الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تدفُّق السَّرد في مجموعة “استراق” لعبدالحكيم عبدالله

تدفُّق السَّرد في مجموعة “استراق” لعبدالحكيم عبدالله

يتدفق السّرد تدفقا غير عادي في مجموعة الكاتب عبدالحكيم عبدالله الصادرة 2013 عن دار مسعى للنشر والتوزيع في المنامة بمملكة البحرين بدعم من النادي الثقافي عبر البرنامج الوطني لدعم الكتاب، رغم أن عدد صفحات المجموعة لم يتجاوز 58 صفحة غير أن هذا التدفق لا يعني بالضرورة الكم؛ إنما ركز الكاتب على الكيف في لي نصوصه ليّا، واستطاع بحرفة فنان ونحات ماهر أن يشكِّل خصر الأنثى الجميل والمرغوب في قصص المجموعة التي وصل عددها 11 قصة، فكانت البداية: ” قصة الرجل الذي لا يريد أن يموت، العرض، المصافحة، استراق، قهوة مرة، المعبيلة ليس فيها بحيرة بجع، شغل، القصة الكاملة في عينيها، التعبير، الدليل، الريب”.

إن الكاتب عبدالحكيم عبدالله واحد من القلة الذين يشتغلون بالفعل على مبدأ الترادف والأضداد في السرد، وهما من يعطي صورة من صور المعاناة الإنسانية في كل جملة من جمله، إنه ترادف للجمل ليصل بالقارئ إلى العمق من خلال التفاصيل الدقيقة وأضداد تجعل القارئ يحيط بالمشهد وتفاصيل الصورة الدقيقة من كل الجوانب، فهو لم يخل بالجملة وينسجها نسجا جميلا، والتدفق الذي يحيلنا إلى الترادف والأضداد في آن واحد نقصد به التناسل في السَّرد حيث ينمو الحدث تدريجيا، وهذا يحيلنا إلى العنوان “استراق” المجتمع فيه حاستان وهما السمع والنظر وهما يختلسان المشهد ويقتنصان الصورة الدقيقة بعدسة متناهية في الدهشة والجودة والرصانة والإبداع، إنه بحق تنام يحتاج إلى قارئ يتقن فن القراءة بإمعان تام وإلا سيجد الصورة البسيطة الباهتة لو لم يغص في الأعماق ليتأمل ويسترق بسمعه وبصره كل الأحداث المتدفقة في قصص عبدالحكيم عبدالله.

إننا ونحن نحتفي بهذه المجموعة القصصية الجميلة نعرِّج إلى قصة العنوان ذاته “استراق” كأنموذج لنحاول اختلاس الصورة القصصية ورصد التدفق من خلال سطورها، وجملها التي هي الأخرى استرقتنا دون أن نشعر ونحن نقرأ تفاصيلها الجميلة: “في الزاوية اليمنى من غرفة الانتظار في المستشفى وقرب النافذة الكبيرة الواسعة، تجلس امرأة شابة شاحبة” استراق، ص27 لنلاحظ التدفق في الوصف عندما يحدد المكان وهو الزاوية اليمنى من غرفة الانتظار وفي المستشفى ولم يكتف بذلك بل وصفها تحديدا قرب النافذة وحددها أكثر الكبيرة وزاد في تحديدها الواسعة وكذلك امرأة ولم يسكت بل وصفها بدقة أنها كانت شابة وزاد في دقة العدسة التي تسترق النظر أنها شاحبة، حيث ربط وجودها في المستشفى بالشحوب ليعلن للقارئ مباشرة أنها لم تأت مرافقة إنما جاءت بنفسها لأنها شابة أولا ولأنها شاحبة ثانية وهو دليل مرضها..!. ثم بدأ بإطلاق أعيرته النارية على القارئ برسم صورة من النفي لوضعية تلك المرأة: “دون مساحيق تجميل في وجهها. لا تتحرك، لا تهز قدمها، لا تلتفت، لا تحرك رأسها، لا تومئ، لا تفرقع أصابعها، لا تنظر إلى النافذة، لا تستجيب لحركة الداخلين، والخارجين، لا تتأثر بمشاغبات الأطفال، لا تشرئب بعنقها عند مناداة الأسماء لتسمع اسمها، لا تترقب، لا تتنحنح، لا تكح، لا تتنهد، لا تمسك بيدها أية ورقة أو بطاقة، لا تحمل حقيبة ولا قلما ولا مفتاحا، لا تضع خاتما في أصبعها، … نعالها بلا لون ولا نقش ولا إضافات مزينة، عباءتها قماش أسود داكن، ليس فيها خيط زائد ولا خرزة ولا خياطة أساسية لأطرافها أو خياطة تكميلية مطرزة” ، فهل يبقى قارئ بعد هذا الطلق الناري المباشر المستخدم فيه أسلوب النفي لم يمت وهو يقرأ هذه القصة المدهشة ليحيا مع المعنى ويعيش مع المغزى؟!.

إن هذا التدفق في السرد عند الكاتب عبدالحكيم عبدالله أعطى تدفقا آخر للمعنى عندما أصابه النعاس في قصة “استراق” وهو يقرأ البطاقة الصحية التي يحملها في يده؛ ثم انتفض مذهولا محرجا ليجد مكان الفتاة خاليا فأين اختفت الفتاة وهي لم تدخل عند الطبيب ولم تنادِ الممرضة على أسماء أخرى؟!. ليتغير المشهد القصصي من حالة إلى حالة أخرى تماما كتحول الطاقة من حالة إلى أخرى: ” نهضت من مكاني وخرجت نحو دورات المياه لأغسل وجهي من النعاس. وحين كنت أمشي في الرواق الطويل فكرت أن الأمر لو كان قصة أو فيلما لحدث الآن شيء فيه غرابة وغموض، كأن أشاهد أثناء مروري في هذا الرواق امرأة لافتة بعباءة سوداء تظهر عينا واحدة فقط وتحدق فيّ، وحين أرتاب من نظرتها أدقق في عينها، أكتشف أن عينها مضيئة بلون أحمر مما يصيبني برعب شديد. ولكن لم يحدث هذا، بل كان الناس يمشون في هدوء وسلام”. استراق، ص30

ثم يعاود الكاتب في ختام هذه القصة جعل المعنى متدفقا عندما يسرد لنا حدوث ما كان يخاف منه أن يحدث وهو في دورات المياه، ليجعل القارئ مندهشا من النهاية ويعيد حسية الأشياء متسائلا ما الذي حدث؟!. وهل كان وهما أم حقيقة؟!. هل من يخاف من شيء فعلا يحدث له؟!. هل تصور بعض الأشياء أنها تحدث يجعلها تحدث بالفعل؟!. أم أن النعاس ذهب به مذهبا ليغط في سبات عميق فهو لم يفق أصلا من نعاسه فبدأ يسرد لنا ما حدث له في الحلم؟!. إذن كيف حدث هذا وكيف يمكن أن يحدث؟!. إنها النهاية المفتوحة على تدفق غير عادي من التأويلات صنفها الكاتب لنا ليقول لكل القراء أن القصة المدهشة هي فقط من تستحق أن تولد وتعيش؛ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض: ” وقبل أن أغادر مكاني رفعت بصري ونظرت إلى إطار المرآة العلوي حيث خيط دقيق من مادة سوداء بدأ ينبجس ليتحول إلى سائل أسود يتشكل في أعلى زجاج المرآة، لم أتحرك من مكاني بل بقيت محدقا في حركة هذا الظلام السائل. ازداد سيلان السائل الأسود وصار كإفراز الصديد الغليظ مع ظهور فقاعات صغيرة فيه ترتعش باضطراب شديد كأنها تغلي، وحين أحسست برذاذ لزج يرش وجهي بدأت بالتراجع للخلف، اصطدم ظهري بالجدار فتجمدت في مكاني وأنا أشاهد السائل الأسود الغليظ ينسكب مغطيا المرآة تماما”.

إن الكاتب وهو يسترق السمع والنظر في قصة “استراق” حاول أن يوظف الرعب أو الرهب أو فيما يعرف بالفوبيا: ” وهو مرض نفسي يعرف بأنه خوف متواصل من مواقف أو نشاطات معينة عند حدوثها أو مجرد التفكير فيها أو أجسام معينة أو أشخاص عند رؤيتها أو التفكير فيها، هذا الخوف الشديد والمتواصل يجعل الشخص المصاب عادة يعيش في ضيق وضجر لمعرفة بهذا النقص، ويكون المريض غالباً مدركاً تماماً بأن الخوف الذي يصيبه غير منطقي ولكنه لا يستطيع التخلص منه بدون الخضوع للعلاج النفسي لدى طبيب متخصص” الموسوعة الحرة، المعجم الطبي الموحد، Bourne، Edmund J. (2011). The Anxiety & Phobia Workbook 5th ed. New Harbinger Publications. صفحات 50–51. وذلك عندما حاول أن يسرد لنا النهاية بتدفق مرعب يشد القارئ تماما، هذا التدفق السردي قل أن يوجد إلا عند كبار الكتَّاب، حيث المشهد سينمائي بحت غلب عليه الموقف الدرامي التمثيلي واصطبغ بالخوف والقلق والرعب قال الكاتب: “وقبل أن أسترد أنفاسي، فجأة شاهدت في وسط سواد المرآة التماعة حادة من ضوء أحمر فاقع كالدم، ارتجف الضوء قليلا ثم أخذ يختفي ويظهر، ثم يختفي ويظهر بصورة متكررة، إلى أن أدركت بأنه عين امرأة حمراء دامية تغمض وتفتح وسط الظلام السائل وعتمة غرفة الحمام”. استراق، ص31

ناصر الحسني

إلى الأعلى