الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / معمار الرّواية بين عمران المدينة وإقصاء الإنسان “1-2″

معمار الرّواية بين عمران المدينة وإقصاء الإنسان “1-2″

في رواية “ممر الصفصاف” لـ”أحمد المديني”

إعداد: عزيزة الطائية
المقدمة
في أول تعليق للكاتب والروائي المغربي أحمد المديني على دخول روايته الجديدة “ممر الصفصاف” الصّادرة عن المركز الثّقافي العربي 2014 القائمة القصيرة لجائزة الرّواية العالمية للرّواية العربية “البوكر”. عبّر عن سعادته البالغة بهذا الإنجاز، مشيراً إلى أنّ هذه الرّواية تمثل منعطفاً في تجربة كتابته للرّواية، على مستوى الصياغة، والبناء، والتّمثيل، وصنع الحبكة الرّوائية التي يتضافر فيها اللّعبي التّشخيصي، بالإيحائي الاستبطاني.
وذكر الكاتب أحمد المدينى فى تصريحات صحفية سابقة، أنّه استوحى فكرة هذه الرّواية من حيّ حديث النّشأة والبناء والتّكوين، عمرانيًا وبشريًا، فى مدينة الرّباط، وذلك من خلال صدفة عجيبة تكونت فى علاقة أقامها مع كائن أراد للقارئ أنْ يكتشفه داخل روايته.
كما أشار أنّ هناك خطا تحول عنده في كتابة الرّواية على مستوى إحكام البناء الروائي، والاحتفاء بعوالم مختلفة، وانتباههم خاصة إلى لغة مطواع أنسب للسّرد من الطرز الشّعري، الذي عُرِف به وقتاً، مع استمرار القبض على جمرة الواقع اللاهب. أما النّقاد المحترفون، فرأوا أنّ “ممر الصفصاف” تمثل منعطفاً في تجربة كتابته للرّواية، على مستويي الصياغة، والبناء، والتمثيل، وصنع الحبكة الروائية التي يتضافر فيها اللعبي التشخيصي، بالإيحائي الاستبطاني، المنطوي على بياضات تثير مخيلة القارئ، وتستدعي خبرته.
أما ـ نحن- فكيف رأينا هذه الصّياغة الفنية واللّعب السّردية التي تحدث عنها أحمد المديني في روايته؟.
ما إنْ انتهيت من القراءة الأولى للرّواية، شعرتُ مباشرة بالحاجة إلى إعادة قراءتها مرة ثانية، وتذكرت حينئذ ما أشار إليه الكاتب الإسباني (خوان غويتسولو Juan Goytisolo)1 في إحدى مقالاته اللافتة التي اعتبر فيها الشّعور بالحاجة إلى إعادة قراءة نص انتهينا للتّو من قراءته الأولى، مؤشراً دالاً على عدم قابليته للقراءة السّهلة والمريحة، السّريعة والمستهلكة، أي عدم قابليته لنوع القراءة التي تتخلص من مقروئها فور الانتهاء منه، فلا تلبث أنْ تنساه لكونه لم يخلف بصمات غائرة في وجدان القارئ، أو في إدراكاته وتمثلاته. ولكي يكون النّص الرّوائي كذلك، يفترض أنْ يتحدر بدوره من صدع مكين، أو ينبثق من انغلاق غائر، يجعل الكاتب محمولاً أو مرغماً على كتابته، أي مدفوعاً إليها بقوة عمياء لا ترد، وبإغراء لا يقاوم. حينئذ لا يعود الكاتب سيد نفسه أو مالك قراره، بل يصير منتزعا من ذاته ومن اكتفائها المزعوم، مشدوداً إلى نداء يلح عليه، يأتيه من خارج، يخترقه كالسّهم الحاد، فيصير مداهماً بغيرية تباغته وتجتاحه، تخل بتماسك ذاته و تفلق صلابتها المتوهمة. وتعدّ – في نظرنا- “ممر الصفصاف” تمثيلاً لرواية أُرغم صاحبها على كتابتها، وحُمِل عليها قسراً وعنوة. فهو- أي الكاتب – لم يشرع في كتابة روايته بمحض إرادته، أو بقرار شخصي حرّ، بل وجد نفسه لحظة لقاء عارض، بما ترتب عن هذا اللقاء من تداعيات جارفة، ملزماً بالكتابة ومرغماً عليها. يذكرنا ذلك بما ذكره (جيل دولوز Gilles Deleuze)2 بأنّ فعل التّفكير، ونضيف في سياقنا فعل التّخييل، لا ينشأ في رحاب الدّعة وهناء السّعة، بل ينتج عن لقاء حادٍ وعنيف بشيء يحمل على التّفكير كرهاً، ويستنفر التّخييل عنوة. على أكثر من صعيد؛ يغامر الكاتب المغربي أحمد المديني في روايته “ممر الصفصاف”، فثمة شكل مغاير؛ وثمة مضمون يشتبك بكل شيء، يقتحم قضايا بالجملة، ولا يقف عند حدّ، كأنّه يخرج لسانه للواقع، وينتقم من تشوهاته، كما تراها الرّواية.

قضايا الخطاب الروائي
يسخر أحمد المدينى مستخدما المكان والزمان والبشر والحيوان من مجتمع يحكمه الأمن، والأثرياء الجدد، ومستغلو الدين في التجارة، مجتمع تقوم فيه موظفة فى هيئة الاستشعار عن بعد بحرق البخور فى بناية السعادة طردا للجان، طبقة فقيرة مسحوقة تعيش فى مدن الصفيح والطين، تقتات على الفتات، وتبعث الى المدينة بالشحاذين والخادمات والحراس والبنائين، ويجلس عاطلوها ومحاربوها القدماء في الهند الصينية يجترون معاناتهم أمام البحر، وطبقة وسطى منعزلة متعالية وخائفة من مستقبل لا تضمنه، وطبقة ثرية متحالفة مع الأمن، شعارها فقط هو أن تربح بلا نهاية، تحتل أى منطقة خالية لتبنى فيها، ولتجعل المدن أكثر قبحا، تحجز بيوتا فى الدنيا، ولا تنسى أن تبنى المساجد لتحجز بيوتا فى الجنة أيضا، على الهامش، لا يمتلك المثقف إلا قلمه ليحكي، ليمارس النبش والتعرية، أو يقبع منعزلا بعد أنْ ترك وظيفته طالبا معاشا مبكرا مثلما فعل (عمر غانم) ساكن الطابق الخامس فى بناية السعادة، لن يسلم عمر من استهجان الجميع لمجرد أنّه يقدم الطعام للكلب (جاك) وللقط (هشام)، ولمجرد أنّه يرى أنّ الحي لا يحتاج إلى مسجد جديد لأنّ هناك ما يكفي بالفعل ، ولكن الحي يحتاج الى مستشفيات ومدارس، لن يجد ساكن الطابق الخامس من يقف متضامنا معه لمنع تدمير الحديقة الخضراء، سيقف مع قليلين احتجاجا على ما حدث، ثم ينسحب السّكان فى هدوء، عمال البناء الذين يولدون من جديد مع كل وجبة تافهة مستلبون تماما تحت أنياب رجال البيزنس الدينى والطفيلى، سيتحول (عمر غانم) تدريجيا من ساكت إلى محتج، سيعلن الحرب على تجار الدين والأثرياء الجشعين، وسينضم الى مسيرة الحيوانات المطرودة التى تبحث عن الانتقام فى نهاية الرواية.

دلالات المتن الحكائي
تجسد رواية “ممر الصفصاف”، حكاية حي جديد ينبثق من مدينة مغربية قديمة، مدينة تحتفل بناسها وعيشها، كما تتقلب فى أسرارها، وهي قصة بشر يحاولون العيش ما استطاعوا إلى جوار بعضهم، وتحت رحمة آخرين سلوكهم البطر والطغيان، وبجوارهم كائنات حيوانية لكن بروح الإنسان، تسعى بدورها للعيش فى أمان.
تسرد الرّواية سيرة حيٍّ جديد يبدأ بالظّهور والتّشكّل في مدينة الرّباط، يتم إنشاؤه بعيدًا عن ضجيج المدن الكبيرة، في هذا الحي، وتحديدًا في “ممر الصفصاف” ثمة شخص غامض يعيش في أحد شقق بناء “السعادة”، يخرج كلّ يوم صباحًا ليركض في خط سيرٍ ثابت لا يتغير.
وتسرد “ممر الصفصاف” قصة الصراع الذي يخوضه حارس مبنى يتشيّد، وصراع جماعة تتشبث بنَسَبها إلى أرضها أو تفنى، بوصفها رمزاً لحق الفرد فى الوجود، في بلاد تُنتزع فيها الحياة بالمحنة، مثلما يكبُر فيها العُتاة على حساب محنة المغلوبين، وتبدو الرّواية كأنها متوالية من الحكايات والأحداث الفريدة، ممتلئة بالمغامرة، مُقمّطة فى اللغز، ومحرِّضة على قراءة كلّما تقدمتَ فيها اكتشفتَ خيالاً مثيراً، وبَهَرَكَ واقعٌ أغرب من الخيال.
يلتقي في هذه الرواية عالمان يتصارعان تارة، وأخرى يتعايشان، كذلك هي كتابتُها تتراوح بين معمار وأسلوب معتمَدين، وثانٍ مُولّد، بين النثرية المعيِّنة والشّعرية الموحية والمجنّحة، بين السّرد والتّشخيص، فالاستبطان والإيحاء والاستيهام، وتعدد البؤر والأصوات، مستلهمة بهذا صيغ الرّواية الحديثة، يطور فيها أحمد المديني فنيةً له فيها سجل حافل، ومشهود له بتاريخ وامتدادت، عربية وأجنبية.
ترسم الرواية لوحة لا تنسى لمدينة تجعل المهمشين أكثر تهميشا، تسحق الفقراء وتطردهم، تعيد ترتيب الأوضاع لمصلحة طبقات غنية، أو طبقات صاعدة منعزلة، يتساوى فى ميزانها الحيوان والإنسان الفقير، وفي خلفية اللوحة عيون لا تنام، تراقب وتسجل وتحاسب، هناك دوماً عيون البصاصين، ورجال حفظ النّظام والتّدخل السريع. لولا الكثير من الإسهاب والاستطراد تحت إغراء طرافة السّرد من زاوية البشر وعلى لسان أحد الكلاب، ولولا أنّ المديني جعل الثّورة تتجه – أيضاً – إلى فقراء تركوا حيواناتهم بعد أنْ أسكنوهم في مكان جديد، دون أنْ يتجه التّمرد إلى مخزن القمع، أو إلى حجاج آخر زمن من سارقي الأقوات، أو إلى محدثي النعمة، لولا ذلك لكنا أمام عمل كبير واستثنائى، ومع ذلك فإنّ الرواية احتفظت بجاذبيتها وبتماسكها، ونجحت فى تقديم إدانة لا تخلو من السّخرية لقهر مخلوقات الله (بشراً وحيوانات) أسفل (بلدوزر) الجشع والطمع والاستبداد.
إنّ ما استدعى الكتابة، وحمل الكاتب عليها، هو حدث اشتباك عيني الكاتب بعيني كلب شريد وتائه في نظرة كثيفة، مشحونة بإدراكات وأحاسيس لم يقدر الكاتب على مداراتها أو تجاهلها، إذ احتوته لوعتها وداهمه إلحاح ندائها، فدفعت به رأساً، ومن حيث لا يدري، إلى الكتابة، مخالفاً بذلك الوعد الذي سبق أنْ ضربه مع نفسه في إحدى رواياته السابقة 3. الأمر الذي يؤكد فرضية الكتابة التي لا يصدر الإقبال عليها، أو العدول عنها، عن قرار ذاتي محض، بل يصدر عن لقاء استثنائي يحمل الذّات على الكتابة حتى وإنْ قررت الكف عنها “وجده أمامه، قليلاً على الناصية، واقفاً منفرج القائمتين الأماميتين، متراخي القائمتين الخلفيتين، بادي الإنهاك، ضائعاً أو كالضائع، شريداً أو كالشريد لا يتقدم، ولا يرجع إلى الوراء، هو من هذا المكان ولا منه، لأنّه يوجد هنا بالضبط، تفهم أنّه ليس ضالاً فلا أحد يطارده مثل كل الضالين أو لم يبقَ أحد حتى لينتبه إلى وجوده. أحسّ أنّ عينيه بوابتان ما تنفكان تضيقان لتنغلقا على من يحاول العبور منهما، وهو الآن، وخاصة بعد سماع قصة لعظم، في حاجة للعبور إلى الجهة الأخرى نحو حي الرياض، إذ في هذا اليوم بالذات قرر أنْ يشرع في كتابة الرواية الجديدة التي تنغل في مخه منذ أشهر، وبها سيحنث، وسيدفع كفارة بعد أن أقسم أن رجال ظهر المهراز، ستكون روايته الأخيرة”4. لقد حملت نظرة الحيوان الشّريد الذي وضعت له الرواية اسم (جاك)، كل معاني الألم والخذلان، واستبطنت كل مظاهر القسوة التي يمكن أنْ تخبئها الحياة حين تصبح حظاً عاثراً وحسب، لكائن معزول وهش، طريد ومتوحد، يمضي سواد يومه في البحث عن مأوى يأويه ليلاً، وعن فضلات نادرة يسدّ بها رمقه، احتوتها أكياس قمامة رمتْ بها ساكنة شحيحة ومقترة. وقد تداعت هذه النظرة، حين التقطتها الكتابة، الروائية تحديداً.
الرواية سيرة تخييلية، لحيوان قدم من قرية (سيدي يحيى) بالغرب المغربي، بعد أن تخلى عنه أصحابه الذين هجروا من بلدتهم بسبب الجفاف، فيما مضى هو وحيداً في رحلة طويلة، محفوفة بالضنك والجوع، كي ينتهي المآل به إلى حي الرياض بالرباط الذي كان على وشك البناء والتشكل. بذلك، تكون النظرة، أي الرحم الذي ولدت منه الرواية، قد تفتقت عن سيرة غريبة ومدهشة للكلب (جاك) الذي تحوّل في الرواية إلى منظور واسع، نكتشف من خلاله، إلى جانب منظورات أخرى، مكاناً ووجوداً بشرياً حالا به، في سيرورة تكونهما وتشكلهما.
يتخذ الروائي من الكلب (جاك) بطلًا لروايته التي يحكي فيها عن مدينةٍ ضاقت بأبنائها الفقراء فطردتهم وشتّتتهم. في “دوار ادليم”، حيث تقيم مجموعة من النّاس، تأتي أوامر (المخزن) بإفراغ الأرض كي يقيم عليها مشاريعه. وبما أنّ القاطنين فيها لا يملكون مكانًا آخر يذهبون إليه، فإنّهم يعتصمون في خيمة كبيرة يعدّونها لهذا الغرض، رافعين لافتة عليها عبارات الولاء للملك طالبين الإنصاف منه لتبقى الأرض لأصحابها المقيمين فيها، مما يدفع بـ(المخزن) للجوء إلى القوة والعنف لإجلائهم. “نزلوا من جميع الجهات، وتفرقوا، مجموعة هاجمت الخيمة، من ينزع الأوتاد، من يرمي الأواني والحصر، من يمزق أطرافها، ولما تهاوت أشعلوا فيها النار، وبعدها عبروا إلينا حاملين العصي والبنادق كأنهم في حرب، ونزلوا يا سيدي يخبطون، لا يفرقون بين الرأس والظهر والأرجل”. 5 إذ يعتبر منظور الحيوان (جاك)، إلى جانب منظور (بلعيد)، الشّخص القادم من دوّار هامشي، دوار (الحفرة بضواحي) مدينة الرباط، للعمل حارسا بورشة بناء مسجد كبير، قبل أنْ ينتهي مطرودا من عمله رغم خضوعه وتمسحه بصاحب المشروع؛ ثم منظور (غانم)، الكائن المتوحد الذي هو في الآن ذاته كاتب الرواية (كاتبها التخييلي)؛ أقول تعتبر هذه المنظورات وغيرها، منافذ تسمح بمعاينة المكان في أطوار تشكله الأولى، وأطوار تعاظم بنيانه وتنامي عمرانه، وتدفق جموع بشرية على مساكنه وعماراته، هي أصناف خليطة ومتنوعة من فئات وسطى (موظفي الإدارات)، وفئات مضاربة في العقار وانتهاز فرص الربح السريع، وفئات المتدينين الزائفين، فضلاً عن فئات البدو التي أشاعت سلوكات البداوة في أحياء المدينة، تحتل أرصفتها وشوارعها لتمارس مهناً صغرى تؤمّن بها حياتها الفقيرة.
راعى الكاتب معياري الموضوع والشكل، مع احتفاء مضاعف بالأسلوب. من هنا، ظلّت قصة “ممرّ الصفصاف” (حبكة، أحداث، عقدة) خافتة الوهج أمام بنية الشكل، علماً أنّها رواية زاخرة بموضوعات اجتماعية، من رصد الأجواء المدينية بأهلها وعمرانها إلى نقد الزيف الديني والتسلّط السياسي والجشع الاقتصادي.
قد تلفتك رواية “ممرّ الصفصاف” للكاتب المغربي أحمد المديني بفنية بنائها، لكنها تُقدّم برمزيتها صورة صادقة عن مجتمع عربي منفصم غدت فيه سلوكيات الإنسان أكثر توحشاً من الحيوان. رواية تخبئ خلف جماليات السرد والأسلوب قباحة عالم غارقٌ في مستنقع موحل.

الأصوات السّردية
بين أكثر من نار يجد شخوص الرواية أنفسهم، نار فقرهم وغرفهم العشوائية المتواضعة ودراجاتهم الصدئة ذات الخشخشات العالية، ونار المتسلطين النافذين في أجهزة أمنية، ممن يريدون أنْ يصير هؤلاء “الضعفاء” عيونهم على كلّ شيء، يسجلون ويحصون كل ما يدور؛ ليس في الشّوارع فقط؛ بل ما وراء الأبواب المغلقة، وحتى على أسرّة غرف النّوم، وكذلك نار المتشددين الذين يريدون طمس هويات المجتمع، ويطلون من قرون غابرة حالمين بأنْ يجرّوا الجميع إلى العودة إليها. ومن أجواء الرواية التي تختصر بعض عوالمها، وما يعانيه أحد شخوصها الرئيسين: “يعرف المقدم أنّه لا يعاشر تلك الجماعة الملتحية التي بدأت تتناسل في الدّوّار، تنبه إلى الدين، تفرض على نسائه الحجاب، وعلى الرجال اللحى وأثواباً فضفاضة يسمونها لباس الأفغان، حين سألهم أنا أصلي من دمنات، فمن هؤلاء الأفغان يا الإخوان؟ هددوه أن يسد فمه أو سيقطعون لسانه. عرضوا العمل والمال على أفراد عاطلين، ووزعوا المساعدات على ناس معدمين، وهو لم ينل شيئاً، وهم يعرفون شظف عيشه، لكنهم ساوموه أنْ ينضم إلى دعوتهم فرد: أنا رجل فقير، أنا مسلم دائماً وأخاف الله وحده، ولن أخافكم، ولذلك أصرّ على أنْ لا يضع لحيتهم، ورغم ذقنه الأحرش أصبح يحلقه كل يوم تقريباً. ربما الرجل يعطف عليه، ينظر إلى فقره وعجزه فيريد أنْ يساعده ليبعده بالضبط عن إغراء الجماعة، لأنّه فكر أنّه في النهاية، هو وسواه، إن لم يجد حلاً سيلجأ إليهم لا محالة”6.
تبدأ الرواية مُبهمة، يُفتتح مشهدها الأول على شخصية (المهرول)، رجل غامض يُغادر بيته في “ممرّ الصفصاف”، أعلى حيّ الرياض، يومياً عند الساعة الثامنة والنصف. يصف الأشياء في مرورها العابر أثناء هرولته. يولي البصر أهمية قصوى في تحديد مواقفه من الأشياء. لا شيء يعنيه سوى “البحصصة والتلصّص” لالتقاط كلّ شاردة وواردة من شأنها أنْ تملأ كتبه بصور الحياة. فالمهرول هو في الأساس كاتب قرّر أنْ يُنجز رواية كاملة نتيجة نظرة خلّفت في نفسه الأثر الكبير. هكذا، تتضّح، صفحة تلو أخرى، معاني العبارة الدالّة مطلع الرواية “كلّ شيء يبدأ من النظرة، أو من نظرة”7، لنتيقّن أخيراً أنّ نظرة عرضية أفضت إلى هذه الرواية الضخمة. نظرة تشابكت فيها عينا المهرول بعينيّ كلب شريد.
في الفصلين الأولين، لا يُحدّد الراوي العليم (برانيّ الحكاية) هوية البطل، بل يُسمّيه المهرول مرّة والسيّد أحمد المديني مرّات أخرى. يعمل كاتباً وهو يحاول أثناء هرولته أن يستجمع ما يكفي من صور وأفكار ينظّمها في مخّه “ليعود ويسطرها على الورق”. لكنّ الالتباس، أو ربما الصدمة تحدث حين نكتشف أنّ لهذا المهرول رواية معروفة عنوانها “رجال ظهر المهراز”، وهي رواية معروفة لأحمد المديني الذي أقسم يوماً أنّها ستكون روايته الأخيرة. لكنّ النظرة المتبادلة بينه وبين جاك، الكلب المسكين، جاءت معبأة بمعانٍ إنسانية قوية، فغدت المصادفة العابرة سبباً للكتابة من جديد “أحسّ أنّ عينيه بوابتان لا تنفكان تضيقان لتنغلقا على من يحاول العبور منهما… وفي هذا اليوم بالذات قرّر أنْ يشرع في كتابة الرواية الجديدة التي تنغل في مخه منذ أشهر، وبها سيحنث، وسيدفع كفّارة بعدما أقسم أنّ “رجال ظهر المهراز” ستكون روايته الأخيرة”8.
تلعب الرواية بين عالمي الواقع والخيال، توهم القارئ أن (غانم) هو الكاتب، ثم يتدخل المديني في النص، ليحاور (غانم) ويطلب منه الإذن في أنْ يعطي بطولة الرواية للكلب. تستمر اللعبة وتتأرجح الرّواية بين العالمين. لكن (المخزن) المسؤول عن الحقيقة والخيال أيضًا، عن الصحو والمنام، يكشف تلك اللعبة، يتهم (غانم) أنّه ينتحل اسم (المديني)، وأنه يتخيّل أشياء يصدّقها ويعتبرها الحقيقة، ومنها مثلًا أنّه لا وجود في كل الرباط لمكان اسمه “ممر الصفصاف”، فيمنعونه من العودة إليه، ومن استعادة مخطوط الرواية. إنّه الاستبداد حين يطغى، لا يكتفي بتشويه الواقع فقط، بل يخرّب الخيال أيضًا!.

الكاتب وقرينه
هي ليست المرّة الأولى، بالطبع، التي نصادف فيها شخصية روائية تمتلك اسم المؤلّف وخصائصه النفسية والجسدية نفسها. ففي الغرب اشتهرت هذه التقنية مع كثير من الكتّاب أمثال: (بول أوستر) وغيره. وعربياً، استُخدمت – وإن بكمّ أقل – في روايات تُعدّ “مريم الحكايا” ألمعها، وفيها أهدت علوية صبح اسمها إلى الرّاوية (علوية) لتُعيد – من خلال هذا الشّكل الفني – تحديد العلاقة بين المؤلف والراوي، أي بين من يكتب ومن يحكي. لكنّ لعبة المرآة هذه تتخّذ شكلاً مغايراً عند أحمد المديني الذي يعرض شخصية راوٍ، اسمه في الحقيقة (غانم)، لكنّه يعيش فصاماً جعله ينتحل اسم الكاتب الحقيقي: أحمد المديني. هكذا يغدو البطل هو قرين المؤلف نفسه. ويأخذ التأرجح بين الواقعيّ والمتخيّل في رواية أحمد المديني شكل مدّ وجزر، لا يلبث أن يتكرّس في التدخّل المباشر للمؤلف حين يقحم نفسه داخل النّص وفي حوارات الشخصيات: “قلت جئت للحسم، فأنا منذ مدّة أراقب الوضع. وضعكما. والحقيقة أني شرعت أيضاً في كتابة قصتكما وقطعت في ذلك أشواطاً، لكني اصطدمت الآن بمأزق، وأريد مساعدتكما. لا تستغربا، فمشروعي جدّي، وسأكمله كما أكملت مشاريع سابقة عليه، ولولا أنّها المرة الأولى التي أجمع فيها الإنسان إلى الحيوان لما أشكل عليّ الأمر. ولكان المشروع انتهى منذ فصول”9.
الرواية متعددة الصوت، وتقوم على مستويات سرد مختلفة. ثمة راوٍ عليم خارج الحكاية، إضافة إلى ثلاث شخصيات تتناوب السرد طوال صفحات الرواية: بلعيد (حارس مسجد قيد الإنشاء)، جاك (الكلب الشريد)، غانم (المهرول أو أحمد المديني). وقد يعود السرد تكراراً إلى الحدث أو المشهد نفسه لتقديمه عبر ثلاث وجهات نظر مختلفة (وصف حيّ الرياض مثلاً)، وهذا ما يُعرف بـ “المشهد التكراري” الذي ينتمي إلى البيان السردي.

من الهامش
يختار الكاتب شخصيتين من القاع ويمنحهما بطولة العمل، بل إنّه يسلّمهما مهمة نزع القناع عن وجه مجتمع مزيف. أحدهما هو الحارس (بلعيد)، الآتي من دوّار الحفرة في ضواحي الرباط إلى حيّ الرياض الراقي. وليس مصادفة أن ينتقي المؤلف هذه التسمية للمكان الذي ينتمي إليه بلعيد (دوّار الحفرة)، بل هو تقصّد إبراز البيئة البسيطة، أو الأصحّ السفلية، لهذه الشخصية. وبغية تجاوز ظروفه القاسية، يرضى بلعيد (الضعيف) بأنْ ينبطح أمام المستثمرين العقاريين (الأقوياء)، لكنّ استسلامه لا يشفع له، إذ سرعان ما يتخلصون منه طاردين إياه من مكان عمله. والثاني هو الكلب (جاك)، يختاره الكاتب سارداً يفضح من خلاله الطبيعة البشرية الفاسدة.

* الهوامش في الجزء الثاني من القراءة

إلى الأعلى