الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الهروب الأوسلوي إلى “التدويل” و”الفيفا” أنموذجًا!

الهروب الأوسلوي إلى “التدويل” و”الفيفا” أنموذجًا!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

من مفارقات الراهن الفلسطيني أنه ربما كان من المستغرب فيه لو أن فضيحة “الفيفا” الأوسلوية لم تحدث. لسنا هنا بصدد فضائح الاتحاد الدولي لكرة القدم الأخرى. ما يعنينا هو ما يخصنا، أو الأوسلوستاني فحسب. ذلك أنه لو كان وفد السلطة قد أصر على مطلبه بطرد الكيان الصهيوني من عضوية هذه الهيئة الدولية، لكنا حقًّا أمام مستجد ربما مثله لو كان هو المستغرب…لماذا؟!
لأنه سوف يوهم ببعض من بدايات لخروج نسبي غير مسبوق على سياقات تنازلية ممتدة، ظلت هي المتبعة والمرافقة لكامل الحقبة الأوسلوية الكارثية ووسمتها. أي أنه لو حدث غير ما حدث في زيورخ، لكنا إزاء خطوة فارقة خالفت مسارًا برمته فخرجت عن نهج يتيم لا شريك له لدى منتهجيه أوصل الساحة الفلسطينية والقضية العربية في فلسطين إلى راهن ما هي عليه.
فلسطينيًّا، نكتفي بالقول، إنها الموجعة والتي زادت نكأً للجرح الفلسطيني الغائر. لكن الأدهى هو أن تداعياتها المعنوية سوف تظل إلى حين الصادمة والمحبطة والمخيِّبة لكل ما تيسر حتى الآن كونيًّا من متعاطفين ومؤيدين وداعمين لعدالة قضية عز من ينتصر لها حتى من قومها. نقصد تحديدًا، الفعاليات والجمعيات والهيئات والقوى الشعبية الدولية الحرة، لا سيما أولئك الذين احتشدوا وتظاهروا وواجهوا الشرطة خارج مؤتمر “الفيفا” مؤيدين مطلبًا تخلى عنه اصحابه!
ليس من الصعب تصوُّر ما سيلحق من ضرر بمثل هذا التأييد بعيد مثل هذا الخذلان لأولئك المتحمسين للدفاع عن حقوق يتخلى عنها المطالبون بها، وما سيخلِّفه بالتالي من أثر سلبي يطول زخم حماسهم فينعكس إضعافًا لما يرتجى من تأييد، أو ما تحقق حتى الآن من مظاهر تعاطف لا تكفي لكنما الفلسطينيون في أمس الحاجة إليه، بل هو الضربةً لما بدت تتصاعد من حملات مقاطعة للكيان الصهيوني قد لا نعدم بعدها أن نسمع ما كنا سمعناه من عرب نفض اليد من القضية المركزية للأمة في فلسطين، عندما تذرعوا بالجنوح الأوسلوي الذي شجَّعوه فأصابوا به من القضية مقتلًا، ليقولوا من ثم قولتهم الشهيرة: نحن لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين!
ما جرى في زيورخ أعادنا إلى موقف الأوسلويين من “تقرير جولدستون”، وذكَّرنا بحكايتهم مع قرار محكمة لاهاي المتعلق بالجدار التهويدي في الضفة، واستطرادًا، سر التلكؤ في اللجوء الفعلي لمحكمة الجنايات الدولية، وصولاً إلى إسهامهم موضوعيًّا في مستمر الحصار الإبادي الرهيب المضروب عربيًّا وصهيونيًّا على شعبهم المقاوم في قطاع غزة. هذا ناهيك عن ما ظللنا ننبه إليه في مقالات عديدة سابقة، من أن هروبهم إلى ما يدعونه “التدويل”، على سوءته، ما كان منهم إلا لانسداد مسارهم التفريطي، وهو إذ تنقصه الجدية يُلوَّح به لكن لا يُقدم عليه، لأن هدفهم منه هو استدرار سبل العودة لذات خيارهم الانتحاري الذي لا يرومون عنه بديلًا المفاوضات، ذلك لأنه، ورغم كونه لجوءًا إلى هيئة دولية أسهمت في اختلاق الكيان الصهيوني الغاصب على أنقاض الوطن الفلسطيني وشرَّعته وثبتته عبر اعترافها به، هو ممنوع عليهم من قبل رعاة مسيرتهم التسووية الأميركان، وما يعرف بـ”المانحين”، أو من يدفعون لهم رواتب موظفيهم، ومخصصات متقاعدي مناضليهم سابقًا، والمتعدد من أجهزتهم الدايتونية المنسِّقة مع الاحتلال.
بعد أن عقد أكثر من مؤتمر صحفي يؤكد فيه أن لا تراجع عن التصويت على طرد الكيان الصهيوني من “الفيفا”، وبينما كان المتظاهرون المؤيدون لهذا الطرد يحاصرون مقر المؤتمرين في الخارج، فاجأ اللواء الرجوب أغلب من هم في داخل المؤتمر وكل من هم في خارجه قائلًا: “استجابةً لمطالب زملاء في اتحادات كروية… أعلن سحب طلب فلسطين تعليق عضوية إسرائيل في فيفا”… فاستحق بذلك ساحب طلب شعبه استجابة منه لطلب زملائه من حماة المحتلين، ويا للعار، أن يخف إليه مغادرًا مكان جلوسه رئيس اتحاد الكرة الصهيوني ليصافحه شادًّا على يديه أمام الكاميرات ووسط تصفيق المؤتمرين”!!!
لاحقًا برر الأوسلويون فعلتهم بعذر هو عند الفلسطينيين وبسطاء الأمة أقبح من ذنب عندما رده الأمين العام لاتحاد كرة القدم في سلطة “أوسلوستان” بـ”حتى لا نتهم بتسييس الرياضة”! أما الرجوب فتعلل بما تلقاه من ضغوط دولية وعربية… الضغوط الدولية معروفة ومتوقعة سلفًا وحتى مفهومة، نظرًا لفهمنا لمواقع أصحابها من مجمل الصراع في بلادنا، وهي تأتي إما من مشارك في العدوانات الدائمة على الأمة، أو المتواطئ مع المعتدين، أو المنحاز جهارًا نهارًا لهم، والضغوط العربية أقل ما يقال فيها إنها مشينة ومخجلة وموجعة لأمة بأسرها، لكنما الاستجابة الرجوبية لكليهما فليست سوى العار بعينه…
لا أكثر من دلالة على فداحة ما اقترف في “الفيفا”، والذي هو قطعًا ليس قرارًا فرديًّا رجوبيًّا وإنما مركزي رئاسي، من التمعُّن في قول لرئيس اتحاد كرة القدم الصهيوني، عوفر عيني، “إن إسرائيل استجدت الدعم واضطرت لاستعطاف الأصدقاء والتضرُّع لهم كي يدعموها أمام الهجوم الفلسطيني”، الأمر الذي قاله نتنياهو فيما بعد بشكل آخر، وهو إن “جهدنا الدولي أثبت نفسه وقاد إلى فشل محاولات السلطة الفلسطينية إبعادنا عن الفيفا”، لتصف مري ريغيف وزيرة الرياضة مكرمة الرجوب هذه بـ”النصر الكبير… أما وزير المواصلات إسرائيل كاتس فدعا إلى اعتقاله…”، لكنما المفارقة ذات النكهة الأوسلوية بحق هي في مخاطبة الرجوب للمؤتمر: لقد “قررت سحب اقتراح الإيقاف لكن ذلك لا يعني توقفي عن المقاومة”!!!

إلى الأعلى