السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بئس حال يفضي إلى بؤس مآل

بئس حال يفضي إلى بؤس مآل

علي عقلة عرسان

في تصريحات القادة والمسؤولين والمقاتلين الكبار، مما تتناقله الأخبار، ويرتسم حضوره على أرض الواقع، وفي ميادين القتال، دمًا ودمارًا وإنذارات بالتقسيم وبمزيد من الذل والشقاء والعار.. أن آلافًا مؤلفة من المقاتلين المدربين، يرفدون أو سيرفدون أطراف الصراع في سوريا.. وأن الأسلحة النوعية لم تعد مشكلة كثير من الجهات المنخرطة في القتال على الأرض السورية.. وأن العزم معقود، من كل طرف، على أن ينتصر على الآخر، مهما كلفه ذلك.. لأن الحرب انتقلت إلى قضية وجود، بالمعنى الأدق للكلمة، حسب المراجع التي لكل من الأطراف. وتدور المعارك بضراوة بالغة في كل المواقع والجبهات في سوريا الوطن.. من الحدود مع تركيا إلى الحدود مع الأردن، ومن جبال القلمون وسلسلة جبال لبنان الشرقية والقلمون إلى الحسكة ودير الزور.. بما في ذلك تصفيات وتهجير مدني على أسس عرقية كما في مناطق من الحسكة، وعلى أسس طائفية ومذهبية كما هو الحال في أماكن من متعددة من سوريا.
من يتعاطون السياسة ويدمنونها ـ حتى بالإيحاء الذي تحمله كلمة التعاطي لدى أشقائنا المصريين ـ يتابعون تعاطيهم لها بانشراح وراحة، واستباحة لكل أنواع الاتهام والشتم والنواح، ويتناولون كل شيء، مما يباح ولا يباح، في دهاليز اللقاءات وقاعات الاجتماعات.. ومَن ينغمسون في الحرب/الكارثة، ويدمنون القتل، ويستثيرون الكراهية والحقد والرعب.. يتابعون القيام بأفعالهم تلك باندفاع متجدد، وعزم على تبديد الآخر الخصم، بكل الوسائل؟! ودهليز السياسة وقاعات الاجتماعات مثلها مثل غرف العمليات، يتتابع فيها تعاطي البؤس: “الفكري، العقائدي، السياسي، الدبلوماسي، الإعلامي.. إلخ”، من دون كلل ولا ملل ولا..، ويتجدد وهمُ الأمل بالقضاء على الآخر الخصم.. سياسيًّا ووجوديًّا..؟! والكل يقتل الكل، ويذهب الشعب والوطن والدين والقيم ضحايا لعبثية الحرب، التي غدت مذهبية ـ فتنوية ـ جنونية بامتياز.. وأصبحت فيها السياسة في خدمة الاقتتال المذهبي، والإرهاب الأعمى.. بقصور تام عن الرؤية، وعن القيام باستحقاقات المسؤولية الوطنية والقومية والدينية والأخلاقية والإنسانية، وانغمست، بل تسببت في الانغماس، في كل ما يضاعف اليأس.
لم نعد ننتظر، من الذين يغلقون على أنفسهم وعلى غيرهم منافذ الخروج من الكارثة، أن يخرجونا منها، ولا أن يخففوا من وقعها ومصابها وانتشارها وأشكال انفجارها علينا.. ومن باب أولى ألا ننتظر من أعداء بلدنا وشعبنا وأمتنا وديننا، أن يخرجونا من جهنم التي نصنعها بأيدينا، ونتزاحم على نارها، تزاحم الفراش على نار المصباح. ولكن، في الوقت ذاته، لم يعد بوسعنا السكوت، ونحن نحترق ونموت وننظر إلى الفتك الوحشي يكتسح كل شيء فينا وفيما حولنا.. ولا نستشعر جدوى الكلام، ونحن نعاني ازدواج المرارة تلو المرارة، من جراء الانصراف شبه الكلي عن وقع البلوى ومر الشكوى ومنطق الحكمة.. لأن الكلام مهما كان ومهما حمل من معانٍ، لا يمكنه أن يرتفع فوق صوت القنابل والصواريخ وأنواع الأسلحة الفتاكة الأخرى، وعلى رأسها سلاح الحقد الأعمى؟! ولا يجدي، من دعوة المقتتلين إلى تغيير زاوية الرؤية من قِبَل كل طرف منهم، ليرى ما يخفى عليه، أو ما يستجد ويبنى عليه مما يؤثر في قراراتهم وتوجهاتهم.
وقد أصبح في حكم العبث، دعوة الأطراف المعنية إلى الاحتكام لأية مؤسسات سياسية دولية، أو قواعد قانونية أو فقهية، أو إلى مرجعيات من أي نوع، فالكل يتهم الكل، ويرفض الكل، أو كل طرف على الأقل هو لا يثق إلا بمن يعجبه ولا يقبل إلا ما يعجبه ويحقق مطالبه.. وفي هذه البيئة الخلافية ـ القتالية ـ المذهبية.. كل يقول إنه “الحق”، وليس فقط إنه على حق.. وكل يشد لحاف السياسة ولحاف الدين إليه، ويرى الآخر خارجًا عليه ولا يستحقه بأي حال..؟! وربما في هذا المجال تصح دعوة الأطراف المعنية جميعها، رغم عسر الهضم المزمن لكل دعوات الصلح الروحي “والصلح خير”، ورفض التفاهم والتوافق والتعاون، وحتى الحوار وصولًا إلى شيء من ذلك.. وعلى أرضية ما يدور من اقتتال غدا مذهبيًّا فاقعًا، وتصفية حسابات تمتد من سقيفة بني ساعدة إلى سقائف المؤتمر الإسلامي، ومن وقعتي الجَمَل وصفّين إلى معارك المواقع السورية والعراقية عامة، وموقعتي القصير وجسر الشغور خاصة.. “وفي هذا كله ما فيه مما يبكي دمًا ويضحك ألمًا”.. في هذا المجال ربما تصح دعوة الأطراف جميعًا إلى التأمل في الآتي:
ما دمتم تتقاتلون على أيكم أكثر اتباعًا للإسلام وفهمًا له.. فلماذا لا تتسابقون في تطبيق أحكامه التي فيها إنقاذ الإنسان وتكريمه وتحريم إراقة دمه، بدلًا من إراقة دماء بعضكم بعضًا ودماء الأبرياء؟! وبهذا يثبت كل فريق منكم للآخر، وللأمتين العربية والإسلامية، وللعالم أجمع: أنه الأكثر إيمانًا وفهمًا للإسلام، وأنه الأقوى حجة ومنطقًا، فيتغلب على خصمه بالإرادة الخيّرة، وبالحسنى، وبقوة الإيمان وصدق العقيدة، والحرص على الأخلاق، والسلوك الذي يترجم رسالة الإسلام الروحية ويجسدها عمليًّا.. ومن ثم يكشف خصمه “عدوه؟!”، أو يحيِّده، أو يقنعه ويكسبه.. فإذا نجح في أن يجعل الآخر يرى الحق ولا يتبعه فإنه يثبت أنه ليس من الإسلام الصحيح في شيء، بحكم فعله المعبر عما استقر عليه عقله وقلبه، ويبرهن على أن كل ما يدعيه هو باطل، وقبض الريح. وإذا نجح في أن يجعله يرى الحق ويرتدع نسبيًّا عن الغلو والكبر، فتراجع عن الغي والشر، من دون أن يسلم لخصمه بتفوق ما مكابرة ومناكفة، فإنه إنما يكون قد حُيِّده، لجهة أنه لن يتابع القتال على الأقل.. وأما إذا كان نجح في أن يجعله يرى الحق ويتبعه، ففي ذلك تراجع عن باطل، وانتصار للحق، وعودة إلى الله والناس أهل الحق، وعودة إلى الوعي والإسلام وربما الإيمان بالمعنى الأعم الأعمق. وفي ذلك أيضًا حسنات لا تحصى لمن هداه، أو لمن أنار له طريق الهدى، وأظهر له الحق فاهتدى، وحبب إليه الإيمان.
لكن يظهر أننا نقتتل باسم الإسلام، وكل منا يطعن الإسلام في مقتل، ويدعي أنه إنما يفعل ذلك في سبيل الله ونصرةً لدين الله؟! ألا إن هذا ليس هو الخطل والخبل، وإنما ما هو أبعد من ذلك بكثير.. إنه انغلاق العقل والقلب، وعمى البصر والبصيرة.. وابتعاد تام عن نور الله وكتابه وسنة رسوله، ونبذٌ للنهج الإيماني ـ الحضاري ـ والإنساني، الذي يمكن أن يتبعه الإنسان العاقل العارف المتحضر التقي، ليبطل بالمنطق والعلم والفهم والسلوك، حجج غيره من الناس الذين يراهم ضالين مضلين، أو متخلفين غلاة، أو متوحشين بغاة.. أو يراهم أقل منه قدرة على فهم الأمور، وتدبر الأحكام، واتباع النهج القويم،، لبلوغ الغايات، بما يحفظ الإنسان ويعمق الإيمان.. بل ليثبت بالبرهان أنهم أنهم العجز عن تطوير أساليب العيش والتعايش.. ومن ثم فإنه، بناء على ذلك، هو المؤهل للقيادة والريادة، ولأن يقلده الناس أو يتبعونه بإحسان.. وبذلك يتابع مسيرة من قال فيه سبحانه وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160).. ويحرص في ذلك كله على أن يصون ما ينبغي أن يُصان من حيوات وقيم وأحكام، ولا يلجأ في أثناء السعي إلى بلوغ غاياته بصدق، إلى الخديعة والمكر، ولا إلى تحريف ما لا يجوز تحريفه، أو إلى تأويل ما لا يحتمل التأويل، وإلى لي عنق الكلام والمنطق ليلائم هواه ومنطقه.. اعتمادًا منه على حذلقة، وفذلكة، وسحر بيان، وضَرابة لسان.. ومن دون أن يعمَد إلى ضرب القرآن بعضه ببعض، مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال للذين تحاجوا بآيات من القرآن ضد آيات منه، في حديث مرفوع رقمه 288:
(حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ أَبُو هَاشِمٍ الطُّوسِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ, وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ, فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا, حَتَّى كَأَنَّمَا يُصَبُّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ, وَقَالَ: “لا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ, فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ إِلا أُوتُوا الْجَدَلَ, ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) سورة الزخرف آية 58 ”
وفي رواية أخرى قال: (أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا إنكم لستم مما ههنا في شيء انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه). لكن يبدو أن هذا المبتغى بعيد. ونحن منذ متابعاتنا الأولى للأزمة السورية، التي غدت كارثة وطنية وقومية وإنسانية، وفتنة مذهبية.. لم نقف على توجه صادق خالص مخلص نحو هذا الهدف، يجنب الوطن والأمة كارثة بهذا الحجم الرهيب، وما تنتجه الحرب من كوارث تتوالد، أو تنذر بالتوالد، في توسع مجنون للجنون.. الذي ينتج جماعات تلقى متعة في أن تفتك وتلغ في الدم والجرم، لتصبح الإرهاب والبغي.
ويدخل في باب المريب والعجيب أن يلقي الإنسان عقله وعلمه وفهمه في سلة المهملات، أو أن يغرق نفسه والآخرين في الدم والجُرم، توهمًا منه أنه العقل والإيمان والفضل، وأنه المكلف من الله سبحانه وتعالى بالنهي والأمر، في كل ما يجوز وما لا يجوز فيه الأمر والنهي، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.… ومن باب الغريب والعجيب أيضًا أن يرى شريك في الوجود والمصير، في صنوه الآخر الشريك، أن يرى فيه عدوًا لدودًا، وليس موضع ثقة، ولا صاحب نُهَى، وأنه ممن لا يجوز لهم، أو يجوز معهم، تداول وتعاون في أمر يهمهم المواطنين جميعًا، ويصلح لدنياهم، إذ نترك أمر دينهم لمولاهم؟! وأن يحكم على ذلك الشريك بأنه لا يفهم، ولن يفهم، إلا بمنطق القوة والاجتثاث.. وليس بمجرد قوة محكومة بالحق والعدل والقانون والشرع والدين، يُلوَّح بها لتردع وتضبط وتخيف، لا سيما مع من هم شركاء في الوطن والمواطَنة والقرار والمصير، وشركاء في الهوية الثقافية والقيم والدين، وفي ضريبة الدم عندما يكون عدوان؟! ومن عجب يضاف إلى ما في واقعنا المر من عجب، وإلى ما تنتجه حربنا الكريهة المدمرة من دمار وخسران وشقاء وإفلاس روحي ووصَب موجع غاية الوجع: أن اقتتال الفتك حتى الإبادة، والاستعداد لخوض حرب الفتنة الفادحة بهذه الضراوة، عبر زمن مفتوح وتكاليف لا تُحتمل.. من عجب أننا لم نشهد عشر معشار في المئة، لمثلها أو لقريب منها، مع العدو الصهيوني المحتل، الذي اغتصب أرضنا، وقتل شعبنا، وشرد منه من شرد وسجن من سجن وحاصر من حاصر، ودنس مقدساتنا، وناصب ثقافتنا وديننا ونبينا ووجودنا العداء، وما زال يمارس العدوان والحصار والتهديد والقتل والاضطهاد والإبادة المنهجية ضد شعبنا الفلسطيني.. من دون أن يلقى منا هذا النوع من المواجهات الطويلة الجذرية التي تحقق لنا هدفًا مشروعًا، هو تحرير الأرض وحماية الشعب، وهو مما تقره شرعة الأمم المتحدة، وشرعة حقوق الإنسان، وأعراف الشعوب وتقاليدها، ويقره كل ما يدخل في أبواب الدفاع عن النفس وعن الوجود والأرض والحق والمقدسات؟! أليس هذا أمرًا أعجب من عجيب، وما يزيده عُجبًا وغرابة، درجات ودرجات ودرجات، أن يتحالف بعضنا مع هذا العدو العنصري، ضد أمته ووطنه ودينه، وأن يرى فيه نصيرًا على ابن أمته ووطنه ودينه؟!
ألا بئس العقل المدبر في هكذا أمور، وبئست سياسات وقيادات لا ترى في العتمة، ولا في رأد الضحى وسطوع النور.. وبئست حرب لا تسفر إلا عن قتل أمة وثقافة وحضارة ودين.. وبئس حال يفضي إلى بؤس مآل.

إلى الأعلى