السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / النفسُ السرديُ المحكم في مفارقة الصحراء والمطر

النفسُ السرديُ المحكم في مفارقة الصحراء والمطر

رواية “هولندا لا تُمطر رطبا” لعلاء الجابر

د. سعيد بن محمد السيابي* باحث أكاديمي في جامعة السلطان قابوس نائب رئيس النادي الثقافي
” إيّاك والتوعُّر، فإنَّ التوعَرَ يُسلمُكَ إلى التعقيدُ، والتعقيد هو الذي يستهلِك مَعَانِيكَ، ويشينُ ألفاظَك”
بشر بن المعتمر

إن دراسة الإبداع أشد تعقيداً من النقد الأدبي، وأكثر منه صعوبة، وهي خطوة تالية له، فيها من العمق والنفاذ أكثر مما فيه. فالنقد إذا ما حاول تجاوز التحليل والتفسير والتقويم والحكم، فإنه لا يصل إلى أبعد من ربط النص بمجتمعه أو مبدعه أو مقارنته بغيره ووضعه في سياقه من تاريخ الأدب، أما دراسة الابداع فإنها تتجاوز ذلك كله إلى النظر في العملية التي أنتجت النص، بما في تلك العملية من أبعاد نفسية واجتماعية وتاريخية وثقافية، وهي تسعى إلى تكوين رؤية شاملة، تكشف قوانين عملية الإبداع، وشروطها، ودوافعها، ومستوياتها، ودرجاتها، من أجل التحكم بها، والتدريب عليها، والإعداد لها. وهذا ما نحاول قراءته في هذه الرواية عندما تتجاوز الصحراء إلى السهول ستجد كل ما صدمت به عيناك لا يعدو أن يكون عنوانا أراد له صاحبه أن يكون شكلاً للتعبير عن مكنوناته بصوت الراوي العليم في رواية تتداخل بها ذات الكاتب بالسيرة الشخصية لعمرٍ افتراضي لعربي نبذته الجذور والفصول والحدود.
يقدم علاء الجابر الرواية بمقول شامله” كتبتها كما قرأتهم.. كتبته كما عرفته.. من منا يدرك من يكون؟” هكذا هو علاء الجابر الناقد والصحفي والكاتب المسرحي يؤكد بما لا يجعل مكانا للشك أن العملية الإبداعية في روايته قائمة على تجربة وقياس بغض النظر عن من عايشها وأوصلها إليه “أحيانا نختار طرقنا فتخذلنا وأحيانا نتركها للصدف فتنصفنا”.. مؤلفات علاء الجابر للأطفال وعشرات الأغاني والأوبريتات والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، تجربة ثرية تتدفق في الكثير من الاحالات والإطرادات السردية التي تقدمها هذه الرواية التي تنتمي (لخفة الظل) رغم سوداوية الموقف التي تعالجه، وهي بذلك تصنع التشويق والابهار لك أيها المتلقي الذي ستنخدع حتما بقصد أو بدونه بكاتب متمكن من صنعته وأدواته الإبداعية.
فبعد الإهداء لزوجته الناقدة الدكتورة سعداء الدعاس، يُعرج علاء بجملة إلى ملهمته عمته (نجمة عبدالله الجابر) التي نرى ظلال شخصيتها حاضرة بقوة على كاتب مرهف المشاعر يتدرج في غبر أسرار الطفولة، والتي هي أحد مفاتيح المفارقات التربوية التي يضع لها الكاتب قدرا كبيرا من صنعته وخلاصة تجربته في الكتابة للطفل، وهي المرحلة الأخطر إبداعيا إن لم يكن هناك فهما وقياسا للعمر الطفولي الذي يتم فيه مخاطبة هذا العجين الذي سيتشكل مبدعا حقيقيا في جسم الأوطان، ويعيش علاء معه وبه الزمن الواقعي بتأثير المكان والشخصيات، فها هو يقول لعمته في همسٍ ” لروحك التي عاشت نخلة، تملأ الأحواش رطباً، تقينا شمساً، تمنحنا ظلا.. تطوقنا بعثوقها. لولاك ما أينعت كلماتي”
العلاقة بين المكان الجاف ديمقراطيا، والآخر الممطر إنسانيا، هي علاقة طردية في عنوان الرواية (هولندا لا تُمطر رطبا)، ومستحيل تحقيقه واقعيا، فبلاد التمور معروفة، والرطب والمطر ليس صديقين في البيئة ولا يلتقيان إلا نادرا، وإن حصل صدفه نزول المطر في فصل الرطب والصيف، فمعناه أن يكون موسم جني الرطب ليس كثيرا لان نزول المطر يساعد على تساقط الثمرة من على النخيل التي تحب الجو الحار لينضج الرطب عليها، وما يقدمه علاء الجابر حسب أحداث الراوي العليم هو رمز في العنوان لمعاني أكبر في مفرداتها التي تمثل الهجرة، الاعتقال، التعذيب والاعتداء، الإصابة، استشهاد عزيز، الفاقة والحاجة فهي ليس مفردات تحمل مراثٍ وبكائيات فقط بل تقف أمام الضد في مقابل بلاد المهجر التي تعولُ على إنسانية القادم وعلمه وخبرته كي يتقدم للحصول على الجنسية في بلاد المطر – الذي ينزله الله رحمة ـ .
تميز العمل الروائي (هولندا لا تمطر رطبا) بكثافة عدسة الكاميرا، ودرامية الاحداث وبنائها النصي، والايقاع الموسيقى للمعاني والكلمات التي تجعل من المتلقي والقارئ لهذه الرواية يعيشُ حسا موسيقيا وشاعريا بليغا، بعد تطواف شخصيات علاء الجابر في زمن مرتد وعكسي من والشخصية الراوية كبيرة في السن وهي تصارع في الحصول على الإقامة والجنسية الهولندية ” بين أجساد تُشع احمرارا، أحشرُ جسدي الحنطي في بهو المبنى الضخم لبدلية مدينة (دن هاخ)، أراقبُ عيون المارة بُمقلها الزرقاء والخضراء، أقارن بينها وبين وجوه أخرى ملونة لأصول عربية، أفريقية، وآسيوية… جميعها جاءت من مكان بعيد أملاً في ورقة صغيرة، وروح كل واحد منهم تهذر: هل أصبحتُ هولندياً الآن؟!” إلى مرحلة الطفولة في النصف الثاني من الرواية التي يخصصها الكاتب للتذكُر بأحول مرة بها شخصياته ” بعد سنوات من الآن سأعود كما سائح إلى نفس المكان الذي التقط دهشة طفولتي الأولى. المكان الذي ارتعش به قلبي لأول مرة.. خوفاً.. حباً… حزناً.. أبحثُ في الشوارع التي مشيت، الجدران التي لامستُ، البشر الذين عرفتُ، الحكايات التي كتبت، فلا أجد منها غير نتفٍ ممزقة من بقايا لعبة تم تقطيعها لمئات قطع متناثرة”.
إن الصور التي يرسمها الراوي رغم خيال بعضها وصدق واقع بعضها عن بلاد المهجر ونعيمها إلا أنه سرعان أيضا ما يمسح هذه الصورة في مفارقة كتابية بما ينتظر كل شخص ” حين قررتُ الهجرة إلى هولندا.. اعتقدتُ أن تلك المنطقة الباردة ستجمد ذكرياتي، أو ربما تنال من انتماءاتي، كنتُ أبكي كل ليلة، رائحة المكان، وجوه الأحبة، طعم النجاح الذي كان يهدهدني في جريدتي”. فالغربة هي قطعة من نار كما يصفها المغتربون عن بلادهم وخصوصا الذين اضطروا الى الهجرة والبعد عن الأهل والأصحاب والأماكن التي تشتعل بها الذاكرة العربية من المحيط للخليج.
أسقطت الشخصية القيم التي يتميز بها كل مبدع في الخارج، وكيف يتم تقدير ما اكتسبه من معارف وخبرات على حياته الجديدة القادمة فها هو يقول” لم أكن أتصور أن الكتابة ستكون وسيلتي نحو ذلك الاستقرار الهولندي الآمن.. لم أكن أدرك أن هناك من يقدر الجهد الذي لم اقدره أنا شخصياً. أراقب انطباعات الموظف الهولندي الوسيم وهو يقرأ سيرتي الذاتية، وأتساءل ما الذي اثار إعجابه بالتحديد! اكتشفتُ أن اهتمامي بثقافة الطفل أكثر ما جعله يتمتم بكلمات هولندية معشقة بـ (الخاءات) ـ ما يميز اللغة الهولندية – . بفضل سنوات العشق بيني وبين قصص الأطفال، أغانيهم، خاصة مسرحهم، طرت باتجاه أمستردام، بلا عراقيل”. هذا الكشف عن مكتسبا وخبرات الشخصية/ صورة مقربة للراوي العليم وما يتمتع به أصلا من تجارب كتابية للأطفال وعروض مسرحية مؤلفة.
وفي ملمح آخر من مفارقات الاستكشاف للمكان الجديد هذا الحوار الذي دار بين الحكاء وعجوز عراقي تصادف به في محطة القطار ” أجلسُ على كرسيّ فَرَغَ لتوه في محطة الباص حيث أنا، أضع يدي على وجهي اتقاء المطر الهولندي المنهمر، كأن السماء تسكبه من دلاء معلقة.. يحدثني عجوز عراقي: ذلك غضب من الله يا ابني، ثلوج وأمطار.. كل هذا غضب، شوف محلات الفساد بذلك الشارع، شلون ما يغضب عليهم الله؟!!. أجيبه مبتسماً: وما هو تفسيرك للشمس الحارقة، والغبار الذي دثر حتى أرواحنا في بلادنا، يا حجي؟”. يلوي العجوز وجهه وينظر للجانب الآخر من الشارع في تصوير بليغ يقدمه علاء الجابر لنسبه كل شيء يقع على الغرب وبلادهم بأنه عقاب من الله رغم يقينا الداخلي إن المطر بحد ذاته هو نعمه كبيرة فلولاه ما نبتت وعاشت الزراعة وظهرت الأنهار كدجلة والنيل وغيرها.
ومع كبار السن صورة متقاربة مباشرة يقدمها الجابر خلف النقاش الذي دار بينه وبين العجوز العربي ولكن هنا في مفارقة أخرى لعجوز هولندية هذه المرة ليعكس الفارق بين السلوك الأول والتصرف الثاني، إذ يذكر موقف العجوز الهولندية التي اتصلت بالشرطة ” حين صفع جارنا المغربي طفله لإلحاحه المزعج. لم يكن اتصالها رأفة بالطفل، بل حرصا على قوانين تجرأ ذلك المهاجر على اختراقها، وهو الذي لم يعتد على وسيلة أخرى للحوار مع طفله، عدا صفعة دمرت كيانه للأبد، وأسَرتْه بالحزن هو وزوجته بقيت حياتهما بعد أن قررتْ الحكومة الهولندية أخذ طفلهما حفاظا عليه من العنف الجسدي” ويخرج الكاتب بنتيجة حول المغتربين والاجيال التالية لهم مفادها ” وحدهم الأطفال يحققون حلم الاندماج في تلك المجتمعات، ويضمنون كسب امتيازات تتحقق لكل طفل يولد على تلك الأرض، دون أن يسأله أحد: من أين جئت؟!.
في اللقطة الثانية عشرة من الرواية يقدم علاء الجابر نموذجا مختلفا للمفارقة التي يتربى عليها الأطفال والسلوك والمعاملة التي يقدمها الآباء لأبنائهم دون اكتراث بما سيحصل لهذه البراءة في (بيئة الرطب) ” حين انشقت الأرض أمام سيارتي (اللانسر)، لتظهر أمامي سيارة (بيجو بوكس). لم يكن بد من عقاب سائقها على اختراقه الشارع الرئيسي قادماً من الرصيف الترابي، غير أن وجوه الأطفال التي تكدست بها السيارة أجبرتني على تفادي الحادث لتطير سيارتي في الهواء”. ليدخل الراوي بعد هذا الحادث أجواء المستشفى والحالات التي تحدث في المستشفيات من تشخيص غير دقيق، لإجراء عمليات لا يحتاجها المريض أصلا، لحالات استثنائية يدخل فيها المريض إلى الموت سريريا. ينتقل علاء إلى مفارقة سردية أخرى في غرفة العناية لقصة حدثت مع شخصيته بالمستشفى لجارته المريضة نفسيا، والتي هجمت عليه في سريره ليلا ” يومان مرا على حادثة اقتحام (مليكة) سريري، حين فزع المشفى بعد منتصف الليل على أصوات ضجة تنبعث من جناحنا وتملأ أرجاء الممرات بالصراخ”. هذه اللمسة والمسحة التي يستنبطها علاء من المستشفى وقعت حقيقة وقرأنا عنها صحيحة في إحدى الصحف، ولكن توظيف الكاتب هنا له بعد انساني وانتصار لحقوق المريض، ولكن تعاطفا كبيرا يقدمه الكاتب من خلال سرد معاناة (مليكة) وعدد من النساء في حوادث مختلفة وقضايا متعلقة بالختان وجريمته، ومعاملة الأزواج رغم تشدقهم بالإسلام، والتي للأسف الكثير من هذه السلوكيات والقيم الإنسانية يتم تفسيرها بطريقة المصلحة دون مراعاة للاختلاف في الثقافات والبيئات مما ينعكس سلبا عن القيم العالية للمجتمعات المسلمة.
علاء الجابر بانتقاله بالأحداث لبيئة الصحراء يقدم نماذج كثيرة على علاقة المكان بالإنسان واحترام حقوق المواطنة ويدخل في تفاصيل الاسترجاع لمرحلة الشباب وكيف بدأت الشخصية تتفتح على الحياة في بيئة متواضعه وبين الولادة واستمرار مرحلة الطفوله هناك لقطات كثيرة ومفارقات كبيرة على الرغم من واقعية حدوثها فإن الخيال الرحب الذي يتمتع به علاء يجعل المسحة الكوميدية لا تغيب عن معظم المطاردات البوليسية والمراهقة الشبابية والطموح الذي بدأ يتشكل في الجريدة، وكيف بدأت المعجبات تلاحقه؟ وكيف قامت أحدهم بجنون بلصق نفسها ومراقبته والتلصص على خصوصياته الأسرية؟ وكيف اقتحمت شقته؟ وفي المقابل يسرد الكاتب الفرصة المتاحة للشخصية والاستغلال الضعيف لهكذا قدرات شابة، جميع هذه المعاني حملتها مفارقات تنوعت بين اختلاف وجهات النظر والسلوك وتقدير لعواقب الأمور.
في الختام تُعد رواية (هولندا لا تُمطر رطبا) ثمرة من ثمار التجربة والخبرة التي يقدمها أحد الأقلام الجادة، وصاحب التجربة الكتابية والنقدية الكاتب علاء الجابر، الذي يُحسن بدون تطويل ولا مباشرة في وضع القارئ أمام الصور التي تتساقط عليه كلعبة الدومينو من مرحلة الاغتراب إلى المنشأ، وكيف هي هولندا البلاد الخضراء المليئة بالفرص وتساقط المطر المستمر؟! والتي لا يوجد فيها النخل وثماره الرطب والذكريات والمكان المنبت، الذي يمثل الجذور والأصل للفرع العربي المغترب دون إرادته في مفارقة ختامية في جرف الشوق وحنان الشخصية للأمكنة الأولى ” يبقى ملاذ الطفولة الأولى يدغدغني كلما داعبتْ عيناي صور شط العرب…. الأماكن .. الشوارع.. المباني .. لم تعد كما كانتْ، وحدها الآلام والأحزان والذكريات تظل عالقة في مكان ما، توخز قلوبنا، تخدش أرواحنا، تجبرنا على النحيب، كلما شعرنا بالوحدة والغربة.. وما أقسى الوحدة حين تجتاحنا ليلا ونحن ننام في حضن الوطن بأرواح تردد: الشوارع ليست للإقامة.. للعبور فقط، والتسكع أحيانا”.

هوامش :

-أحمد محبك، قراءة الإبداع في صحيفة بشر بن المعتمد، علامات في النقد، نادي جدة الأدبي الثقافي،1996م،ص 133
- هولندا لا تمطر رطبا، علاء الجابر، دولة الكويت، 2011، ص 1
- المرجع نفسه، ص 249
- المرجع نفسه، ص 6
- المرجع نفسه، ص 20
- هولندا لا تمطر رطبا، ص 24
- المرجع نفسه، ص 25
- المرجع نفسه، ص 27
- المرجع نفسه، ص 35
- المرجع نفسه، ص 61

إلى الأعلى