الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (166) : ألوان من الترخّص اللغوي

نافذة لغوية (166) : ألوان من الترخّص اللغوي

ربما كان في توخي الحرص على سلامة الأساليب اللغوية ما يقلل من مظاهر الترخّص بلغة الأمة ويصونها من الفساد ويبقي على بيانها ونقائها ودقة أدائها للمعاني ، ونحن في هذا لا نطمح إلى أن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل عن علماء العربية الأسلاف إتقاناً وإحكاماً ، ولا ندعو إلى ذلك بتضييق وتشديد ، فثمة تطور وثمة اختصاصات أخرى سيتفرّغ الناس لإتقانها ، لا كما كان السلف الذين جعلوا من تحصيل العربية همّاً ومشغلة. ولكننا نحاول أن نذكّر ونحاول أن نستدرك ما غفلنا عنه معاً فنشير بين الحين والحين إلى ما يمثّل إخلالاً بمذاهب العرب السليمة وإلى ما يمثّل تطوراً لغوياً ، وإلى ما يعرف بالأصول ، وإلى ما يجعلنا نشغف بالعربية ونحبّها ، وإلى ما يوقفنا على بعض خصائصها ، وإلى ما يقيم بيننا وبينها مودة وألفة ، فمما نسمعه وتحسن الإشارة إلى مخالفته الأصول قول بعضهم مثلاً : ولكن الذوق ثناه عن تصرّفه بمعنى ردّه عنه ، أو صرفه ، ولكن قولهم : ثناه عن كذا غير دقيق ؛ لأن معنى الثني إعادة الشيء مرتين كثني العضد على الساعد ، وثني الركبتين ، أي أن طرفاً يثنى على طرف ، وهذه صورة مادية حسية ، فإذا اتّسع فيها فقيل : ثناه على وجهه ، لا عن وجهه كان أفضل. ويقولون من مثل هذا في المناسبات والرسائل : تمنياتي لك بالنجاح ، وكأن الأصل : تمنيت بالشيء ، وما هو كذلك في الحقيقة ، إنما تمنيت الشيء ، وعليه يكون الأسلم أن تقول : تمنيت لك النجاح ، وتهنئتي لك النجاح.
ويكثر في الاستعمال اللغوي في هذه الأيام طغيان وضع ( اللام ) في موضع ( إلى ) في أمثلة لا تحصى ، كقولهم : نسبة لكذا ، وبالنظر لكذا ، وتوجّه فلان للمدينة ، وإضافة لكذا ، وهذا يؤدي لعواقب وخيمة ، ويدفع الشريان الدم للأعلى … فكل هذا غير سليم ، وإن قُبِلَ فعلى التوسع والإخلال بالأساليب اللغوية الصحيحة ، إنما السليم في ذلك كله أن نقوله بـ( إلى ) ، أي : بالنسبة إلى كذا ، وبالنظر إلى كذا ، وتوجه فلان إلى المدينة ، وإضافة إلى كذا …….. وهكذا في أمثلة كثيرة.
ومن مثل هذا في الجموع قولهم : أظافر جمعاً لظُفْر ، بينما الجمع أظفار ، وقولهم في جمع النِّية : نوايا ، والجمع النِّيات ، فهي ليست بوزن مفعلة أو فعلاء ، وكذلك يجمعون التهنئة على التهاني إنما هي التهنئات ، ويجمعون النشاط أنشطة ، وهي نشاطات.
وكثير من الناس يقول : أجرينا تقييماً للعمل ، أو للمرحلة السابقة ، والصواب أن يقال : تقويم ، أي تقدير لقيمة الشيء ، وأصل القيمة : قِوَمَة ، ولكن لعلل نطقية وضعوا الياء المناسبة موضع الواو ، فعندما زالت تلك العلل النطقية صار الأمر إلى الأصل فقالوا : تقويم لا تقييم ، وقل مثل ذلك على خطئهم في لفظة مقومات ، كقولهم : مقومات المجتمع على غير الأصل ، إنما الأصل : قِوام المجتمع.
ويقولون : تأسست المدرسة أو الجمعية عام كذا ، والصواب أن يقال : أُسِّسَت . ويقول بعضهم: استلمت رسالتك البارحة ، والصواب : تسلَّمْتها البارحة. ويقولون : حماس والصحيح حماسة ، وهناء والصحيح هناءة.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى