الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في خطاب “ذكرى النكبة”!

في خطاب “ذكرى النكبة”!

جواد البشيتي

ذكرى نكبة، أو اغتصاب، فلسطين. وقبلها ذكرى تقسيم فلسطين, وقبلها ذكرى وعد بلفور المشؤوم.. بلفور الذي اعْتَدْنا أن نَلْعَنه ووعده، فكفانا الله شرَّ لَعْن أنفسنا، فنحن “الضحية”؛ أمَّا مأساتنا التي تَعْظُم سنويًّا فليست من صُنْع أيدينا في المقام الأوَّل، وقد يشتد قنوطنا ويَعْظُم، فَنَشْرَع، بَعْدَ أن نصنع بأيدينا “إسرائيل الكبرى”، نَرْجُم بلفور كما نَرْجُم إبليس!
سنويًّا، يغتنم أهل الفكر والقلم الفرصة، فيكتبون، متذكِّرين ومذكِّرين إنْ نفعت الذكرى، وهي لا تنفع إلا المؤمنين “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”.
كلام تمجه الأسماع، وما عاد يؤثِّر في العقول والقلوب؛ لأنه يقع على أسماع لا تشبه أسماع متكلميه.
الذكرى إنما هي في الأصل تجربة، والتجربة لا قيمة لها ولا أهمية تُذكر إن لم نخرج منها بما تستحق من دروس وعبر؛ ونحن حتى الآن لم نُظهر، في قولنا وعملنا، ما يؤكِّد ويُثبت أننا الأبناء الحقيقيون للتجربة الكبرى التي نسميها “نكبة فلسطين”، فميلنا إلى “القدرية”، تفسيرا وتعليلا، نراه في منتهى الوضوح في اتخاذ كلمة “نكبة” تسمية، أو وصفا، لهذا الذي حدث في فلسطين سنة 1948.
في تذكُّرنا وتذكيرنا، إنما أكدنا وأثبتنا أننا ما زلنا أبناء الوهم في انتمائنا إلى تلك التجربة، فلم نعللها، وإن عللناها لا نحسن التعليل، وكأن صناع النكبة ما زالوا فينا، يتحكمون في تفكيرنا، ويوجِّهون أبصارنا، ويمسكون بأقلامنا، حتى ننكب عن النطق بالحقيقة، ففي النكب عن الحقيقة، وعن النطق بها، تستمر “النكبة”، التي فيها من “الحاضر” أكثر كثيرا مما فيها من “الماضي”، فـ”النكبة”، التي تسمى “نكبة فلسطين”، أقرب إلى “المضارع” منها إلى “الماضي”.
اذكروا لي سببا واحدا من الأسباب الحقيقية التي أنتجت “نكبة فلسطين” حتى أقيم لكم الدليل على أن هذا السبب ما زال على قيد الحياة، يؤدي عمله على خير وجه؛ وقد ولد العشرات من أمثاله، فأسباب “نكبة فلسطين” إنما هي غيض من فيض الأسباب التي أنتجت، وتنتج، نكباتنا اليوم.
في “النكبة الصغرى”، أي “النكبة التي بدأت سنة 1948 ولم تنتهِ فصولًا بعد”، حدث الآتي: نشبت الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل، وجاء “جيش الإنقاذ العربي” ليقول للفلسطينيين: جئناكم لنقضي على الصهاينة ودولتهم، فاتركوا بيوتكم وقراكم، ولسوف تعودون إليها، بعد أيام، آمنين.. اتركوها حتى نؤدي مهمتنا على خير وجه، وحتى لا يصيبكم مكروه.
وخرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين ومعهم المفاتيح، فنصرة الدول العربية لهم كانت الوهم الكبير الذي لم يصدِّقوا أنه وهم إلا بعد فوات الأوان. وقاتلت الجيوش العربية وكأنها تقاتل من أجل صنع “نكبة فلسطين”، فالهُدَن والأوامر العسكرية لم تأتِ إلا لإنقاذ “الصهاينة” من هزيمة عسكرية مرجَّحة أو مؤكَّدة. والآن، لكم أن تقارنوا بين نكبتين: “نكبة فلسطين” تلك ونكبة الاعتراف العربي بأن لإسرائيل الحق في العيش في أمن وسلام حتى في الأرض الفلسطينية التي احتلتها في حرب 1948.
النكبة الثانية إنما هي خير دليل على أن أسباب النكبة الأولى قد زادت واتسعت وترسَّخت.
الذكرى تنفع “المؤمنين” الذين لن يتأكد إيمانهم ويظهر إلا إذا فهموا “نكبة فلسطين” وفسَّروها على أنها “إنجاز عربي” في المقام الأول، فالدهر العربي نكب فلسطين، فكانت “نكبة فلسطين”.
وعلى هؤلاء “المؤمنين” أن يكفروا بـ”سورة نكبة فلسطين” التي أنزلها علينا أرباب النكبة من أبناء جلدتنا، والذين لم يبدأوا عملهم في فلسطين لينهوه فيها، فعملهم ما زال مستمرا في فلسطين، وفي خارج فلسطين، فما الفرق، في المهمة والعمل، بين “جيش الإنقاذ” وبينهم؟!
ولو مرَّة واحدة فقط..
لو مرَّة واحدة فقط، رأيْنا الدول العربية، أو دولًا عربية، تُرْسِل “قوة عسكرية مشترَكة” إلى حيث يجب أن تُرْسِل، أي إلى حيث يَقَع إرسالها موقعًا حسنًا من نفوس العرب من الشعوب، لَقُلْنا، ولو على مضض، لكل “قوة عسكرية عربية مشترَكة” تُرْسِل، بعد ذلك، إلى حيث نَسْتَكْرِه إرسالها، “أهلًا وسهلًا”!
مرَّة واحدة فقط كانت كافية لتخرسنا إلى الأبد، ولتَجْعلنا نُحْسِن الظن كل مرَّة، ولو ذهبنا ضحية حُسْن ظنِّنا.
عودوا إلى تاريخ “القوى العسكرية العربية المشترَكة المُرْسَلة”، أو إلى الحروب الخارجية (أي الحروب في خارج حدود الوطن) التي شاركت فيها قوى عسكرية عربية، واسألوا “متى”، و”أين”، حتى تقفوا على الحقيقة، وترونها عاريةً من كل لبوس مُجمِّلٍ لها.
واليوم، نَنْظُرُ إلى “البوَّابة العربية” للسجن الإسرائيلي الكبير في قطاع غزة، أي إلى “معبر رفح”، فنقرأ فيها “إنْ لم تستحِ فافعل ما شئت”!
مليون ونصف المليون سجين فلسطيني، يحاصرهم، من كل حدب وصوب، الموت والدمار والجوع.. و”الأشقَّاء” العرب، لا يطمعون إلاَّ في شيء واحد هو الدواء والعلاج و”فُتات الموائد العربية”.. موائد الحُكَّام، والوزراء، وأثرياء العرب الذين يجوبون بلاد الغرب طولًا وعرضًا لعلَّهم يعثرون على كلب، أو قِطٍّ، يرفقون به، فإسرائيل لا تردع “إنسانيتهم” هناك؛ أمَّا الجياع والمرضى من أطفال غزة فلَهُم “دواوين الشِعْر (الركيك)” الصادرة عن القِمَم العربية!
طُلاَّب وتلاميذ غزة يطلبون العلم ولو في غزة. إنَّهم يوقدون ما بقي لديهم من شموع من أجل الدراسة والامتحانات. لا يرون حروف الكتاب؛ ولكنَّهم يرون، بفضل ضوء الشموع، بحيرات النفط العربية في جوارهم؛ ويرون بعضًا من هذا “الأسود” على هيئة خزائن قارونية (نسبةً إلى قارون لعنه الله)” ممتلئةً من “الورقة الخضراء”، وبعضًا منه على هيئة ترسانة، فيها من السلاح والذخيرة ما يكفي لـ”فتح” ألف أندلسٍ.
ليس من أُمَّةٍ على وجه الأرض، وعبر التاريخ، أعَدَّت ما استطاعت من قوَّة أكثر من أُمَّتنا؛ ومع ذلك فإنَّ أحدًا من أعداء الله وأعدائنا لم يُرْهب بهذه القوَّة، وكأنَّها ليست لنا، وليست ضدهم، ولو ظهرت على أنَّها في أيدينا!
اطلبوا كل شيء وأي شيء، ولكن لا تطلبوا سلاحا وذخيرة عبر الحدود، فلديكم، والحمد لله، من السلاح أفضله وأمضاه، وهو “سلاح الإيمان”، فلا تهابوا “جيش الدفاع”، وانتظروا طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، ولا تيأسوا إذا رأيتموهم يهدمون “الأقصى” ويبنون “الهيكل الثالث”، فإن للبيت ربا يحميه!
اطلبوا دعاءنا؛ ولكن لا تطلبوا سيوفنا، فسيوفنا من خشب ولو كانت أعلى من قاماتنا.. لن نبخل عليكم بمزيد من “أضعف الإيمان”، ولسوف ندعو أئمة الجوامع إلى أن يُكْثِروا، في هذا الوقت العصيب الذي تجتازون، من سؤال الله تعالى أن يهلك دولة اليهود ويمحق نسلهم ويبدد شملهم ويرمِل نساءهم ويجعلهن غنيمة لنا.. ولسوف نستمر في هذا الجهاد شاء من شاء وأبى من أبى؛ ولكن ينبغي لكم ألا تحوِّلوا الجهاد من فرض كفاية إلى فرض عين، فلا يكلّف الله نفسا إلا وسعها!
قلنا لكم: لقد أسمعتم لو ناديتم حيا؛ ولكن لا حياة لمن تنادي، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ها هنا قاعدون!
إنَّا ها هنا نتلو على مسامعكم “سورة العزاء”: لقد أبليتم بلاء حسنا .. ونحن لم ندخر جهدا، ولكن، أين الملايين؟!
نحن يوسف يا أبي..
إنَّهم عشرة ملايين فلسطيني، ثلاثة أرباعهم في “خُلْد المنافي” يعيشون؛ حياتهم كلها هي انتقال من تهجير إلى تهجير، فمن وطنهم هُجِّروا أوَّلًا، ثمَّ هُجِّروا، بـ”قوَّة الخوف منهم”، من “دنيا حقوق الإنسان”، ومن “دنيا حقوق المواطِن”، فهم بشر لا حقَّ لهم في التمتُّع بـ”حقوق الإنسان”؛ أمَّا “حقهم في العودة” إلى حيث كانوا فتلاشت “واقعيته” بـ”قوة منطق القوة”، وأصبح القول به قولا بـ”الوهم” و”الخرافة”، بحسب “منطق السياسة الواقعية”. وقد طُعِنَ هذا “الحق” بـ”خنجر بروتوس” إذ اتَّهموا اللاجئ الفلسطيني بأنَّه شُغِلَ بالخُلْدِ عن وطنه!

إلى الأعلى