السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “الحارات العمانية القديمة” .. ثروة وطنية وإرث حضاري عماني عريق
“الحارات العمانية القديمة” .. ثروة وطنية وإرث حضاري عماني عريق

“الحارات العمانية القديمة” .. ثروة وطنية وإرث حضاري عماني عريق

“التراث والثقافة” حرصت على توثيقها وشرعت في ترميمها

تزخر سلطنة عمان بتراث معماري عريق، عراقة تاريخها. ويشكل هذا التراث المعماري، ثروة وطنية وإرثا حضاريا. وتعتبر الحارات العمانية القديمة ـ بما تضمه من بيوت قديمة وحصون وقلاع ومساجد ـ نماذج للمعمار العماني التقليدي، الذي أظهر براعة الإنسان العماني.
ولأهمية تجمعات هذه المباني التاريخية؛ فقد أولت وزارة التراث والثقافة اهتمامها في إعداد استراتيجية توثيقها، من حيث إعداد الإرشادات التفصيلية لآلية توثيق العمل الميداني، وإنتاج الرسومات التخطيطية لاستخدامها في الموقع، وتوفير الصور الجوية وتحضيرها للاستخدام في الموقع، وإعداد جداول ملائمة لإدخال البيانات في بعض المواقع المحددة والاستفادة من أعمال ميدانية سابقة في حارت عمانية أخرى، مع التركيز على حالة الحفظ، بإنشاء مخطط لمكونات الموقع ووحداته المعمارية، توضح أنواع المباني والتقسيمات المكانية، بالإضافة إلى إعداد استراتيجية للتعامل مع البيانات وحفظها في إرشادات العمل الميداني، وإعداد الخطة التفصيلية للعمل الميداني ومستلزمات التنفيذ.
وقد شرعت وزارة التراث والثقافة في ترميم بعض هذه الحارات العمانية القديمة، لحماية وتوثيق هذا الموروث العماني الأصيل، وتهيئته للاستفادة منه في تنشيط السياحة العمانية، التي تعتبر هذا الموروث المعماري، إحدى الركائز والدعائم التي تنمي الجانب السياحي وتعمل على تنشيطه.

“حارة فنجاء بولاية بدبد” .. تاريخ عتيق وطابع معماري مميز
تبعد حارة فنجاء حوالي 50 كيلومترا جنوب غرب العاصمة مسقط شمال محافظة الداخلية، في واحة فنجاء الخصبة، فوق هضبة صخرية مسورة ومحصنة تحصينا قويا. تتبع الحارة ولاية بدبد، وتعد الحارة الرئيسية في واحة فنجاء التي تتكون أيضا من الشرجة والتصوير وسيب وجبل الغبرة وطوي منصور ونطايل، وتتحكم بأحد أهم المنافذ إلى عمان على طول فجوة سمائل في جانبها المتجه للبحر. وإضافة إلى ذلك تحكمت فنجاء أيضا بالمنفذ المفضي إلى نبع الحمام الغربي، ذي المياه الحارة والذي يعتقد أنه السبب في الجودة العالية لأشجار النخيل في الواحة، ولا تزال هذه الأشجار تحظى برعاية كبيرة من السكان المحليين. كان هذا الحمام يروي بساتين النخيل المزارع الواقعة إلى الغرب من وادي فنجاء، في حين تروي المناطق الخضراء في الضفاف الشرقية أساسا بالمياه السطحية القادمة من الوادي نفسه، والآبار والفلج الثانوي من سفوح الجبال المحيطة.
تحتل حارة فنجاء نتوءا صخريا طويلا يمتد على نحو شبه مباشر من الشمال إلى الجنوب، ولكن يبدو أن نصفه الشمالي فقط هو الذي كان مأهولا بصفة مستمرة، إذ أن الجزء الجنوبي شديد الانحدار. ولهذا السبب فقد شكل نقطة الرصد والمراقبة الأساسية للحارة، يعززها برجان يطلان على المنظر الطبيعي الممتد والطرق القادمة من الجنوب، أي من داخل عمان .
ورغم قرب الحارة النسبي من بدبد (المركز الأكبر والأغنى) فقد أضفى الموقع الاستراتيجي للواحة أهمية بخطوط التجارة في شمال عمان، ويحتمل أن تكوينها الدفاعي القوي والتحصينات الشديدة على طول منطقة ضيقة في الطريق قد أكسب سكانها ثقلا سياسيا في رسم المنطقة.
ثمة تجمعات سكانية أخرى أصغر من الحارة تتناثر على طول ضفاف الوادي، في المشاريع التنموية الحديثة التي برزت خلال العقود الأخيرة. وهناك عدد من التجمعات السكانية في أسفل هضبة الحارة لا تزال قائمة ومأهولة. بالإضافة إلى إنشاء الشارع العام الحديث الذي يربط بين المناطق الساحلية والعاصمة وبين الداخل له تأثير جائر على مظهر الواحة.
وعلى الرغم المصادر الدقيقة أو البيانات الأثرية الموثوقة، إلا أنه ربما يمكن افتراض تاريخ عتيق لحارة فنجاء، إذ يزعم السكان المحليون أن تاريخ الحارة يعود إلى الفترة الفارسية، أو حتى أقدم من ذلك. وبالأخذ بعين الاعتبار قدم العديد من المستوطنات المحلية في عمان وتوفر الماء في المنطقة، فإنه من المرجح وجود جماعات ما قبل التاريخ من عصور “حفيت” و”أم النار” في هذه المنطقة.
واحة فنجاء وسكانها يبرز عنصرا واحد من العناصر التي تعرق بها المنطقة وهو احتفال العزوة الذي يقام في العيدين. وتتألف احتفالات العزوة بشكل أساسي من أعداد كبيرة من الرجال والصبية من القرى المجاورة يتجمعون في حارة فنجاء، ويشكلون أربعة مواكب على مواضع مختلفة من الواحة تلتقي عند البوابة الغربية للحارة، ويصاحب هذه الاحتفالات مسابقات في الرماية، ومبارزة بالسيف والرقص وإنشاد الشعر وإطلاق القذائف من مدافع فنجاء القديمة. تؤرخ أصول العزوة إلى القرن الثامن الميلادي، وبسبب من التداخل الديني في عمان تشير الى تاريخ العزوة إلى فترة ما قبل الإسلام.
المصدر الرئيسي للماء في حارة فنجاء هو الفلج المعروف باسم الحمام الغربي لسخونة مائه، ينبع هذا الفلج من سفح الجبل .
تتسم حارة فنجاء بطابعها المتواضع في معمارها السكني، إذ تتألف معظم المنازل من طابق واحد ولا تبدي أي علامات على الثراء على غرار بهلاء أو منح أو نزوى .
إن حارة فنجاء محمية أساسا بتضاريسها المنحدرة والجرف الذي تقع فوقه. ومن العناصر الأساسية لبنية فنجاء الدفاعية تلك الأبراج الكثيرة التي توجت أطراف هضبة الحارة وقممها. وتتراوح هذه الأبراج في أنواعها ما بين مراكز مراقبة ومنصات لإطلاق نيران المدافع والبنادق والمعاقل ذات الجدران السميكة. وأغلب هذه الأبراج مبنية من الطوب الطيني. ويعود تاريخ أبراج فنجاء إلى عدة قرون.
والأبراج في هيئتها الحالية تؤرخ بحوالي ثمانين عاما، إذا أعاد بناءها شيوخ القبائل وأعيان العائلات. وكانت فنجاء تتمتع بنسيج قبلي متماسك نسبيا، فقد شكلت هذه الأبراج نظاما متكاملا موجها للخارج لا ضد فصائل داخلية في الواحة نفسها. فإن الحارة تمتلك ثلاثة مدافع حديدية موجهة باتجاه الوادي.
يوجد مسجد وحيد في حارة فنجاء وهو “مسجد الجفينة” خارج الباب الغربي مباشرة . ومن الملامح المثيرة للاهتمام إدماج الفلج فيه، إذ ينقسم الفلج إلى قناتين، إحداهما حول المسجد في حين القناة الأخرى تشق طريقها تحت المسجد فتوصل المياه إلى “الشريعة” الواقعة قبالة المسجد.

“حارة اليَمَن بولاية إزكي” .. من أقدم التجمعات البشرية الدائمة في السلطنة

تقع واحة إزكي على بعد ما يقرب من 120 كيلومترا غربًا من العاصمة مسقط، وبالتحديد عند الحواف العلوية لوادي حلفين في أقصى جنوب ممر سمائل الذي يربط بين ساحل الباطنة والمنطقة الداخلية في وسط عُمان. وتشير الكثير من الاكتشافات الأثرية إلى أنّ هذه المنطقة كانت تشكل ذات يوم أحد أهم المعابر من خلال جبال الحجر.
وتُعدّ الواحة واحدة من أكبر الواحات في وسط عُمان، حيث إنّ موقعها على الطرف الجنوبي من فجوة سمائل لا يكسبها أهمية استراتيجية فحسب، بل يجعلها مصبًا لكميات هائلة من المياه المتدفقة من عددٍ من قنوات الأفلاج، والتي تنبع من فلج الملكي الذي يُعتقد بأنه كان يستقي مياهه من أكثر من 120 رافدًا.
أما مساحة الواحة فتقارب 15 كم ابتداء من (أمطي) شمالا إلى (زكيت) جنوبًا، وتُعدّ أقدم التجمعات البشرية الدائمة في السلطنة حيث تؤرخ البقايا الأثرية فيها بالألفية الثالثة قبل الميلاد. وأما المساحة الزراعية فيها حاليًا فقد تقلصت إلى منطقةٍ من بساتين نخيل تابعة لحارات اليمن والنزار وسدي والرحى ومغيوث وبني حسين. وتقع الحارتان الرئيسيتان (اليمن والنزار) على قمة تكتلات من التلال بارتفاع قدره 10 أمتار تمتد باتجاه شمالي جنوبي على طول الضفة الغربية لوادي حلفين. ولقد سمح هذا الموقع لسكان الحارتين بالاستقرار في الأرض المرتفعة على مقربة من مزارعهم وموارد المياه التي يعتمدون عليها. وتفتقر كلتا الحارتين إلى مصدر مياه متدفق.
وبالقرب من الحارتين هناك عدد من المقابر يقع أكبرها قبالة وادي حلفين من جهة اليمن والنزار، ويعود تاريخ القبور والمدافن الواقعة هناك إلى بداية العصر الحديدي، وهي تتكون من سياجات وركامات حجرية مصنوعة من صخورٍ دائرية الشكل. مما دفع مظهرها الفريد علماءَ الآثار إلى أن يطلقوا عليها اسم “قبور إزكي” .
أما مناخ ولاية إزكي فإنه يشبه مناخ محافظة الداخلية عمومًا، حيث يبلغ معدل تساقط الأمطار ما يقارب 25مم سنويًا، في حين تتراوح درجات الحرارة من 31 درجة مئوية في منتصف فصل الصيف إلى 15 درجة مئوية خلال أشهر الشتاء.
تكتسب واحة إزكي شُهرتها بفضل امتدادها التاريخي العتيق، حيث ذُكرت إبان العصر الحديدي المبكر في النصوص المسمارية في بلاد ما بين النهرين. ووفقًا للمصادر الآشورية الحديثة ففي عام 640 ق. م أرسل بادي، ملك مملكة كادي ـ الذي كان يقطن إزكي ـ مبعوثيه ليقيموا علاقات طيبة ويوقعوا اتفاقية محملين بالهدايا.
وبالنظر في المقابر التي يعود تاريخها إلى العصر الحديدي والممتدة على ضفاف وادي حلفين، يُستدّل على استمرار الوجود البشري في ولاية إزكي حتى وصول القبائل الأزدية، غير أنّ إزكي لم تتحول إلى مركزٍ حضري قط. ونظرًا للنظام القبلي الذي تم تأسيسه في وقتٍ مبكر والنزاعات القبلية الناجمة عنه فإنّ القبائل لم تتوحد ولم تكوّن علاقات دائمة.
إنّ إزكي هي أقدم المستوطنات التي استمر الوجود البشري فيها في وسط عُمان. ومن المثير للغرابة أنّ إزكي رغم عراقتها التاريخية وموقعها الاستراتيجي الممتد على طول المحور الرئيسي للتواصل في وسط عُمان، ورغم الأبراج العالية التي تمتلكها والتي يبلغ عددها عشرين برجا، والتي يمكن من خلالها الاطلاع على المناطق النائية، إلى جانب وجود عددٍ من القلاع المكتملة البناء في الواحة نفسها، إلا أنّ إزكي لم تتطور قط إلى مركزٍ محصن كبير مثل نزوى أو بهلاء أو الرستاق.

“حارة السليف بولاية عبري” .. مساكن كبيرة الحجم مزينة بالنقوش الجدارية والرسومات

حارة السليف، بموقعها على بعد حوالي 212 كيلومترا غرب مسقط، كان يطلق عليها في أوقات مختلفة لفظة حارة، وأيضا قلعة السليف، هي مجتمع محصن بشكل كبير يقع في المنفذ والممر الشرقي لواحة عبري. وهذه الواحة، كإحدى أكبر الواحات في منطقة الظاهرة في شمال السلطنة، تشكل نقطة تقاطع رئيسة على الطريق شرقا صحراء الربع الخالي وغربا وواحة البريمي من الشمال الغربي، مما أكسبها أهمية كبيرة فيما يتعلق بحركة التجارة. ومن الناحية الجيولوجية تتمتع واحة عبري بأهمية كبيرة نظرا لموقعها الاستثنائي داخل تكوين منجلي الشكل من الحجر الرملي والجير، وهذا مما تعرف به سفوح جبال الحجر الجنوبية التي تحيط بالواحة من الشمال والشرق.
أما حارة السليف نفسها فتقع على الحافة الجنوبية للممر الشرقي للواحة، فوق جرف منحدر بارز يمنحها مشهدا يشرف على الطرق الشرقية. ويبدو أن الحارة قد ظهرت فيها الحياة بداية بصفتها موقعا دفاعيا يتحكم في الممر المؤدي إلى عبري من الشرق .
وشهدت حارة السليف اختلافات في تعدادها السكاني من موسم لآخر، إذ موسم حصاد التمور يقطن معظم السكان في بساتين النخيل والأراضي الزراعية ولا يعودون إلى الحارة نفسها إلا بعد انتهاء الحصاد.
الحارة قد بنيت على سفح جبل شنبوه مطلا على وادي السليف، وذلك في عهد الإمام اليعربي، سلطان بن سيف الثاني (1123 – 1131ه / 1711 – 1718م). ونظرا للأهمية التي يشكلها هذا الموضع بصفته منفذا إلى واحة عبري، فمن المعقول وجود برج مراقبة أو قاعدة دفاعية قبل الحصن على التلة مطلة على الوادي (وكلاهما كان يعرف باسم شنبوه).
الحصن كان فعليا مستوطنة محصنة تشكل الأبراج زوايا الحصن ولقد منحت هذه الأبراج أسماء متميزة مثل، برج الريح أو برج الرياح يتجاوز حدود الحارة ليشمل الركن الشرقي للحصن فوق التلة. أما الأبراج الأخرى فهي برج الساعد، برج الطوي، برج المربعة، برج الصاروج، وبرج الأبيض، أما البرج المرتبط بالمسجد فليس له اسم محدد.
ويعد المسجد من أهم المباني ويعرف باسم مسجد الحصن أو مسجد حارة السليف، ومساكن حارة السليف مبنية حصريا من الطوب الطيني، برغم حقيقة أنها كانت مبنية بالأساس الحجري كان يعني أنها تطلبت أساسات حجرية بشكل جوهري من أجل ألا تتدمر بفعل المياه الجارية خلال العواصف المطرية.
وتتميز معظم المساكن من خلال حجمها الكبير نسبيا ومظهرها المهيب. ويبدو أن معظم المساكن كانت تتألف من طابقين أو أفنية داخلية وكانت في الغالب مزينة بشكل غني بالنقوش الجدارية والرسومات، وأيضا بدعامات الأسقف المكتوب عليها آيات قرآنية متقنة الصنع، وعليها تواريخ, وإهداء. كما شاعت الردهات ذات الأقواس الكبيرة .
ويعد السوق أحد المعالم المثيرة للاهتمام في حارة السليف والذي هو بحالة جيدة نسبيا. ويقع السوق في السليف في الزاوية الجنوبية الغربية من الموقع ويحوي مجموعة من الأكشاك والمحلات التجارية ومجموعة من المخازن الموجودة حول مساحة مفتوحة في الوسط تستخدم لبيع الماشية والبضائع في المزاد. أما المحلات فإنها تقدم العديد من الخدمات التجارية كبيع الخضراوات والخياطة والحدادة ويوجد محل مفتوح لصناعة السلاح .

إلى الأعلى