مجتمعات تُخص بنظرة دونية، لأنها لم تزل غير قادرة على إستخدام الحاسوب، على سبيل المثال لا الحصر.
إن الثقافة هي نقاء العقل وتثقيف السلوك تبعاً لذلك، شريطة أن يكون على النحو الذي يتمخض عن مجموعة قيم ومباديء إنسانية سامية تمنع الإنسان عن الإقدام على قيم ومباديء أقرب إلى مملكة المخلوقات الدنيا كالحيوانات، على الرغم من أن هناك نماذج من السلوكيات الحيوانية مما يثير الدهشة، بل والصدمة، نظراً لإقترابها من سلوكيات الإنسان المتحضر والمثقف.
إن الثقافات لا تقاس باستخدام المبتكرات التقنية الحديثة او باستزراع ناطحات السحاب في قلب البرية، برغم عد هذه المبتكرات والصروح مؤشراً؛ وهي لا تقاس بما ينفق عليها من أموال وجهود من قبل أولي الأمر. هي تقاس بمؤشرات السلوك الفردي والجماعي، في نهاية المطاف: في اللحظة التي ينجرف بها المرء بـ”اللاوعي الجماعي ” البدائي، فانه يعود إلى طبائع أسلافه قبل التاريخ لأنه يغدو مطية الرغبات والوخزات والحاجات الأولية التي تعيده وأقرانه من المنجرفين بهذا الإتجاه البدائي نحو مهاوي هيمنة قوة العضلة على قوة العقل، ذلك أن هناك ثمة آصرة غير قابلة للفصم بين العقل والثقافة، من ناحية؛ وبين العضلة والبربرية، من الناحية الثانية. لابد للجدل أعلاه أن يقودنا إلى مسألة الحوارات والتلاقحات الثقافية بين أشكالها المختلفة.
إن رفض فكرة حوار ثقافي بين ساحلي البحر المتوسط الشمالي (أوروبا) والجنوبي (شمال أفريقيا) من قبل الجانب الأول تنطوي على مفارقات صادمة بالنسبة للنابه من العقول لدينا. الفرنسيون يدعون بأنهم لا يمكن أن يجلسوا الى دائرة مستديرة مع المثقفين من جانبنا (العربي/الإسلامي) لأنهم يزعمون باختلاف آليات التفكير، بيننا وبينهم، الأمر الذي يقود إلى ما أطلقوا عليه تعابير طريفة من نمط غياب “اللغة المشتركة”. أما نحن، في العالمين العربي والإسلامي، فنجيب عليهم باننا نملك مفاتيح المال والصناعة، أي مفاتيح تدوير إقتصاديات راس المال. وهم يقولون أن إمتلاك الثروات الطبيعية لا تؤهل المسلمين والعرب لعقد مؤتمر للـ”حوار الثقافي” على نحو ندي. بل أنهم يذهبون حد إقتراح أسماء العرب أو المسلمين الذين ينبغي أن ينوبوا عنا في مثل هذا الحوار، إن حدث بدعوى أن هذه الأسماء هي أسماء أفراد من خريجي مدارسهم وجامعاتهم، لذا فانها تفهم “لغتنا” وتتمكن من المثول أمام العقل الغربي والتعاطي معه للإضطلاع بمد قنوات الحوار والتلاقح الثقافي.

إلى الأعلى