الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام
فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

البعض يخشى من حفظ القرآن خشية نسيانه للحديث الوارد من حفظ القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم، فهل هذا الحديث يشمل كل من حفظ آية ثم نسيها أم هناك معنى آخر؟
الحديث الشريف يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يعكف على القرآن، وألا يفرط فيه، فالقرآن كما أخبر النبي (صلى الله عليه وسلّم) عندما قال:(مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت). فصاحب القرآن إن أهمله بأن لم يبال به نسيه لأن القرآن الكريم يتفلت وهو أكثر تفلتاً من غيره، والله تبارك وتعالى جعله متشابهاً كما نرى آياته فيها التشابه الكثير، وما ذلك إلا لأجل أن يدأب الإنسان على تلاوته حتى يرتسم في ذاكرته باستمرار، فإن الإنسان إذا ما أهمله ولو مدة قصيرة التبس عليه فيما بعد بسبب تشابهه.
وإهمال القرآن وعدم تلاوته إنما هما من نسيانه الذي هو مترتب عليه الوعيد، ونحن نرى أن الله تبارك وتعالى يحكي عن الرسول (صلى الله عليه وسلّم) قوله: (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان ـ 30)، يجب على المؤمن ألا يهجره، فالحديث يدل على وجوب المحافظة على القرآن وعدم هجرانه بحال من الأحوال حتى يبقى في الذاكرة، هذا مع وجوب العمل به فإنه أيضاً من نسيانه وهو أخطر وأشد أن يترك الإنسان العمل به.
ولئن كان الله سبحانه وتعالى يقول في بني إسرائيل(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة ـ 5)، فإن هذه الأمة ينطبق عليها أكثر فأكثر هذا المثل ونحوه عندما تتوانى في العمل بما جاء به القرآن، ولئن كان الله تعالى يقول لأهل الكتاب:(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ) (المائدة ـ 68) ، فإن هذه الأمة ليست على شيء حتى تقيم القرآن، والله المستعان.

ما هي طريقة تدريس القرآن الكريم وحفظه وتعويد الأبناء على تطبيقه وعلى اكتشاف كنوزه على النحو الذي ذكرتموه قبل قليل ، ما هي الطريقة المثلى التي ترون أنها مناسبة في المراكز الصيفية؟

كتاب الله تبارك وتعالى حفظه أمر مهم، ولكن على أن لا يكون مجرد حفظ، وإنما حفظ مع الفهم مع الإدراك.
السلف الصالح ـ رضي الله تعالى عنهم ـ كانوا يحرصون على تعلم القرآن، ولكنهم بقدر ما يحرصون على تعلمه يحرصون على تطبيقه والعمل به كما جاء في حديث ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما أخبر عن مسلك أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلّم) في تعلم القرآن أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات عشر آيات من كتاب الله لا يغادرونها إلى ما بعدها إلا بعد أن يتقنوا ما فيها من العلم والعمل، أي يحرص أحدهم على أن يتعلم عشر آيات، ولكنه لا يغادرها إلى ما بعدها إلا بعدما يتقن حفظها ويعلم ما فيها ويعمل بها ويطبقها في حياته، يحرصون على تطبيق القرآن الكريم أيما حرص سواءً في مجال العبادات أو في مجال المعاملات أو في مجال الأخلاق أو في أي مجال من المجالات الاجتماعية والمجالات الحيوية بأسرها من غير أن يفرطوا في شئ.
هكذا كان مسلك السلف الصالح، فلو تعلم الناس القرآن على هذا النهج، وحرصوا على أن يدركوا رسالة القرآن ومسئولية الإنسان الذي تحمل أمانة هذا القرآن.
نحن أمة أكرمنا الله تبارك وتعالى بأن جعلنا ورثة للأمم السابقة في هداياتها وفي خيرها، جعلنا ورثة لمواريث النبوات المتقدمة بأسرها، فلذلك علينا أن ندرك مسئوليتنا، إنما نحن أمة مطالبة بأن نقوم بمسئولية الرسل السابقين جميعاً، الله تبارك وتعالى يقول:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران ـ 110)، وترون هنا كيف أن الله تبارك وتعالى بيّن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتصديرهما حتى على الإيمان بالله ، قدّمهما على الإيمان بالله، مع أنه لا يمكن أن يكون الأمر بالمعروف أمراً بالمعروف، ولا يمكن أن يكون النهي عن المنكر نهياً عن المنكر حتى يتقدمهما الإيمان ، ولكن هذا لأجل التأكيد على أهميتهما ، لأجل حفز الهمم من أجلهما ، لأجل التنبيه على أن التفريط فيهما تفريط في أهم ما يميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم.
فلذلك على كل من تعلم القرآن أن يدرك ذلك، وذلك لا يمكن إلا عندما يحرص أولاً على أن يأمر نفسه وينهى نفسه ، بحيث يكيف حياته كلها وفق تعاليم القرآن فلا يخرج في عباداته ولا في معاملاته ولا في أعماله الدنيوية ولا في علاقاته بالناس عن هداية القرآن وإرشاد القرآن، بهذا نكون قد أحرزنا الخير الكثير، وبهذا نكون قد هيأنا جيلاً للقيام بمسئولية الدعوة إلى الله كما فرض الله تعالى علينا عندما قال :(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران ـ 104) .
إنما هذا يتوقف كما قلت على الحرص على التكيف وفق مقتضيات القرآن الكريم مع الدقة في فهم القرآن. لا بد من تفجير هذه الطاقات التي أوجدها الله تبارك وتعالى في عقول البشر.

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة : أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

إلى الأعلى