الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل نحارب الإرهاب حقا؟

هل نحارب الإرهاب حقا؟

” إنما ندفن رؤوسنا في الرمال لو قلنا إنه ليس هناك صراع طائفي ـ ربما الدين منه براء وغالبية المسلمين غير مقتنعين به ـ في المنطقة بالفعل، وقد يكون تأجيل الاعتراف بذلك مقدمة لأن يلحق الحريق بثيابنا. وما حالة الإنكار تلك إلا عقبة في طريق اي علاج ناجع لإنقاذ ما يمكن انقاذه، فهذا تلفيق في التشخيص يقود بالضرورة إلى مشكلة في العلاج.”
ــــــــــــــــــــــــــ
تجعلك متابعة الأخبار اليومية في الآونة الأخيرة تظن أن “دولة الخلافة” التي أعلنتها التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق تكاد تكتمل أركانها ولم يبق إلا أن ترتب أمورها دون حدود صارمة استعدادا للتوسع (على طريقة الاحتلال الصهيوني في فلسطين). ولا يقتصر الأمر على سوريا والعراق، حيث يتمدد تنظيم داعش مضيفا مزيدا من الأراضي والمدن لمناطق نفوذه، بل إن جماعات فجر ليبيا بدأت تخلي مواقعها لداعش في الساحل والداخل الليبي. حتى في اليمن، التي ظل الإرهاب الأقوى فيها هو تنظيم القاعدة، بدأت جماعات مسلحة تبايع داعش. كما حلت داعش محل تنظيم القاعدة (أو على الأرجح هو تغيير أسماء، كما يحدث مع الشركات التي تغير أسماءها لاعتبارات اجرائية) في تبني تفجيرات في السعودية وتونس وغيرهما.
الخلاصة، أن تنظيمات الإرهاب ـ داعش، النصرة، أنصار هذا وذاك، القاعدة هنا وهناك، .. ـ تكاد تظلل خريطة المنطقة بكثافة عالية في مناطق صراع مسلح يغذيه تنافس اقليمي وبكثافة اقل في مناطق تشهد اضطرابات الجذر الأساسي فيها جميعا تقريبا هو “الإسلام السياسي” وسعيه للسلطة أو زيادة نصيبه منها. يوسع الإرهاب من نفوذه في الوقت الذي يوجد تحالف من نحو ستين دولة يحاربه، ولا توجد حكومة في العالم تقريبا لا تعلن انها “تحارب الإرهاب”. فهل يحارب العالم الإرهاب حقا؟ وكيف لبضع آلاف من المسلحين أن يهدموا دولا ويحتلوا مناطق ويسيطرون على موارد بينما العالم كله “يحاربهم”؟! يبدو أن الحرب على الإرهاب تعني بالنسبة لكثيرين فقط حماية حدودهم وان تطلب الأمر عملا عسكريا خارجها كاجراء وقائي، وبالنسبة للبعض الآخر حماية أنظمة حكم أو انفاذ استراتيجية مصالح. هناك حكاية قديمة عن “جحا والحريق” تكاد تكون توضيحا لحرب العالم على الإرهاب.
قال الناس: يا جحا، هناك حريق في قريتك، فرد جحا: طالما بعيد عن داري ما لي بالأمر. فقالوا: يا جحا، ها هو الحريق وصل إلى دارك، فقال جحا: طالما بعيد عن غرفتي ما لي بالأمر. فقالوا: يا جحا ها هو الحريق يصل غرفتك، فقال: طالما بعيد عن ثوبي ما لي بالأمر. وما لبث أن اشتعل الحريق في ثوبه فصار يجري والريح تزيد نيران ثوبه اشتعالا. هذا تقريبا هو موقفنا من الإرهاب، وما نرفع من شعارات الحرب عليه. ويصعب هنا تبرير ما يجري بالقول أن طرفا ما يداهن داعما للإرهاب خفية حتى يشوه الإسلام والمسلمين، والأنكى القول بأن مذهبا أو طائفة تدعم هذا الإرهاب وتسهل توسعه لوصم مذهب أو طائفة منافسة. وإلا فهناك من يمكن أن يحاجج بأن من يقولون هذا إنما يدعمون الإرهاب تحت ستار مواجهة منافسيهم عبر جماعات وتنظيمات بالوكالة ـ بالضبط كما توصف جماعات مغايرة بشن حروب بالوكالة لصالح طوائف ومذاهب ودول وكتل إقليمية.
إنما ندفن رؤوسنا في الرمال لو قلنا إنه ليس هناك صراع طائفي ـ ربما الدين منه براء وغالبية المسلمين غير مقتنعين به ـ في المنطقة بالفعل، وقد يكون تأجيل الاعتراف بذلك مقدمة لأن يلحق الحريق بثيابنا. وما حالة الإنكار تلك إلا عقبة في طريق اي علاج ناجع لإنقاذ ما يمكن انقاذه، فهذا تلفيق في التشخيص يقود بالضرورة إلى مشكلة في العلاج. وربما يدفعنا ذلك للتساؤل عما إذا كنا فعلا نريد علاجا ام أننا نستمرئ حالة المرض هذه. في الطب يعد التشخيص الصحيح مقدمة علاج أفضل للمريض، لذا يقولون مجازا “التشخيص نصف العلاج”. والتشخيص البسيط يبدأ بتاريخ الحالة: كل تلك الجماعات الإرهابية وسطها ويمينها إنما خرجت من عباءة واحدة هي الجماعات الأصولية والسلفية وتلك التي سعت لخلط الدين في السياسة وجذرها جماعة الإخوان. وفي تطور المرض، فان تلك الأصولية بتغلغلها في مجتمعاتنا لامست أفكارا أخرى متشددة ومتطرفة (تختلف أسماؤها من سلفية إلى جهادية) أدت إلى تضاعف مفعولها السلبي كما يحدث مع بعض الأدوية التي ينصح من يتناولها بتجنب أطعمة أو مشروبات معينة تزيد من تفاعلات الدواء.
الخلاصة أن العلة، بتاريخ الحالة وتطورات المرض، فينا وليست من خارجنا وأن هؤلاء الذين يقاتلون تحت الراية السوداء هم من أبناء وبنات مجتمعاتنا ـ حتى “الخواجات” منهم إنما نقلت لهم تلك النسخة المشوهة من دين الإسلام عبر مشايخ ومدعين من عندنا. في كل بلادنا، من المحيط إلى الخليج، هناك قطاعات معقولة من الناس قريبة في تفكيرها من القاعدة وداعش، ولم يكن المرء بانتظار حادث هنا أو هناك ليكتشف أن “الدواعش بيننا”. الأخطر حقا الآن هم الداعشيون الجدد، الذين يزايدون على داعش في التفكير والتفسير والتبريرـ وهؤلاء بالضبط كمن يقولون “أنا مش إخوان بس باحترمهم”. لدينا كثيرون ليسوا داعش (بمعنى الذبح والتدمير، ربما لأنهم لا يستطيعون) لكنهم أخطر لأن أفكارهم وآراءهم لا تختلف كثيرا عن داعش. ومثل هؤلاء يسهمون في أن تفرز مجتمعاتنا متطرفين على الناحية الأخرى ـ كغلاة العلمانيين الذين يريدون إزالة اي أثر للدين من حياة الملايين بالقانون والدستور ـ يلتقون مع الداعشيين الجدد في نهاية دائرة 360 درجة.

د.أحمد مصطفى
كاتب وصحفي مصري

إلى الأعلى