الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سيف الرحبي يطرح أسئلة وجودية من زمن الرمة إلى الحروب العبثية

سيف الرحبي يطرح أسئلة وجودية من زمن الرمة إلى الحروب العبثية

مسقط ـ العمانية:
يطرح الشاعر سيف الرحبي تساؤلا يراه جوهريا في كتابه “زمن الرمة والحروب العبثية” ويقول: ألا يمكن تشبيه الفساد والشر البشريين بالرمة وطرق اشتغالها وعملها الإبادي في الطبيعة والجمال والمعرفة؟ يبدو هذا السؤال محورا أساسيا في الكتاب الذي يحاول عبر نصوص شعرية ومادة نثرية قراءة المشهد في العالم، المشهد الذي يراه الرحبي متخما بالشر والقتل والتدمير، ولذلك يرى الحروب العبثية التي يخوضها العالم نوعا من الرمة التي تقضي على الأخضر واليابس”. ويمضي سيف الرحبي في وضع تساؤلاته عن الحالة البشرية بالقول: “ماذا يريد المنجّمون من هذه الأرض؟ ماذا يريد المستكشفون، باعة الأسلحة المتقدمة، أصحاب الياقات؟ ماذا تريد البوارج الحربية وخدم التاريخ؟ ماذا يريد الأقوياء والضعفاء الواهمون؟ (يريدون النفط)، خذوه وارحلوا عن هذه الأرض التي ثكلتها الأزمان والنكبات”.
الرمة/ الحروب العبثية التي تدور في العالم يراها الرحبي في كتابه تبدأ من أساس الجذع لتستبطن الأعماق الحية الطافحة بالأحلام وتصدير الجمال إلى الخارج، كامل الجذع والأغصان، الأوراق والطيور المغردة والبشر. ورغم الروح الشعرية الضاجة حتى في النصوص النثرية في الكتاب إلا أن سيف الرحبي استطاع بتلك اللغة الجميلة والموحية أن يقدم نقدا اجتماعيا أيضا ناهيك عن نقد العالم الراكض وراء الحروب ومشتقاتها. فنراه يقف مليا عند الحالة الاستهلاكية التي يعيشها الخليج من خلال استرجاع سقراط الواقف أمام “مولات” آثينا مطلقا صيحة استنكار “ماذا يريد الاثينيون من كل هذا؟”. هذه الصرخة يسقطها الشاعر على الخليج وكأنه يقول “ماذا يريد الخليجيون من كل هذه المواد الاستهلاكية أمام الخواء الثقافي والمعرفي؟. ومن بين مواد هذا الكتاب أيضا شهادة كان الشاعر قد قدمها عن تجربته في مدينة باريس حاول أن يجعلها متماسة مع تجربته الباريسية منتصف ثمانينات القرن الماضي يقول الرحبي: “القول الصريح يتطلب نوعا من سيرة الشك متاخمة لسيرة ذوات وحيوات أخرى، أماكن وطفولات، قرى ومدن تسطع في الواقع والمخيلة، شظاياها وشتاتها تؤلف ميناء النص المحلوم بالوصول إليه، بكتابته، وهو، أي النص، يقول هذه السيرة الناقصة بكل تناقضاتها، صعودها وانكسارها، ألمها وفرحها، وهي تقترح على نحو ما رؤية للعالم والوجود وسيرته المبعثرة في أكثر من زاوية مقهى ومكان”. والحق أن الكثير من نصوص وكتابات سيف الرحبي تشي بالكثير من تفاصيل سيرته الذاتية، ناقصة كانت أم كاملة.. وهذه الميزة تجعل من نص الرحبي متخما بالحياة ومتخما بالتفاصيل التي تحول العادي والمألوف إلى مادة فنتازية محلقة عاليا وقريبة من القلب ومن القارئ الذي يجد فيها بعضا منه. كتابة الرحبي شعرا ونثرا تتوسل حالات ومشاهد وغيابات لا حد لها عبر نصوص ذات نفس ملحمي، أو تلك الصور والمقاطع الشذرية التي تحاول اقتناص بروق خاطفة في مدن الغرباء أو في سماء الربع الخالي تلك الصحراء المترامية العدم والعنف والسراب التي شكلت ثيمة أساسية فيما يكتب الرحبي، ليس فقط لأنها تقع جغرافيا في محيط المكان القريب من الشاعر وإنما فيما يبدو كهاجس وجودي يختزل وحشة العالم وضياعه وترحاله في المجهول المظلم النائي. والملاحظ على الشاعر سيف الرحبي في هذا الكتاب أن سوريا كانت حاضرة في كل تفاصيله، يتذكرها بالكثير من الحسرة والكثير من الحزن.. حتى وهو يكتب شهادة حول تجربته كانت سوريا المدمرة والمشتعلة حربا وحقدا وطائفية حاضرة وبقوة وتشكل نصه. وكان الشاعر قد قضى بعضا من حياته في دمشق حيث تشكل وعيه الشعري هناك وبدأ مرحلة النشر فيها. يقول الشاعر: “أتذكر دمشق، فعلى سفح جبل قاسيون حيث كنا نعيش بساحة شمدين في حي ركن الدين اواخر السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الذي أضحى ماضيا بعيدا.. لكن دمشق ظلت علامة وجد وكرم روحي في الذاكرة.. وكانت بيروت على مقربة مشتعلة بحروبها وصراعاتها والتي كنا نرتادها كما نرتاد المقاهي والمطاعم في حي الصالحية وضفاف ربوة بردى .. وعلى الرغم من وضعها المأساوي بيروت كانت تستقبل زائريها وروادها برحابة لا تعرفها المدن التي لا تعاني شيئا من الحروب الوحشية. كانت بيروت ودمشق أمكنة تجمع لأصدقاء قدموا من بلاد عربية كثيرة لنوازع وأسباب مختلفة”.ومن باريس ودمشق وبيروت إلى البحرين التي يكتب عنها سيف الرحبي موضوعا حنينيا بامتياز، فهو والبحرينيون من عائلة ثقافية وسلالة واحدة كما يرى في مطلع نصه عنها وذلك منذ سبعينات القرن الماضي في حي الدقي بمصر حيث السكن والمأوى والمقرات الطلابية الخليجية، وتتالت علاقة الرحبي بالمثقفين البحرينيين وأفكارهم في الجزائر ودمشق وبيروت حيث كان لهم حضور متميز على المستوى الثقافي أو على مستوى الانشطة السياسية التي كانت تضج بالحيوية في سبعينات القرن الماضي الذي كانت القومية سمته البارزة. ويتذكر الرحبي في كتابه الشاعر العراقي السياب بعد نصف قرن على رحيله كما يتذكر أنسي الحاج في أكثر من مقال وغسان كنفاني ويوسف سامي اليوسف ومحمد شكري وبسام حجار وحلمي سالم وسميح القاسم وبول شاوول وعبده وازن وحسن داوود وعلوية صبح وأمين الزاوي في أجواء وإن خيم عليها الحزن لكنها تستدعي الكثير من الذكريات والكثير من المشاهد والاحداث التي صنعت هذه الأسماء وجعلت حضورها في المشهد الثقافي العربي من الضروريات اليوم. الكتاب رغم انه يقع في 158 صفحة من القطع المتوسط إلا أنه مليء بالشعر والنثر والذكريات والتأملات والأسئلة الفلسفية والوجودية التي يطرحها الشاعر في كل كتاباته.

إلى الأعلى