الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جائزة كتارا للرواية العربية تناقش “الرواية ووعي الكتابة التجريبية” و”آفاق السردية وتنوع الشكل” و”بلاغتها وتخييل الخطاب”

جائزة كتارا للرواية العربية تناقش “الرواية ووعي الكتابة التجريبية” و”آفاق السردية وتنوع الشكل” و”بلاغتها وتخييل الخطاب”

في تجربتها الأولى التي حملت شعار “للرواية حق التكريم” في الدوحة
سعيد يقطين: الدراسة الأدبية العربية لم تفكر في الأدب من منظور علمي، وكذلك الأمر بالنسبة للمبدع !
معجب العدواني: تعلق النص الروائي العربي بالتراث كنوع من الخوف من أن يُنظر إلى الرواية أنها ميراث غربي
لطفي اليوسفي: تشبث الرواية الواقعية بالواقع لتنقله نقلا أمينا، تصبح مهددة بالسقوط في نوع من التسجيلية
عبدالرحمن أبو علي: الرواية العربية أصبحت تماثل الرواية العالمية.. فقط ينبغي الانتباه إلى هذا
أحمد حاجي صفر: وجوب الاشتغال أكثر ببلاغة الرواية العربية؛ وضرورة إدراج الخصائص السيميائية ضمن الدراسات الأسلوبية
محمد مصطفلى سليم: الفتنة بشعرية اللغة كانت السبب الأرجح في إثقال كاهل المحاولات التجريبية الأكثر معاصرة
امتنان الصمادي: إسهام الكاتبة العربية في سياق الأدب النسوي كان جيدا من حيث كسر التابوهات
عماد عبداللطيف: يتقاطع مفهوم السرديات الكبرى مع مفهوم الأنساق التاريخية أو الفكرية أو الدينية أو الاعتقادية التي تصوغ رؤية شاملة للعالم
حبيب بوهرور: العتبات والنصوص الموازية بمثابة خطابات مضمرة ومعلنة تسهم في تأسيس نوع من وسائط المثاقفة
محمد الشحات: إفراز الرواية العربية الجديدة تمثيلات شتى للهوية يعكس وعي الروائي العربي المعاصر بأزمة الهوية

متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي :
طرحت جائزة كتارا للرواية العربية الذي نظمتها المؤسسة العامة للحي الثقافي “كتارا” بالدوحة والتي اختتمت مؤخرا ضمن برنامج ندوات الرواية العربية مواضيع مهمة منها “الرواية ووعي الكتابة التجريبية” ، و”الرواية آفاق السردية وتنوع الشكل” ، و”بلاغة الرواية وتخييل الخطاب” حيث شهدت الندوات حضورا كبيرا من الروائيين الفائزين والمهتمين والإعلام من مختلف أرجاء الوطن العربي ..

بدأت الندوة الأولى بعنوان “الرواية ووعي الكتابة التجريبية” وشارك فيها الناقد المغربي الدكتور سعيد يقطين، الكاتب والناقد السعودي معجب العدواني، فيما أدار الندوة الكاتب والروائي القطري الدكتور أحمد عبدالملك ، وكان أول المتحدثين الناقد الدكتور سعيد يقطين الذي أشار إلى أن السرد الروائي وفضاء التكنولوجيا يستدعي الكثير من التفكير والعمل والنقاش في إطار تجربتنا الروائية العربية، من أجل الارتقاء بها لمستوى أعلى.
ورأى “يقطين” أنه لا يمكننا الحديث عن التكنولوجيا دون ربطها بالعلم، إذ ينقصنا في تجربتنا العربية الأخذ بأسباب العلم سواء في التفكير أو في التكنولوجيا في إطار الممارسة، لافتا إلى أن الدراسة الأدبية العربية لم تفكر في الأدب من منظور علمي، وكذلك الأمر بالنسبة للمبدع، مشددا في الآن ذاته على أن أي إبداع هو صناعة بما يقتضيه من التمكن من مستلزمات هذه الصناعة.
وقارب الدكتور سعيد يقطين علاقة الأدب بالتكنولوجيا من منظورين مختلفين أولها عوامل التكنولوجيا باعتبارها موضوعا للسرد، إذ تصبح المنتجات التكنولوجيا جزءا من المادة السردية التي يشتغل بها الروائي، مشيرا إلى أن هذه المسألة قديمة قدم الإنسان، على اعتبار أن التكنولوجيا ماهي إلا تطوير لأدوات الإنسان وحواسه ومدركاته من أجل التفاعل مع العالم الخارجي.
إلى ذلك، ذكر “يقطين” أنه في العصر الحديث، مع التطور التكنولوجي منذ الثورة الصناعية إلى الآن، نجد أن استخدام التقنيات الحديثة في السرد تطغى في الإنتاجات الروائية الأوروبية، خصوصا روايات الخيال العلمي.
أما المنظور الثاني فهو اعتماد العوالم السردية مستثمرة التكنولوجيا لتقديم العوالم السردية التكنولوجيا باعتبارها وسيطا من الوسائط التي تضمن التفاعل بين المبدع والمتلقي حول موضوع معين. وفي هذا النطاق، عرج المتحدث على مراحل تاريخ البشرية بدءا من “الشفاهة” ومرورا بالكتابة ثم الطباعة والرقانة.
إذ في مرحلة الشفاهة كان استعمال الصوت الطبيعي جزءا أساسيا من ممارسات الراوي، فضلا على أن ازدهار الوراقة في الثقافة العربية كانت عاملا أساسيا في تقديم الأعمال الأدبية، وبالأخص في الأعمال السردية مثل المقامات و”كليلة ودمنة”، ثم استثمار الخط. وفي مرحلة الطباعة، ذكر “يقطين” أن ذلك ساهم في توطيد العلاقة بين الأثر السردي والقارئ، مما أدى إلى ظهور أنواع سردية جديدة وتطوير أنواع قديمة.
وفي المرحلة الأخيرة “الرقانة” انتقل الإنتاج السردي إلى مراحل لم تكون متوافرة من قبل، حيث أن الإنتاج السردي أصبح يتوفر على كل ما سبق، ليخلص إلى أنه في الحالتين معا، أن السرد كان يقوم بدور كبير في تمثيل رؤية الإنسان للعالم بحس جمالي، فضلا عن التعبير على القلق الإنساني باعتباره يشكل بعدا من الأبعاد المعرفية للإنسان.
ونوه “يقطين” إلى أن هذا التجريب دائم ومتواصل، معتبرا أن السرد هو تجريب لأدوات وتقنيات الكتابة لتتواءم مع العصر المعرفي الذي توجد فيه من أجل تطوير أساليب المتلقي وتجاوز إكراهات الوسائط والتأثير في المتلقي والارتقاء به لمستوى أعلى، حيث تمت الاستعانة بالصور وكتابة النص من خلال شطرين أو استخدام الأشكال والتعابير المختلفة (رسومات) وتقسيم فصول الروايات، حيث ظل الكاتب يحس أنه أمام إكراهات متواصلة، وتجاوز هذه الإكراهات لن يكون إلا باستخدام التكنولوجيا.

آفاق التجريب
وقدم الناقد والأديب معجب العدواني ورقة بعنوان “الرواية وآفاق التجريب السردي”، منوها أنه يميل أن يكون عريضا، محاولا معالجته من ثلاثة أبعاد، الجانب الكوني للرواية باعتبارها جزءا من المنظومة الكونية، هذا الجنس الروائي والبيئة التي يمكن أن يقدم فيها الروائي ما يريد يتصل بالسؤال: ملامح التجريب السردي في الجنس الروائي العربي.
وذكر “العدواني” أن هناك سؤالان عجز عن الإجابة عنهما، معتبرا إياهما مشروعين: هل استجابت الرواية العربية لمبادئ التجريب فعلا؟ أما السؤال الثاني فاعتبره المتحدث أكثر جرأة ومفاده: “هل ترفض ثقافتنا مبدأ التجريب في الرواية، ليحاول بعد ذلك، تلمس خيوط بعض الإجابات.
وقال الناقد معجب العدواني، إن لكل رواية شكلها وتيمتها الخاصة بها التي تميزها عن غيرها من الروايات، حيث إن الرواية تعد جنسا أدبيا مفتوحا على حوار دائم ولا سيما مع الأجناس الأدبية الأخرى. وأن هناك روايات وليس رواية، حيث إن الرواية بعيدة عن باقي الأجناس الأدبية وأن باختين وصفها بـ”الجنس الأدبي الذي لم يكتمل بعد”، وهي بذلك في منطقة الحقل الفارغ.
وأشار “العدواني” إلى أن أهمية التجريب تتعلق بمسألة أن الرواية تسهم ليس في إنتاج ذاتها فحسب، بل في خلق النظريات النقدية المعاصرة، وهو ما حدث في الرواية الغربية، التي كان لها إسهام في خلق التنظير للتيارات النقدية المعاصرة، وما يزال لها هذا الدور إلى وقتنا الحاضر.
وفي القسم الثاني خصص “العدواني” ورقته حول دواعي التجريب في الرواية، وهل كانت هذه الدواعي في خلق الموانع أيضا. وقال إن الرواية الغربية هي المهيمنة بمشاهيرها، وكان لها عامل ضاغط على الرواية العربية، فضلا على أن الميراث الكلاسيكي والموروثات السردية في ثقافتنا العربية، كان عاملا في تشكيل الرواية العربية، والعامل الثالث، ويرتبط بالتقلبات السياسية والاقتصادية، وآخر يرتبط بوجود تيارات مناهضة للرواية، ووجود بيئات تشجيعية للرواية، ومن ذلك، وجود عدد من الجوائز المخصصة للرواية.
وقال “العدواني” سنلمح أن وجودنا هو البحث عن الرواية التي حققت الجانب التجريبي الأهم وهي التي ستفوز بالتأكيد. إلى ذلك، أشار المتحدث إلى العديد من الروائيين اتكأوا على التاريخ من قبيل المقامات وهو ما اعتبره بتعلق النص الروائي العربي بالتراث كنوع من الخوف من أن يُنظر إلى الرواية أنها ميراث غربي، لافتا إلى أن معظم الجوائز في الوطن العربي غالبا ما تمنح للأعمال الروائية التاريخية مما يجعل الروائي والقارئ لديهما شعور أن التاريخ أكثر أمنا من الواقع. أما ملمح استخدام الجانب الرقمي في كتابة الرواية، كان في بدايته منطلقا مما يصطلح عليه بـ”الفولوتون” (نشر روايات منجمة)، مع وجود تجديد في تيمات يطرحها مبدعون عرب. ليبقى السؤال الأهم: “هل الرواية العربية خلقت أجندتها الخاصة بالتجريب أم لا؟

آفاق السردية

وحملت الندوة الثانية عنوان “الرواية .. آفاق السردية وتنوع الشكل” والتي أدارتها الدكتورة حنان الفياض حيث بدأت الندوة بالناقد والأكاديمي التونسي والأستاذ بجامعة قطر، لطفي اليوسفي الذي اتخذ لمداخلته عنوان: “روايات عربية في دروب التيه: قراءة في محنة البحث عن آفاق سردية جديدة”، ملاحظا أن الروايات مأخوذة إلى حد الهوس بالمنجز الفني الذي حققته الرواية العربية منذ نجيب محفوظ، وتهفو إلى تخطيه وتجاوزه، لارتياد آفاق جديدة لا عهد للرواية العربية بمثلها. لذلك احتمت بالتاريخ حينا محاولة أن تبتني رواية تاريخية جديدة، وانشدت حينا آخر إلى الراهن العربي ووظفته متلمسة الدروب المؤدية إلى واقعية جديدة ممكنة أو محتملة، وكثيرا ما تلفتت إلى الشعر فوظفته، لتتستر عن وهون البناء السردي، وكثيرا ما احتمت بمنجزات الرواية الأميركية اللاتينية واستلهمت منجزها الفني وتلفتت إلى أفانين السرد العربية القديمة، فيما المؤلف يتوهن أنه يؤصل طريقته في الكتابة، معتبرا ذلك بـ”هوس البحث عن آفاق سردية جديدة، وهو هوس رافق مسيرة السرديات العربية منذ ما يقارب القرن، بما يعني أننا لا يمكن أن نحيط بما أسماه “محنة البحث عن آفاق سردية جديدة” في هذه الروايات إلا إذا تم إعادة النظر ولو بإيجاز كبير في تجليات ما اعتبره الدكتور لطفي “محنة البحث” هذه، منذ بدايات تشكل الرواية العربية في بدايات القرن العشرين.
وأشار “اليوسفي” إلى أن نسق الكتابة يمثل، في حد ذاته، خروجا من مستوى المقترحات والحلول النظرية لأزمة الهوية ومحاولة جريئة للشروع في إنجاز المقترح عمليا من الواقع. وذكر أن هاجس البحث عن رواية تاريخية جديدة، هو الهاجس المسيطر.
ونبه المحاضر إلى أن تشبث الرواية الواقعية بالواقع لتنقله نقلا أمينا، تصبح مهددة بالسقوط في نوع من التسجيلية التي تعطل الفن وتحدّ من التوجه الدرامي الذي لا غنى للفنون السردية عنه.
وأثناء انتقال الأكاديمي التونسي للحديث عن الواقعية النقدية، استشهد بما قاله رينيه ويليك في “مفاهيم نقدية”، عندما عرّف الواقعية قائلا: “إنها التمثيل الموضوعي للواقع الاجتماعي المعاصر”، لافتا إلى أن التمثيل الموضوعي يقتضي من الكاتب إقصاء نفسه وعدم التدخل في مسار الأحداث بطريقة صحيحة أو بطرائق ملتوية.
وأوضح الدكتور لطفي اليوسفي، أنه منذ أن عمد الروائي الأمهر جابريـال جارثيا ماركيز في رائعته “مائة عام من العزلة” إلى تصوير عودة زعيم الغجر ميلكياديس إلى دنيا بني البشر بعد موته بحمى المستنقعات في كثبان شواطئ سنغافورة، صار العديد من الروائيين العرب يدفعون بشخصيات رواياتهم إلى لعبة الغياب هذه، غير عابئين بما في المسألة من محاكاة فاضحة، واقتفاء لأثر خطو الآخرين.

تطور الكتابة الروائية

وشارك الدكتور عبدالرحمن بوعلي بورقة معنونة بـ”نشأة الوعي وتطور الكتابة الروائية العربية”، لافتا إلى أنه لن يكون “بروكسيستيا” حتى يمارس عملية قتل النص، حيث أفصح أنه يريد أن يتعامل مع النص الروائي من جانب فيه الكثير من اللطف والتعامل مع هذا النص، مشددا في الآن ذاته على أن الرواية العربية مجال مهم، معلنا اختلافه مع الكثير من النقاد عندما يمارسون نوعا من التفكيك والتفصيل على النص الروائي العربي، مستشهدا في الآن ذاته، بما قاله الروائي الإسباني المقيم بمراكش المغربية، عندما تسلم جائزة الدون كيخوتي: “يؤلمني أن المثقفين الإسبان لا يقرؤون الأدب العربي”، إذ اعتبر ذلك شهادة من روائي أوروبي عالمي مستعرب. وقال إن الرواية العربية مرت بعدة مراحل، وهي معروفة، لكنها غير معروفة عند الروائيين ونقاد العقود الأخيرة. وذكر الدكتور بوعلي، أن رواية “زينب”، ليست هي الأولى، بل كانت مسبوقة بأخرى، وهو ما أسماه بـ”أصول الرواية” بدءا من رفاعة الطهطاوي والحلبي وغيرهما. ورأى أن “زينب” جاءت تتويجا لمرحلة عربية، وهو ما استند عليه في رسالته للماجستير وأطروحة الدكتوراه.
وقال الدكتور عبدالرحمن بوعلي، إن المرحلة الثانية هي “ما بعد التكوّن”، وهي المرحلة التي بدأت تخرج فيها نصوص تعبّر عن مجتمع عربي توّاق للحرية، منوها أن هناك تيارين: الرومانسي، وهو ما أطلق عليه “تيار الإنسان” الذبيح الذي يروم تحقيق الحرية، إذ سرعان ما ما جاء التيار الواقعي وبحكم الظروف التاريخية كان يميل إلى التوصيف.
إلى ذلك، دعا بوعلي إلى دراسة رواية التجريب من أجل استخلاص الخصائص وليس بتقطيعها “أي النصوص”.
أما المرحلة الثانية التي مرت بها الرواية، وهي مرحلة التشظي والانهيارات الكبرى، وقال: “بدأنا نشهد نصوصا روائية تعبر عن مآسي المرحلة التي نعيشها، موضحا أن الروايات التي تصدر إما تتناول الجوانب المأساوية في سوريا والعراق مثلا، داعيا إلى تأمل هذه المرحلة تأملا عميقا وهادئا. أما مرحلة ما بعد التكوّن فالتقت مع “المثاقفة” وتمثل الغرب، وهذه المرحلة تؤدي بنا إلى التجاوز ومحاولة تقديم رؤية لما يحدث.
وقال الدكتور عبدالرحمن بوعلي إن الرؤية في العالم العربي أصبحت تميل إلى المأساوية في المجتمع، وهو ما شبهه بالإنسان الإغريقي الذي كان يمشي وهو نائم .
وخلص المحاضر في ورقته أن الرواية العربية في وقتنا الراهن حققت تطورا كبيرا وأصبحت عالما مستقلا، ولم تعد تسجل الوقائع والأحداث، بل أضحت تقدم رؤية ولها بناؤها الخاص، ولا يصلها إلا من يستطيع أن يوقظ هذا النص متكئا على ما جاء به الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو.
وفي ذات الصدد، أوضح بوعلي أن الرواية العربية قدمت كل الموضوعات التي يمكن أن تفكر فيها، ولم تعد ممركزة وتفتت في المحيطات والهوامش، وأصبح الآن لدينا الرواية الخليجية وبها نصوص جيدة تستحق أن تُدرّس، لينهي حديثه بالقول: “إن الرواية العربية أصبحت تماثل الرواية العالمية.. فقط ينبغي الانتباه إلى هذا”.

بلاغة الرواية المعاصرة
وتحدث الدكتور أحمد حاجي صفر أستاذ اللسانيات واللغة العربية بجامعة قطر في ورقته المعنونة بـ” بلاغة الرواية العربية المعاصرة .. دراسة سيميائية أسلوبية لمفهومي الحقيقة والمجاز” عن مفهوم المجاز في الرواية العربية من منظور سيميائي، مقسما إياه إلى مجازين: أصغري أو ميكرويّ وأكبري أو ماكروي؛ حيث تناول الثاني الذي يقع في مستوى النص، ووحدته الصُّغرى هي التصويرةُ أو الشكل التصويري.
وبين الدكتور أحمد حاجي صفر العلاقة بين المجاز والصورة قائلا بأن الصورة التي لا تحتكم إلى مقاييس البلاغة التقليدية فقط، بل تلك التي تطورت وتوسعت مفاهيمها وتنوعت آلياتها الفنية والجمالية وتعددت معاييرها الإنتاجية، بفضل تطور أدوات الروائي ومعارفه الفلسفية والبلاغية واللسانية.
ولإيضاح المسألة “حاجي” بالتحليل تصوير الوطن في بعض الروايات العراقية مبيّنًا انتقال مفهوم الوطن الأصلي والوطن البديل من حيّز الحقيقة إلى حيّز المجاز ، وذلك من خلال خطوط السرد المتقاطعة، والتي تكاد تكون هي ذاتها مسارات السيمات التي بنت النصوص.
وفي الختام وجّه الدكتور احمد صفر دعوتين أكاديميّتين الأولى هي وجوب الاشتغال أكثر ببلاغة الرواية العربية؛ والثانية هي ضرورة إدراج الخصائص السيميائية ضمن الدراسات الأسلوبية.

شعرية السرد العجائبي
من جهته قال الدكتور محمد مصطفى سليم أستاذ النقد بجامعة قطر في مداخلته المعنونة “التخييل المخاتل وشعرية السرد العجائبي” ان تتبع مسار المتن السردي العربي عبر مراحل التطور المختلفة في بنى المجتمعات، يخبرنا بان الرواية العربية تنقلت، بإرثها الكبير الضارب في الماضي حكيًا وسردًا، الأمر الذي بدا وكأنه انفتاحٌ محدودٌ على التجارب النوعية التي يُسهم فيها التطور التكنولوجي إسهامًا فنّيًّا يستوجبُ المتابعة بالرصد والتّحليل، ولاسيما ربطه بتجارب واتجاهات ومذاهب على مستوى هذا الفن”.
وأبرز محمد مصطفى سليم ان الفتنة بشعرية اللغة كانت السبب الأرجح في إثقال كاهل المحاولات التجريبية الأكثر معاصرة؛ إذ لم تتخلص التجارب الروائية العربية، التي توسلت بالهايبر ميديا، من كلاسيكيات القص، وهو ما حدث مع محمد سناجلة في روايتيه “ظلال الواحد، و شات” ومع تجليات واقع الميديا في رواية أحمد العايدي “أن تكون عباس العبد” وغيرهما.
وأضاف لو خلّصناه من فضاء الإنترنت لوقفنا ـ أيضًا ـ على متن حكائي يحتفي بالموضوع الإطار، والحكاية الإطار، والبنية الإطار، وهو ما حدث مع “إسبريسو” لعبدالله النعيمي مع ما شابها من خلل بنائي أفقد العمل منطقيته وإقناعه وجاذبيته إذا ما قورن بالتغريدات إبان كتابتها عبر التويتر. ولعل الأمر نفسه مع تجربة محمد القس في “موعد مع الله” وغيرهما كثير.
وسجل الدكتور محمد مصطفى سليم ، أن في المشهد الروائي العربي، قدرًا كبيرًا من الكتابات الإبداعية الموغلة في مظاهر الشعرية، بناء على ما هو بادٍ من ممارسة فنية ترى اللجوء إلى الانزياح الصارم، والاكتناز الرمزي، والتكثيف التصويري وغيرها، مظهرا من مظاهر التجريب والتجديد في المتن الروائي نفسه.

تخييل الخطاب
وفي الندوة الثالثة والتي حملت عنوان “الرواية العربية.. بلاغة الرواية وتخييل الخطاب” والتي وأدارها الكاتب والروائي القطري جمال فايز طرحت الدكتورة امتنان الصمادي أستاذة الأدب والنقد بجامعة قطر في ورقتها بعنوان “الخطاب النسوي المعاصر ودوره في تشكيل الوعي”، مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل يمكن أن نرصد شكلا من أشكال نقد الخطاب الذكوري؟ وهل يتحول الخطاب النسوي المعاصر إلى خطاب معلن عن تجربة الوجود بقطع النظر عن تمييز جنسي بين الذكر والأنثى؟ وهل الهدف من الكتابة النسوية الرد على الخطاب الذكوري فلجأت المرأة الكاتبة إلى الجسد لرفض القيم الذكورية. أم هو محاولة لاسترداد حقوق مستلبة؟ وأوضحت أن ألوان الخطاب النسوي تتمثل في مراحل مركزية، خطاب اللاوعي المستسلم للآخر دون الخروج من عباءة الذكورة، خطاب متمرد خارج على الرجل والتابوهات معا، مواجه لمفهوم الفحولة، وداع إلى المساواة التامة والمجاهرة بالحاجات خاصة الجسد، خطاب يمكن أن يصنف على أنه خطاب الوعي بتوظيف الاختلاف وبإمكانات المرأة غير الجسدية، تكون فيه فاعلا وموضوعا في آن.
وقالت “الصمادي” إن مصطلح الأدب النسوي يتخذ من تحرير المرأة وتحسين أوضاعها والسعي نحو إثبات هويتها هدفا أساسيا وأصيلا، موضحة أن إسهام الكاتبة العربية في سياق الأدب النسوي كان جيدا من حيث كسر التابوهات فقدمت إدانة واضحة وصريحة لواقع المجتمع.

تمثيلات السرديات
وقدم الدكتور عماد عبداللطيف أستاذ اللغة العربية بجامعة قطر ورقة حملت عنوان “تمثيلات السرديات الكبرى دراسة في بلاغة الرواية العربية المعاصرة”، أوضح خلالها أن السرديات الكبرى تُشكّل في حياة البشر موضوعا أثيرا للحكي، وفضاءً رحبًا للكتابة الروائية. ويتقاطع مفهوم السرديات الكبرى مع مفهوم الأنساق التاريخية أو الفكرية أو الدينية أو الاعتقادية التي تصوغ رؤية شاملة للعالم. لافتا إلى أن مصطلح السرديات الكبرى يشير إلى حكي الأحداث الكبرى التي يتقاطع فيها المتخيل مع التاريخي؛ مثل الحروب الأهلية والاحتلال والهزائم الوطنية والعبودية.
وبسط الدكتور عبداللطيف خلال حديثه سؤالين هما: ما أشكال العلاقة بين السرديات الكبرى والصغرى في المتن الروائي المدروس؟ وما أثر التقنيات البلاغية والسردية في المعالجة الروائية للسرديات الكبرى، وبخاصة سرديات الحروب؟
وأشار إلى أن البحث يدرس أربعة أنواع من تمثيل السرديات الكبرى، هي تمثيلات الحرب الأهلية، تمثيلات الهزائم الوطنية، تمثيلات الاحتلال العسكري، تمثيلات التمييز مشيراً إلى أن البحث حاول دراسة تمثيلات بعض السرديات الكبرى في نماذج من الرواية العربية.

العتبات وخطاب المتخيل
في حين تحدث الدكتور والناقد الجزائري حبيب بوهرور عن “العتبات وخطاب المتخيل في الرواية العربية”، ليتناول مستويات تشكل خطاب المتخيل ضمن شبكة من العلاقات في المتن الروائي بالوقوف عند مجموع العتبات النصية المدعمة لنسيج النص الروائي المعاصر، معتبرا هذه العتبات والنصوص الموازية بمثابة خطابات مضمرة ومعلنة تسهم في تأسيس نوع من وسائط المثاقفة على أساس أن الخطاب الروائي المعاصر هو خطاب نخبوي يتوجه نحو البحث في كيفيات التلقي والتأويل ويسعى لتحقيق مجموعة من المخرجات الجمالية والبلاغية والأيديولوجية المدركة بفعل القراءة والتلقي عند طبقة النخبة المثقفة.
حاول الباحث طرح وتفصيل الإجابات عن جملة من التساؤلات من مثل: كيف تتمثل رواية ما بعد الحداثة أدوات كتابتها؟ وهل هناك علاقات لتلك الأدوات بمحتوى المنتج الإبداعي؟ وهل تتعدد الخطابات في المتن النصي الواحد بتعدد أدوات الكتابة وغيرها.

الهويات الضائعة
من جهته قدم الناقد الدكتور محمد الشحات، الأستاذ بجامعة قطر ورقته البحثية عن “الهويّات الضّائعة في عالم ما بعد الاستعمار: قراءة ثقافية في الرواية العربية الرّاهنة”، حاول من خلالها تتبّع تحوّلات مفهوم “الهويّة” الذي تعرّض للكثير من التغيّرات والتبدّلات والانزياحات المتتالية، خصوصًا في السنوات الأخيرة بعد تراكم مقاربات النقد الثقافي وتجذر وعي نقدي وفكري جديد أسهمت في إرسائه دراسات ما بعد الكولونيالية ونظريات تحليل الخطاب؛ وذلك من خلال فحص عدد من نصوص الرواية العربية الراهنة.
وأكد “الشحات” : أن إفراز الرواية العربية الجديدة تمثيلات شتى للهوية يعكس وعي الروائي العربي المعاصر بأزمة الهوية التي تعاني وضعا إشكاليا متصلا بطبيعة عالم ما بعد الاستعمار، بقيمه وتحولاته ومراوغاته الخطابية وتحيزاته وممارساته، حيث تتعرض الذوات العربية للكثير من عوامل الضغط وممارسات عدة من الإقصاء والتهميش الذي يدفعها إما إلى الانغلاق على الذات أو الهجرة إلى أوطان بديلة أو الخضوع القسري لأشكال متباينة من الهيمنة والطغيان والقمع والاستبداد الذي يمارسه أبناء المجتمع الواحد على بعضهم البعض. ومع ذلك فهناك مرويات عربية تصبو إلى عالم عربي جديد يخرج من متاهة لعبة ما بعد الاستعمار، ويدرك مدى تعقيد خطط الإمبريالية المقنعة بخطابات التحرير والتنوير والاستقلال، ويعي خطورة ممارساتها المراوغة، أملا في عالم وضاء بقيمتي الحرية والعدل.

إلى الأعلى