الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: الأوطان والجيوش

كلمات: الأوطان والجيوش

زهير ماجد

بين الجيوش والأوطان أكثر من علاقة مصير، إنها حبل سري يشعر به الجيش اكثر من اي مواطن آخر .. كأنما يقول هذا الجيش لذاته ان الوطن ملك له، فتصبح لديه عقيدة ثانية: قبل الجيش هو مؤمن بأن الحياة لاغبار عليها، اثناء الجيش يصبح الموت اضافة حياة، سلاما نفسيا مؤكدا، اكبر من شعور ومن إحساس.
أتساءل كيف كانت الجيوش في الأزمان القديمة جدا، لباسها، اسلحتها، تجهيز طعامها، نومها، بمعنى كيف تتمكن آلاف الافراد من تأمين كل ذلك، حسبما قرأنا كانت بعض الجيوش موحدة الملابس ومشتقاته ولها اعلامها الخاصة واشاراتها الخاصة وطريقة حربها. هل كانت هنالك مصانع للسيوف والرماح، ومن اين كان تأمين الحديد، كما يقال ان الشعوب القديمة استعملت الحديد، كان الاشوريون قد استعملوه وغيرهم، ويقال ان الفلسطينيين أول من استعمله عند مجيئهم من بحر ايجة.
لاشك ان الحياة في تلك السنوات الغابرة كانت قائمة على الغزو، أول ماكان يتعلمه الطفل هو كيفية القتال، يتربى في مجتمع مقاتل منذ نعومة اظفاره، فتتكون لديه قناعة انه هدف للآخر، اذن عليه ان يقتله قبل ان يصل اليه .. لم تكن هنالك افكار اجتماعية تقوم على التربية، كان نظام الرعي اساس اللعبة لدى القبيلة او الجماعة.
وقبل ذلك كيف دافع الانسان الاول عن ذاته كي لاينقرض وهو من عاش في الكهوف والجبال لا لباس لديه، ولم يكن بعد قد اخترع النار التي احدثت انقلابا في الحياة البشرية عند اختراعها. كان شبيها بالحيوانات، يومه عبارة عن بحث عن الطعام، ولديه الوسائل البدائية التي يختارها من الطبيعة ايضا، هو ابن الطبيعة، ولذلك كان اختراع شخصية طرزان في الافلام الاجنبية التي شاهدناها ونحن اطفال وتأثرنا بها، فلقد كانت تلك الشخصية تعيش وسط الغابة الى جانب الحيوانات الأخرى، هنالك تفاهم بينه وبينها، الا انه كان الوحيد الذي يمشي على رجلين، في موازاة تلك التي تدب على اربع. لقد اخترعت تلك الشخصية ” الحيوانية ” للتأكيد بان الانسان ليس الا حيوان عاقل، هكذا بدأ، لكن عقله تفرد بالتفكير فوصل الى ماوصل اليه، وكل ذلك من اجل حياته، حتى الرصاص وادوات التدمير سخرها من اجل القضاء على الآخر حماية للذات ايضا، مع انه يتعرض دائما للمبدأ ذاته.
تطورت الجيوش مع الوقت، صار لها لباسها الخاص فمن كان يصنعه ومن كان يفصله، جيش كبير كجيش روما من اين له تلك الدروع الضخمة من اجل الحماية والخوذات التي تحمي الرأس والملابس الخاصة بالقتال والنعال التي استجدت ودخلت على مشروع الحرب ثم السيوف التي لها شكلها الخاص .. لاشك ان الأحصنة كانت بمثابة ادوات النقل آنذاك، لكن كما نعرف هنالك الآلاف الذين كان انتقالهم سيرا على الاقدام .. جيش الاسكندر الكبير غزا العالم، ولم يكن كله يمتطي الأحصنة، جله كان بدونها، ما لهذه القوة الجسدية كي تعبر آلاف الكيلومترات ثم تقاتل بدون راحة .. هي عبرة لأجيالنا، حيث يؤكد مؤرخون ان اجساد ذلك الزمان كانت اقوى ومدربة على المشي الطويل، ولكن التعب تعب، ولهذا السبب قرأت مرة ان العمر الافتراضي لانسان ذاك الزمان كان في حدود الاربعين، ومن يعمر الى الخمسين يقال انه دخل في الشيخوخة.
اما خوارق ذاك الزمان، فتلك الاوابد التي نراها اليوم وما زالت على قيمتها المعمارية .. عندما كنت أزور بعلبك في لبنان كان ينتابني السؤال التاريخي، كيف تمكن رجال ذاك الزمان والذين هم جيش بالضرورة من نقل تلك الصخور الضخمة لصناعة الاعمدة والاشكال الهندسية البديعة التي تنم عن فن كبير، بل كيف كان الفنان آنذاك يحدد الاشكال الهندسية التي تتلاءم ومقتضيات الطقس التخيلي للعبادة، لاشك ان مفهوم الدفاع عن النفس كان هو السائد، وبعدها اشكال التعبير الملاءمة للواقع الاجتماعي. عندما زرت مدينة البتراء في الاردن، لم اكن اتخيل كيف تمكن انسان ذاك الزمان الذي كان قبل المسيحية ان يتمكن من حفر الصخور لصناعة منزل صغير يأوي اليه فقط اثناء النوم، ثم تلك الافكار في عملية نقل المياه من النبع الى كل بيت محفور في الصخور، ثم مفهوم المصرف حيث مركز وضع المال الذي كان فنا خالصا ومميزا عن بقية الاشكال الهندسية الاخرى. وفي مصر يطرح السؤال لكل من شاهد الاهرامات مثلا عليه ان يتخيل كيف تم بناؤها وكيف نقلت تلك الصخور الضخمة والآلاف الذين ماتوا وهم يعملون في هذا الصرح الكبير .. وعندما كنت ازور النواويس (قبور من الصخور استعملها الفينيقيون) كنت اتساءل لماذا هذا التحرش بالطبيعة في وقت يمكن ان يكون الدفن طبيعيا في باطن الارض بدل اقتطاع الصخور ثم افراغها من محتوياتها الصخرية من اجل وضع الجثة بداخلها ثم اغلاقها بالصخر ايضا، وكلها مصنوعة بطريقة فنية لابد ان لها طقس عبادة محدد المفاهيم آنذاك.
الانسان ابن بيئته اذن، حين جاء الاسلام هذب الحياة وبسطها، حتى عندما بنى اول جامع اقامه الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، فكان عبارة عن مكان مسقوف بسعف النخيل، كانت القصة كلها ابعد من الشكل الذي ترامى لاحقا حين فكر الانسان بتخليد ذاته بنى مساجد لها طرز فينة قيمة، المسجد الاقصى، الجامع الاموي في دمشق، مسجد عقبة بن نافع في تونس، ومساجد كثيرة لها طابع زمانها، حتى كانت الطبعة الخاصة من المساجد في تركيا، ونراها مختلفة في الشرق الاقصى، وهكذا.
كل تلك الافكار المستحدثة، طبعت بطابعها الجيوش الاسلامية ايضا، عند الدخول الى اي متحف اسلامي سنرى على الطبيعة كيف كان لباس الجندي المسلم وكيف كانت السيوف حتى الدروع الحديدية وادوات القتال الأخرى، في وقت لم نكن لنعرف كيف كان العسس اي جهاز المخابرات الذي كان موجودا في وقته بل ومن خلال دراستي له كان متقدما جدا ولولاه لفقد المسلمون قدرتهم على النجاح في معارك عديدة. واذكر اني زرت قلاعا عديدة، شعرت خلالها بالرهبة من كونها عاشت كل زمانها بما ساد بداخلها، فكم سقط على احجارها قتيل او جريح، بل كم التقى الى جانبها حبيبان بعيدا عن اعين الناس، لو حاولنا تقشير الحجر لسمعنا همسات محفوظة بداخله، ولا شك ان كلمة السر كانت دائما الله اكبر، فقد كان لها معنى في ايامها غير ماصارت اليه اليوم من شعار يطلق بدون معنى.
لقد كان الجيش الاسلامي عبقريا ايضا بعدما صارت له العدة اللازمة لخوض حروبه الكثيرة، ومن اجل العقيدة الاسلامية كان المسلم يتحرك في اي اتجاه، اذكر مثلا ان القائد المسلم خالد بن الوليد كان متجها بجيشه الى العراق عندما امره الخليفة ابو بكر بالعودة لخوض حرب اليرموك التي كانت فاصلة مع الروم آنذاك والتي سجلت يومها عبقرية متقدمة للعقل العسكري الاسلامي وللخطط التي وضعها القائد خالد مقابل جيش صخم ومحترف انتصر عليه وهزمه وفتح الطريق الى المنطقة بأسرها.
كانت الجيوش تعبيرا عن عقيدة زمانها، ولهذا كانت معظم العقائد من اجل التوسع، حتى ان الحروب الصليبية التي زعم انها من اجل ايقاف التقدم الاسلامي، جاءت تحت شعار الرغبة في كنوز الشرق، في حين كان الجيش الاسلامي مدافعا عن عقيدته، وحين خطط صلاح الدين الايوبي لمعركة القدس، كان هدفه المدينة المقدسة فقط، وحين ربح المعركة، قام بترك الصليبيين كل وشأنه، اي انه عفا عنهم ولم يبطش بأحد من الحامية الموجودة في الداخل.
فهل يمكن تقبل فكرة تقول ان العالم العربي اليوم معرض لخسارة جيوشه بما يعني نهاية الوطن، ولتحقيق هذه الفكرة جاءت التجربة الاولى من العراق حين انهى الاميركي المحتل كل اشكال الأمن والجيش، ولم ينتبه العرب آنذاك من تلك المقدمة الخطيرة، بل لم يأخذوه بعين الاعتبار .. الى ان جاءت الاحداث الاخيرة التي سموها ربيعا فإذا بها بركان لن يهدأ له قرار الا بعد تحقيق ثورته.
وبمعنى استراتيجي، فان ماتتعرض له الأمة من هجمات على جيوشها، يراد له تحقيق واقع جديد ينهي الشكل القائم ليأخذ العرب الى حالة من الضعف والهوان اين منها وضعهم الذي كان، وبالتالي لابد من الاعتراف بأن الهم الاساسي لهذه المشروع يكمن وراءه مشروع اسرائيل برعاية اميركية يتم الخلاص من الجيوش العربية كافة وخصوصا السوري والعراقي والمصري والليبي، وقد تحقق منه العراقي والليبي، فيما ظل السوريون يقاتلون بلا هوادة من اجل الحفاظ على جيشهم العقائدي الوطني القومي، في حين تتعرض مصر لخضات يراد من ورائها الوصول ايضا لتفتيت هذا الجيش العملاق.
فهل يبقى قيمة لوطن ما اذا تم فرط جيشه .. الجواب البديهي يقول، ان الجيوش هي الأوطان، هي المناعة في الجسد البشري، هي المكون الذي يأمن المرء له مدى الحياة، الوطن بلا جيش عبارة مخيفة الابعاد لأن لاجواب عليها. الجيش رمز الاستقرار والطمأنينة والقوة والمناعة، القدرة على التفكير حول الغد وما بعده، وخصوصا في منطقة تقع على خط الزلازل السياسية والعسكرية كمنطقتنا لايمكن تقبل الفكرة ولا حتى مناقشتها، بل رفضها فورا.
لايليق بالوطن سوى جيشه، فهو حياته او اندثاره، وهو مجده او سقوطه، وهو الضمانة له على مر العمر .. فلا تاريخ بدون جيوش، ولا ماض بدونه، ولأن الحياة صراع فهو في مقدمته، وجوده مرهون بوجود وطنه، ان خسر سقط الوطن، وان ربح ارتفع الى عليين. فلا يمكن بالتالي حتى مجرد مناقشة الفكرة لأن فيها هدم لأوثق ماهو موجود في حياة الوطن.
وعمر الوطن من عمر جيشه، ومنذ القدم عندما يخسر الجيش معاركه، يتم الفتك بالوطن فإما يضمحل او يحتل او يباد، وكل ماعرفته البشرية في هذا المجال نتج إما عن الزلازل أو عن الحروب.

إلى الأعلى