الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة التشكيلي التونسي كمال عبدالله

قراءة في تجربة التشكيلي التونسي كمال عبدالله

التحرر الفكري والنفس الثوري في الفن التشكيلي

يعتبر النفاذ إلى قيمة الأثر الفني رهين كيفية قراءة هذا الأخير وتأويله، طالما أن أي عمل يجسّم خصوصيّة كامنة في ذاتية المبدع، وكونيّة مفتوحة على معنى كلي، حيث تعتبر تمثلات الفنان مجالا خصبا للتأويل والبحث والتنقيب على أساس أن الجمال الفني يستمد تفوقه من كونه يصدر عن ذات واعية تتفاعل مع الواقع الاجتماعي الذي تعيشه، ولعلّ أعمال الفنان التشكيلي التونسي كمال عبدالله سواء كانت حفرا أو رسما أو تصويرا تعكس لنا مدى أهمية إعادة بناء الوعي بصورة منافية لأسلوب التنميط والاستلاب الاجتماعي المرفوضة في الواقع القائم عن طريق الشكل الجمالي الذي ينتجه.

* التقاط خصائص الظواهر
تعد تجربة الفنان التشكيلي التونسي كمال عبد الله تجربة متنوعة تخترق بقوّة الفعل فيها وتميزها هذا الهدوء الذي يطغى على الساحة الفنية هذه الأيام، والمقصود بالهدوء هنا هو الأسلوب الذي تعالج به أغلب الأعمال الفنية والذي لا يكترث للواقع المعاش ولا الى مشاغل الكائن فيه، كما يغيب عنه البحث ويسقط عادة في النمطية. لديه الكثير من المشاركات ومتحصل مؤخرا على جائزة رافع الناصري لفن الحفر والطباعة، يعتبره حضوره مدروسا نوعا ما فهو لا يكترث كثيرا للتواجد لمجرد التواجد.
تجربة فنية بمثابة وعد بالتّحرر جاء في شكل أعمال فنية منتزعة من الواقع بالقوة من خلال قوة الصورة والفعل والتعبير، حيث يظهر ذلك جليّا من خلال فكر الاحتجاج والحلم الذي ميّز اغلب أعماله الفنية، والتمرّد الذي صبغ أسلوبه الفني ناتج عن ذات حالمة متأملة وكأن به نوع من النضال الخطيّ واللوني والفكري من اجل التّحرر. حيث لا مجال للتنازل عن هذا الفكر في أعماله، فنلاحظ تواصلا بين أعماله التصويرية والحفر والرسم لديه، ممارسة بمثابة مسؤولية لهذا الفكر الثوري التحرري.
يقول هربرت مركوز في هذا الإطار ليدل على سلبية تنازل الفنان عن معنى التّمرد في العمل الفني “تنازل يحرم الفن من الشكل الذي يمكن بواسطته أن يخلق ذلك الواقع الآخر في داخل الواقع نفسه هو عالم الأمل” وأعمال الفنان كمال عبدالله بمختلف تقنياتها تحتوي حقيقة أكثر مما يحتويها الواقع. حيث تعكس لنا تشوهات الكائن بكل بلاغة خطيّة ولونية وتقنية ممكنة، بمثابة أساطير يحكيها لنا الفنان بكل تفاصيلها فيخلق لنا هذا العالم المشوّه والمعتدى عليه ولنا أن نستحضر هنا قولا لدافنشي “يريد الرسام أن يرى جمالا يفتنه، إذ هو سيّد خلقه، فإذا شاء أن يستحضر وحوشا مرعبة آو مناظر ساخرة و مضحكة، أو أخرى مؤثرة فانه في ذلك ربّ وسيّد” والفنان هنا يستحضر وحشية الواقع من خلال رسم تلك الوحوش الآدمية في هيئات ووضعيات واستعارات مختلفة كنوع من التعويض عن حرمان من الإحساس بالمعاناة حيث يحدث أن تكون معاناة الفنان اكبر من معاناة بقية الكائنات التي تجد في الاحتجاج أو التنديد … إلى غير ذلك من الأساليب للتعبير متنفسا. في حيث يعجز الفنان عن التعبير بطريقة أخرى غير الفن أين يبث شكواه وتأملاته بنبرة مرتفعة وفصاحة وبلاغة كبيرة.
الوضع السياسي دائما ما كان حاضرا في ذهن الفنان؛ فانعكس ذلك على إنتاجه الفني وتجلى من خلال وضع الكائن الذي يتحرك فوق مسرح الأحداث حيث يقول ماركوز “إن النوعية الجمالية والاتجاه السياسي تجمع بينهما صلة حميمة وملازمة لكن وحدتهما ليست مباشرة”
فهذا الكائن القبيح أو المسخ المشوه يحمل على عاتقه ضرورة تكوين لحظة من لحظات الفن أو ما يسمى استيتيقا القبح فلتحقيق الجميل لجأ كمال عبد الله إلى القبيح باعتباره سلبا له حيث يظهر لنا أثره بمثابة حكاية أو أسطورة تمسك بما عليها قوله وفي نفس الوقت تؤديه، حيث تختلف في أعماله التقنيات من مجموعة لأخرى منها تقنية الحفر والطباعة كما تقنية الاكريليك على القماشة وقلم الرصاص والألوان المائية على الورق لمعالجة اشكالياته المختلفة والمستمدة من نفس الفكر، فيروي من خلال خطوطه وحفرياته وألوانه وتركيباته أحداثا نيابة عن نفسه وعن شخصياته في كثير من الأحيان كما انه يفسح لها المجال أيضا للتعبير عن نفسها بنفسها عندما تحتل وتجتاح كامل فضاء الأثر الفني وأحيانا يحسسنا انه طرف يتوسط هذه الشخصيات المحاربة والمصارعة دون أن يصرح بذلك مباشرة.
يبرز الكائن في أعمال الفنان كمال عبد الله ضمن الظواهر ومعها بما معناه انخراطه في عالمه وهو وجود تحقق فيه الذات الأشياء وتعتكف داخل فضائها الذاتي وجود يدرك ان لا معرفة دون ان نقترب من الظواهر التي تميز أي شعب ننتمي اليه ونتعايش ونتفاعل معه لندركها وننقدها وجود يدرك أن لا معاشرة للظواهر بدون جسد هو أداة الإحساس بها وأداة استكشافها. وهذه الفلسفة المعتمدة لدى الفنان باعتماد الجسد لاستكشاف الظواهر المحيطة بنا والإقامة فيها لمعالجتها جاءت بها الفينومينولوجيا تأسست مع هوسرل وتطورت مع ميرلوبونتي وبول ريكور حيث رفع مؤسسها هوسرل شعار العودة الى الظواهر، بحيث نلمح الوعي في أعمال الفنان قصديا، وعيا يدفع نحو الأشياء والمشاغل والآخر، شخصياته تتجه إلى العالم لتعرفه ولتنخرط فيه وتستمد شروط وجودها وإدراكه مما تعانيه على ارض الواقع من كبت واستغلال … وجودها عبثي ومأساوي حيث يعرف ميرلوبونتي الإدراك بأنه “فعل الشيء في الجسد وفعل الجسد في النفس” كما يشير بأننا “لسنا فكرة قبالة العالم بل نحن فكر قد يجسد كيانا في العالم” بمجرد الوعي به وبظواهره. فمعاناة الكائن هي ردة فعل لمثيرات كثيرة كعناصر وجود مستفزة تفقد الكائن توازنه فيتفاعل باعتباره كائنا يرنو إلى الحرية ومكمنا للكثرة كتنوع الغرائز والمطالب بأنواعها وكثرة الأهواء الواعية واللاواعية، وبالتالي ينتج ذل التمزق بسبب تعارض مطالبه وأمانيه مع قوى مضادة وكابتة لهذه المطالب وهو ما يفرز أعراض المقاومة والصدام وما ينتج عن هذه الوضعية من إفرازات تزيد من وطأة الاغتراب والمعاناة.
فالواقع عادة هو سجن الكائن وتدهور العامل النفسي لديه خاصة اذا اقترن هذا الواقع بإفشال أحلامه وهدم تطلعاته وإخماد ثوراته وعدة عوامل أخرى تؤثر على سلوك الكائن. وهذا كله اختزل في أعمال الفنان في خطوط ولمسات وأفكار جسدت ومسرحت تشظيات الذات.

* ملحمة الأنا والآخر:
أثار الفنان التشكيلي كمال عبد الله بالأبيض والأسود كما بالألوان ملحمة خطية وفكرية ولونية عابثة تستحضر وتستبصر الأنا والآخر في احتفال بهيج بالعبث والعدم، تركيبات وتكوينات هي حياكات الزمن للوعي بالكينونة كحضور في العالم ومع الآخرين. هذا اللقاء مع الآخر يتجاوز ضيق الفضاء الذاتي وانغلاقه، حيث يؤكد هيقل في هذا الإطار على حاجة الذات إلى الآخر للوعي بذاتها كما أن الذات تعي ذاتها كذات من خلال الصراع مع الذوات الأخرى، صراع حضر في أعمال الفنان لغاية انتزاع الاعتراف بجدارة الذات. كما احتوت مساحات الفنان الشخوص المختلفة بكل حالاتها سواء كانت حالات تواصل أو صراع.
حيث يقول ريجييه “إن الآخر كل ما كان مختلفا عني استطاع مساعدتي على أن أكون أنا” وهذا الاختلاف الذي جاء في ملامح ووضعيات ومعالجات شخوص الفنان يروي لنا ملحمة الإنسان وصراعه مع الكون والآخر كأسطورة حيّة نعيشها يوميا، هي مقتطفات غرائبية تخرج من وسط النباتات والبيوت والشوارع في وضعيات هجوم مختلفة الأسلحة تصارع الوجود والآخر للبقاء وما استدعاء دونكيشوت وملاحمه وبطولاته ليكون أحد أبطاله خير دليل على صراع الكائن ضد ما يقاومه، إنه رمز للكفاح، إنه بطل حالم يصارع لنصرة الضعفاء والمساكين. فتبرز دونكيشوتيات كمال عبدالله مستلة رمحها محملة بالاستعارات والصور والمجازات لتحقيق الأحلام التي لا تعدو في النهاية سوى أن تكون محاربة ما يلفنا من فساد.
تضاد بصري وتلاعب بالقيم الضوئية واختزال لواقع الكائن المتعب والمنهك والحالم، حروب متواصلة ضد الأنا والآخر والسلطة، أجساد ووجوه تختلف في تمظهراتها من تركيبة إلى أخرى حيث تبرز نتائج ولوج الفنان إلى دواخل الذوات ومصادرة كل دواخلها للعلن وجوه مكفهرة حينا وتائهة الملامح حينا آخر، ألوان نقية حينا ومتسخة في كثير من الأحيان متداخلة تداخل الهموم في ذهن الكائن، أفواه مكممة وحريات مصادرة وحقوق مسلوبة، عيون مرشوشة، إنها ممارسات الواقع المتطاول علنا. لا مكان هنا في هذه المساحات لتزييف الواقع أو تلطيفه بما ليس فيه هي بمثابة كشف للمستور وتحد له، هنا أين يتمكن الفنان من إقامة ثورته الفكرية على طريقته وبأسلوبه انه مجاله الواسع الذي يجيد اللعب فيه والإتيان بما يجب وحينما يجب.
اشتغل الفنان على الجسد كمكمن للدلالة وكمنبع للاشتغال جاء منفصلا عن كل ما هو مجرد تشخيص محسوس فقد حرره الفنان من ذلك الطابع المباشر حيث جعل منه جسدا معنى يساهم في تكوين عناصر العمل الفني الأهم وشحن فضائها التشكيلي بطرق مختلفة، فحينا يحضر كجزء بالتركيز على الوجه وملامحه، وأحيانا يحضر كأجساد تائهة الملامح كما يحضر فرادى ومجموعات، كل حسب الفكرة والتصور والموضوع، حضور ملغز يرمز لوجوده لمخاطبة المتلقي المتحرر، ذلك المتلقي الباحث والمفكر والثوري ذو البصيرة التي تربط مباشرة مقاصد الفنان بالظواهر وما يحيط به من استلاب. وهنا نتحدث عن الدور الفعلي للتأويل الذي يتمثل في ضرورة فهم سرّ استحضار الجسد من خلال التركيز على عناصره الجوهرية التي وجدت في الأثر والتي بثّها الفنان من خلاله في شكل رسائل مضمونة الوصول بتقنيات وأساليب معالجة مختلفة.
والمتأمل الباحث يمكنه أن يلتقط من كل هذه الملحمة الفكرية واللونية المتمردة والثورية على الواقع والعاكسة لتشوّهاته المختلفة أمال الفنان الكبيرة وأفكاره الحالمة نابتة وسط كل هذا الخراب.

دلال صماري
فنانة وباحثة تشكيلية تونسية

إلى الأعلى