الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (3 ـ 4)
القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (3 ـ 4)

القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (3 ـ 4)

قراءة في ندوة :”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

ـ الجزية ضريبة على غير المسلمين لقاء إعفائهم عن واجب الجهاد وفي مقابل الزكاة بالنسبة للمسلمين مع بعض الفروق

ـ الزكاة حق المال واجبة على كل من يملك الأموال موضع الزكاة رجلاً كان أو امرأة

ـ ليس هناك واجب مالي على غير مسلم فى دولة الإسلام إلا ويقابله واجب مالي على مسلم على نحو متوازن

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت أوراق عمل وبحوثاً هامة.
وضمن تلك البحوث والأوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان:(القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية) للباحث عبد العزيز العوضي.
يواصل الباحث في هذه الورقة حول التزام النصرة والمساعدة بقوله: التزام طاعة السلطان يرتب حقه عليهم فى النصرة والمساعدة، وذلك لتمكينه من ممارسة واجباته تحقيقا لمقاصد الشرع ومصالح المواطنين، وذلك لأنهما تمثلان المواقف الإيجابية حيث تبذل الأموال والأنفس، ويأتي التزام النصرة عند حدوث عدوان خارجي أو داخلي على النظام الشرعي أو المواطنين والوطن، ولصد العدوان الخارجي وجب على المسلمين الجهاد وجوبا كفائيا ما لم يدخل العدو أرضى المسلمين ويسيطر عليها وأصبح وجوبا عينيا عند دخولهم أرضينا، والمواطنون غير المسلمين يجوز لهم المشاركة الدفاعية فى الحالة الأولى ويبدو فى الحالة الثانية تفرض عليهم ذلك، وفاء بعدهم للحياة المشتركة مع المسلمين على وطن واحد، فالعدوان على الوطن عدوان عليهم وواجب النصرة من عدوان خارجي ثابت سواء أكان السلطان صالحا أم غير ذلك، لأن الخطر يهدد كيان الدولة والأمرة والدليل على هذا حديث الجهاد.
وقال: أما العدوان الداخلي فيتمثل في البغاة المنشقين على السلطة الشرعية والمحاربين، وإذا خرجت فئة من الأمة على النظام والجماعة برأيها تعين إقناعها وردها إلى ما عليه الجماعة وإن تعددت وخرجت عن الطاعة وكدرت صفو الأمن بقوتهم أو أرادت الاستيلاء على السلطة بغير الحق تعين القضاء عليهم، ووجب على الأمة الوقوف إلى جانب السلطان. يقول الماوردي:(فإن اعتزلت هذه الفئة الباغية أهل العدل وتحيزت بدار تميزت فيها عن مخالطة الجماعة، فإن لم تمتنع عن حق ولم تخرج عن طاعة لم يحاربوا ما أقاموا على الطاعة وتأدية الحقوق)، ومفهوم هذا، فإن خرجت عن الطاعة ولم تؤد الحقوق تعين محاربتهم، كما ان المساعدة المقصودة هنا تتمثل فى التزامات مادية ولما كانت ممارسة الدولة لمهامها مستهدفة صالح المواطنين فكان من حقها إشراك القادرين منهم فى تغطية التكاليف اللازمة لذلك، وهذه المساهمة المالية التى تتخذ صورة التكافل ستعود بدورها على جميع المواطنين فى شكل الخدمات العامة، وجزء منها عائد على المعوزين من المواطنين فى شكل دعم أو معونة مادية.
وقال: ومن موارد الدولة الإسلامية أو الأموال السلطانية ما هو مفروض على المواطنين بشكل دوري: وهو الزكاة والجزية والخراج، والضريبة التجارية. منها ما يلزم المواطنين المسلمين فقط، ومنها ما يلزم المواطنين غير المسلمين فحسب، ومنها ما يشترك فيه جميع المواطنين على أنه لا يلزم أن من ذلك إلا من بلغ قدر اليسار من المسلمين وغير المسلمين سواء، كما يراعي فى هذا الالتزام كمال من احتياجات مصارف الدولة وحالة أرباب الأموال، بما لا يعوق ولا يجحف بالتالى وتوضع فى الاعتبار أيضًا الالتزامات الأخرى، أما ما يخص المسلمين فهو الزكاة كمؤنة أموالهم المختلفة وهى: النقود من ذهب وفضة وما فى حكمها كعروض التجارة والسوائم من إبل وغنم وبقر، والمحاصيل الزراعية من مزروعات وثمار. وذلك عند اتصافها بالنماء، أو قابل للنماء أو معدلة، فتشترط فترة كافية لتقديره وهى حولان الحول، وفى الزروع يوم حصادها. ولا تجب الزكاة إلا إذا وصل صاحب المال حد الغنى أو اليسار بتحقق النصاب فى ماله مع إعفاء قدر لازم للاستهلاك الأساسي، لأن في إيجابها دون ذلك إعنات لنفس صاحب المال. ولذلك يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم):(الخازن الأمين الذي يؤدى ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين)، ويقول (عليه الصلاة والسلام):(لا صدقة إلا عن ظهر غنى)، ونصاب الأموال التي تجب فيها الزكاة تحدد بالنص، فلا مجال للاجتهاد وبذلك لا يشوبه هوى. نصاب الذهب عشرون ديناراً يساوى خمسة وثمانين جراماً، ونصاب الفضة مائتا درهم يساوى خمس مائة وخمسة وتعسين من الجرامات، وما في حكمها يقدر بمقدرها، وتخرج زكاتها ربع العشر أى 2.5٪ ونصاب السوائم: الإبل خمسة وزكاته شاة، والغنم أربعون مقدار الواجب فيه شاة. والبقر ثلاثون ومقدار الواجب فيه تبيع أى ماله سنة من البقر، ونصاب الثروة الزراعية خمسة أو ست أو سق يساوى حوالى ست مائة وثلاثة وخمسين كيلو جراماً، ومقدار الواجب العشر إذا سقيت بالمطر أى من غير تكلفة ونصف العشر إذا سقيت بآلة أو بتكلفة. أما مصارفها فمحددة هى الأخرى بالنص، وبما أن الزكاة حق المال فإنها واجبة على كل من يملك الأموال موضع الزكاة رجلاً كان أو امرأة، بالغاً كان أو صبياً، عاقلاً كان أو غير عاقل، صحيحاً كان أو معتلاً. فقد يدفع مواطن مسلم واحد للدولة زكاة أكثر من وعاء للزكاة تحقق لديه من شروطها. وجدير بالذكر أن هناك التزامات مالية أخرى تؤدى فرادى لمستحقيها من المواطنين، وهى زكاة الفطر، والكفارات، ولم يعف المسلمين جميع هذه الالتزامات المالية من وجوب الجهاد.
وحول موضوع الجزية قال الباحث: وهى ضريبة على رؤوس المواطنين غير المسلمين لقاء إعفائهم عن واجب الجهاد وفى مقابل الزكاة بالنسبة للمسلمين مع بعض الفروق. وهى كالزكاة لا تجب إلا على القادرين وفيما فضل من الحاجات الأساسية، بل كذلك لا تجب إلا على رجل عاقل حر، فلا تلزم المرأة ولا الصبى ولا المجنون ولا العبد، ولو كانوا ذوى الأموال. ولا تجب على الفقير ولا الرهبان ولا على شيخ كبير ولا زمن لأنهم ليسوا من المقاتلين، فنطاق الجزية أضيق من نطاق الزكاة، وهى كالزكاة تدفع مرة فى آخر الحول من السنة الهلالية إلا أن مقدراها غير منصوص عليه فتختلف حوله الآراء، وذهب أبو حنيفة إلى تصنيفه ثلاثة أصناف، ومنع الاجتهاد فيها: وهى اثنا عشرة ديناراً على الفقير وأربعة وعشرون ديناراً على المتوسط وثمانية وأربعون ديناراً على الغنى. ويرى مالك أن ذلك إلى اجتهاد الإمام مطلقاً سواء فى الأقل أو الأكثر، وعند الشافعى مقدرة الأقل بدينار واحد ويترك تقدير الأكثر إلى اجتهاد الولاة، وورد عن أحمد ثلاث روايات تتفق مع كل هذه الآراء، ويبدو أن الأولى بالأخذ هو رأى مالك حيث يمكن معه مراعاة حالات المواطنين غير المسلمين فى كل وقت من ناحية وحاجات الدولة من ناحية أخرى، ذلك أن آية الجزية من الآيات المدنية المنزلة فى وقت متأخر من عهد التشريع. وهو فى السنة التاسعة من الهجرة ولا تعارض بينها ويبن دستور المدنية لم ينص على جزية اليهود، فإن أحد بنوده نص على تعاون عسكري معهم للدفاع عن المدينة ضد أي عدوان خارجي، وهذا مما يسقط الجزية حتى بعد نزول تشريعها، وثبت خلال تاريخ أيضاً عن صلح. ثم إنه من المسلّم به أن على أى مواطن التزام مالى قبل دولته وليس على مال مسلم حق سوى الزكاة. وهى لا تشرع على المواطنين غير المسلمين وعليه فلابد أن يكون الواجب مالي في حقهم شيئاً آخر سوى الزكاة، نعم، إذا ثقلت على أسماعهم تسمية الجزية لا بأس من اختيار أى اسم آخر أكثر قبولاً لديهم. فالعبرة بالمسمى لا بالاسم. تماماً كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب فى شأن نصارى بنى تغلب حيث استبدل اسم الجزية بالصدقة مع قبولهم لتضعيفها عليهم إذ قالوا:(أما إذا لم تكن جزية كجزية الأعلاج فإنا نرضى ونحفظ ديننا).
موضحاً انه ومهما يكن من أمر فالحق أن هذا الالتزام (المالى من المواطنين غير المسلمين المعينين زهيد وبسيط وما أثير حوله الكلام إلى فى غياب نظام الإسلام السياسى من أرض الواقع وتوجس البعض من بوادر عودته إن عاجلاً أم آجلاً)، واعترف بهذه الحقيقة باحث مسيحي (سير توماس آرنولد) فى كتابه الشهير (الدعوة إلى الإسلام) حيث قال:(لكن هذه الجزية كانت من البساطة بحيث لم تكن تثقل كاهلهم وذلك إذا لاحظنا أنها أعفتهم من الخدمة العسكرية الإجبارية التى كانت مفروضة على إخوانهم من الرعايا المسلمين).
اما حول موضوع الخراج فقال الباحث: ان الخراج لغة: الإتاوة. واصطلاحاً هو ضريبة الأرض الزراعية التى يقر عليها غير المسلمين ابتداء، والأرض الزراعية نوعان باعتبار مبدأ فرض ضريبتها: ما كان فى بداية فرضها تحت يد مسلمة فهي أرض العشر حتى وإن تحولت فيما بعد إلى يد غير مسلمة. وما كان تحت يد غير مسلمة فى مبدأ فرضها فهي أرض الخراج حتى وإن تحولت فيما بعد إلى يد مسلمة. وعليه فالتزام المواطنين غير المسلمين بالخراج فى مقابل التزام المواطنين المسلمين بالعشر كالزكاة ثرواتهم الزراعية، وتقدير الخراج إلى الدولة. على أن تراعى هذه الأمور التي ذكرها الفقهاء:(اختلاف الأرضين، وذلك من أجل قصد العدل فى أهلها الشرب، ليعلم قدر ما تحمله الأرض من خراجها) وذلك من أجل قصد العدل فى أهلها سواء بالنسبة لخراج الوظيفة، أى الذي يضرب على مساحة معينة من الأرض وبقدر معين، أو خراج المقاسمة أى الذى يضرب حصة شائعة فيما يخرج من الأرض، وهذا هو المعنى الخاص للخراج، فقد يطلق على جميع موارد الدول الإسلامية كما أتضح فى عنوان كتاب القاضى (أبى يوسف) (الخراج) حيث يتناول جميع موارد الدولة.
وعن موضوع الضريبة التجارية قال: أول من وضع نظام الضريبة التجارية فى الدول الإسلامية عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) وذلك حينما كتب أبو موسى الأشعرى إلى عمر:(إن تجاراً من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر). فكتب إليه عمر:(خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر. ومن المسلمين من كل أربعين درهماً. وليس فيما دون المائتين شئ، فإذا كانت مائتين فيها خمسة دراهم وما زاد فبحسابه)، وهذا النظام معروف للآن فى عالم التجارة الخارجية، ولكن السؤال الذى يفرض نفسه: ما هو الوجه فى التمييز بين تاجر مسلم وغير مسلم من المواطنين فى النسبة المأخوذة من مال تجارة كل منهما؟ من الواضح أن نسبة ربع العشر المأخوذة من تاجر مسلم بمثابة زكاة عروض التجارة التى هى فى حكم النقدين. أما نصف العشر المأخوذ من تاجر غير مسلم أو ضعف ما أخذ من تاجر مسلم، فيبدو أن ما زاد على ربع العشر على المجتمع بالمصلحة. وهى زكاة الفطر والكفارات. كما أن هناك التزام الإنفاق فى سبيل الله أى تجهيز الجهاد عند اللزوم.
ومع ذلك يبدو أنه لا مانع من التسوية فى النسب المأخوذة من التجار المسلمين وغير المسلمين من المواطنين، لأن ما قرره سيدنا عمر (رضى الله عنه) وإن كان من المستساغ إتباعه. إلا أنه ليس نصاً دينياً يتعين إتباعه فى كل وقت ومكان. وبالخصوص إذا كان هناك اعتبار آخر مثل نص دستور الدولة على المساواة بين المواطنين أو أن الوضع الحالى يدعو إلى إبراز محاسن النظام الإسلامى وتفوقه على سائر النظم.
مؤكداً بقوله: ويستبين من العرض السابق أنه ليس هناك واجب مالى على مواطن غير مسلم فى دولة الإسلام إلا ويقابله واجب مالى على مواطن مسلم على نحو متوازن إن لم تكن نسبة ما على المواطن غير المسلم فى الجملة بأقل مما على المسلم، مع العلم بتعلق واجب حماية الوطن والمواطنين على كواهل المسلمين أنفسهم، وأداء هذه الالتزامات من المواطنين هو عين الإنصاف والامتناع منها عين الظلم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:(وكثيراً ما يقع الظلم من الولاة والرعية: هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب..).
وقال الباحث حول المبحث الثانى:(التشريع الإسلامى بخصوص أهل الكتاب): إذا كان الإسلام قد ندب إلى البر والعدل لمسالمى الكفار مهما كانت معتقداتهم، فإن الأمر بالنسبة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أكثر تأكيداً، لأنهم أقرب الناس مسافة إلى معتقدات المسلمين، بل من حيث الأصل أنهم قربى مع المسلمين يجمعهم رحم واحد، إلا أنهم خرجوا على هذا الأصل فيما بعد، ولكنه لا يمكن تناسيه، وفضل القرآن ـ المصدر الأول للإسلام ـ أن يسمى اليهود والنصارى أهل الكتاب أو بعبارة أخرى ذات معنى واحد، رغم شركهم وكفرهم وخروجهم على الكتاب نفسه، وفى هذا إكرام لهم ما ليس لغيرهم من الكفار. وإذا ذكر القرآن رسولهم وكتابهم ذكرهما بكل تقدير وإجلال، وانعكس هذا الموقف الكريم على المسلمين أجمعين، ذلك أن القرآن لم يفرق بين أحد من رسل الله جميعاً ولا بين الكتب المنزلة من عند الله تعالى، فالكل مادة إيمان المسلمين، ولا يكون المسلم مسلماً إلا إذا آمن كذلك بموسى والتوراة التى أنزلت معه، وآمن بعيسى والإنجيل الذى أنزل معه، ذلك المصطلح الخاص وهذا الموقف الكريم مما يميز أهل الكتاب من المشركين والملحدين اللادينيين، تمييزاً بين من سبق أن تلقى الوحي الإلهي وبين من يمليهم محض أهوائهم، وإن وجد الإسلام فى أهل الكتاب المعتقدات المخالفة للحق، ولكنها فى وضعها الأصلي مستمدة من منبع واحد، وبخصوص فرقة النصارى من أهل الكتاب، فإن وضعهم فى قلوب المسلمين أعمق وأقرب إلى مودتهم، لأنهم كذلك أقرب الناس مودة للذين آمنوا وأن رجال دينهم من لا يستكبرون.
.. للحديث بقية الأسبوع القادم

إلى الأعلى