الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “تمبكتو” .. الإرهاب يطارد ألحان الموسيقى ولعب الكرة عبر الصحراء
“تمبكتو” .. الإرهاب يطارد ألحان الموسيقى ولعب الكرة عبر الصحراء

“تمبكتو” .. الإرهاب يطارد ألحان الموسيقى ولعب الكرة عبر الصحراء

لا شك أن الإرهاب الذي تمارسه التنظيمات الارهابية كـ” القاعدة ” و” داعش ” أدخل العالم مرحلة شديدة الخطورة في تأثيره على الأمن والسلم العالميين، فمع الخطر الذي تمارسه تلك الجماعات المتطرفة الارهابية ، من جرائم للقتل ونهب وسلب واستيلاء على ثروات الاخرين بقوة السلاح والموت والتفجير والتشريد لكل من يقف في وجهها ، بالاضافة الى محو الاثار التاريخية ، بات العالم اجمع مهدداً ومعرضاً لخطر هذه الآفة.
مدينة تمبكتو أو “جوهرة الصحراء” كما يطلق عليها ، الواقعة شمال مالي ، لم تنج ايضا من خطر تلك التنظيمات الارهابية وما صاحبها من افكار متطرفة ، فمازالت حتى وقتنا هذا ، تعمل على استعادة ملامحها القديمة عبر إعادة ترميم تراثها المُدمّر، وخاصّة أضرحتها الشهيرة التي هدّمتها مليشيات مسلحة تابعة لـ” القاعدة ” في المغرب العربي ، خلال فترة احتلالها للمدينة بين أبريل 2012 ويناير 2013 . وتقود اليونسكو، مشروعا كبيرا لإعادة ترميم وبناء جزء كبير من التراث الثقافي والتاريخي للمدينة الروحية التى تعد من أهم العواصم الاسلامية في غرب أفريقيا والمدرجة ضمن لائحة التراث العالمي للإنسانية.
وكانت ” القاعدة ” دمرت 14 من بين 16 ضريحا لأولياء الله الصالحين بالمدينة المعروفة بكونها مدينة الـ 333 وليا ، فضلا عن إلغاء جميع أشكال التصوّف الطرقي السائد هناك.
المخرج الموريتاني عبدالرحمن سيساكو، اصطحبنا معه عبر عدسات كاميراته في رحلة الى جوهرة صحراء أفريقيا، لنشاهد كيف عانت تمبكتو ويلات الارهاب ، والحكم الاستبدادي المتطرف الذي فُرض على سكانها انذاك .
تمبكتو (Timbuktu) أو شجن الطيور، هو فيلم موريتاني درامي لعبدالرحمن سيساكو الذي اشتهر بأعماله السينمائية التي تتناول الصعوبات التي يلاقيها الأفارقة من فقر وهجرة وبطالة وفراغ وإرهاب، ومنها ” Bamako” عام 2006 ، “Waiting for Happiness ” عام 2002 و ” Life on Earth ” عام 1998 .
وتمكن سيساكو في فيلم تمبكتو من طرح قضية هامة تمس كل أفريقيا والعالم في الوقت الحالي حيث سيطرة الفكر المتطرف، وهو مأخوذ عن وقائع حقيقية في عدد من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
يصور لنا المخرج الموريتاني كيف تحولت المدينة التي كانت حاضرة الدنيا وشاغلها على مدى عدة قرون، إلى مدينة شبه خاوية إلا من سكانها الذين آمنوا بقدرهم، حينما عصفت الحياة الاقتصادية، وخلال أيام، انتشر التطرف والجهل والمنظمات التي حملت راية الارهاب وحولت الشمال الأفريقي وعدداً من دول الساحل، خصوصاً مالي، إلى ساحة حرب، وفرضت السيطرة عبر كوادر تجمعت من العديد من المسلحين من أنحاء العالم.
الفيلم من بطولة الممثل المالي إبراهيم أحمد في دور ” كيدان ” متزوج من ” ساتيما ” التى تجسد دورها الممثلة تولو كيكى، وابنته ذات العشر سنوات ” تويا ” التى قدمت أداءً متميزا ومؤثرا للغاية، وشارك فيه نجوم من تونس والعديد من الدول الأفريقية.
” تمبكتو” رُشح لأوسكار الفيلم الأجنبى الأخير، وهو اول فيلم موريتاني يرشح للفوز بتلك الجائزة، ورُشح أيضا للسعفة الذهبية بـ” كان” ، وحصل على 7 جوائز من جوائز سيزار الفرنسية الشهيرة، ورغم ذلك فإنه لا يتجاوز تقدير جيد فنيا، بسبب عدم اعتماده على رؤية روائية واضحة، وغرق فى حالة سينمائية بصرية تحتفى بالمكان “الصحراء” ، حيث اننا كمشاهدين سنرى الصحراء حاضرة بقوة، ليست مجرد مساحات من الرمال الصفراء، بل منزل كبير واسع جميل يعيش فيه أهله حياة آمنة.
تكمن أهمية الفيلم فى موضوعه، فالممثلون، افتقر بعضهم للخبرة، حيث (لا أعلم أحدا منهم) كما أن إيقاع الفيلم بطيء فى أحيان، يعود هذا إلى استغراق المخرج فى استخدام الكاميرا بعين وثائقية، وهو مخرج وثائقى فى الأصل، كان لدى الفيلم كثير من الوقت والمساحة لسرد تاريخ الشخصيات.

أحداث

يبدأ الشريط باستعراض قوي لعناصر القاعدة في صحراء تمبكتو، حيث يلاحقون برصاص اسلحتهم من عرباتهم التى ترفرف عليها اعلامهم السوداء، الغزلان البرية، ويتدربون على القنص على تماثيل خشبية من التراث الأفريقى، جُمعت من متاحف المدينة التاريخية.
سرعان ما ندخل الى احياء المدينة، ونلتقي بفرق شرطة التنظيم الارهابي، التي انتشرت في الارجاء ، لتقرأ على سكان المدينة لوائحا وقوانينها الصارمة المتشددة، تدخل المساجد بالاحذية وتدنسها، وتبحث عما هو مخالف مع قواعدها المتطرفة لتزج به داخل سجونها.

كيدان

راع بدوى من الطوارق، يعيش مع زوجته وابنته فى خيمة على أطراف المدينة، لديه 8 بقرات وبضع اغنام، يقوم برعايتهم فتى صغير والذي يذهب في احدى المرات ليسقيهم من بحيرة صغيرة قريبة، فتتعثر احداها بشبكة صياد يدعى ” أمادو ” ويقوم بقتلها بسبب تخريب الشبكة.
يقرر كيدان الانتقام من أمادو، فيقتله بغير قصد، وهو ما يكلفه الحرمان من زوجته وابنته، بعد القبض عليه من “القاعدة” وتطبيق حكم الاعدام عليه بغير محاكمة، حتى انهم منعوا اهله من زيارته خلال فترة سجنه.

حياة تحت الاختطاف

تتبدل الحياة في تمبكتو لتصبح تحت حكم المسلحيين، حياة تحت الاختطاف، السكان يعيشون كرهائن أحكام أفراد هذه المجموعات الغريبة عن المكان وثقافته، أحيانا لا يفهم أعضاء ذلك التنظيم الارهابي أنفسهم بعضهم بعضا، فهم من جنسيات مختلفة، ويتكلمون لهجات ولغات مختلفة، محلية وعربية وأجنبية، يمكن أن ترى فيهم كثيرًا من ” داعش” حاليا .
تتحكم تلك العناصر فى أهل وسكان المدينة، وعاداتهم وسلوكهم بالقوة المسلحة، تحكم على هذا بالجلد، لأنه يعزف الموسيقى، أو يلعب كرة القدم ، وتحكم على آخرين بالموت رجمًا بتهمة الزنى دون شهود أو حتى محاكمة حقيقية.
وجودهم يبدو كغزو، حتى الغزاة فى كثير من الأحيان لا يدمرون التراث، فرق الشرطة التابعة لهم تتجول ليلا تسعى وراء الأبواب وفوق الأسطح تتبع أصوات الموسيقى، لتقبض على العازفين والمستمعين وتقوم بجلدهم.
الاخطر من ذلك أنهم يجندون الشباب في صفوفهم، ويرغمونهم على الاعتراف أمام الكاميرات، بأنهم اصبحوا الان في الطريق الصحيح ، طريق الحق.
يعاني سكان تمبكتو يوما تلو الاخر، من الحكم الاستبدادي والذعر النابع من حكم المتطرفين الذين يزعمون التحكم في ايمانهم ، فاصبحت النساء كظلال وسبايا لديهم. وفي احدى المرات يذهب احد افرادهم للزواج بفتاة لم ترغب منه، فيختطفها ويتزوج بها رغما عنها، وعندما يتصدى لهم شيخ المنطقة، يخبرونه انهم ولاة الارض ويفلعون ما يرونه صحيحا.
ينتقل الفيلم من شخصية لأخرى مراقبا ومستعرضا نماذج من المتطرفين، لكنه يعود فى النهاية للمكان، للصحراء. لم يقدم صورة أفراد هذه الجماعات بشكل نمطى كأشرار، بل أظهرهم أحيانا يتحدثون عن ميسى وزيدان بحماس، أو يقوم حارس منهم بنقل أخبار سجين لزوجته، أو يتسامح الأمير فى لهجة شيخ المنطقة المعادية له ولجماعته ومفهومهم عن الجهاد. السيناريو يبرز المقاومة السلمية والساخرة أحيانا من تحكم ” القاعدة” ، رفض بائعة السمك ارتداء قفازات تتعارض مع طبيعة عملها فى السوق، أو لعب الشباب كرة القدم بدون كرة، لأنها حُرمت عليهم بسبب اعتقاد المتطرفين انها بدعة من بلاد الغرب و لهواً مضراً بروح الجهاد .
يختتم الشريط بمأساة عملية انتحارية قامت بها ساتيما لانقاذ زوجها قبل تنفيذ حكم اعدامه، ولكنها تبوء بالفشل، فيذهب ضحيتها الاثنان فقط، وتبقى ابنتهما وحيدة في يد الجماعات المتطرفة والله وحده اعلم بمصيرها .
“تمبكتو” من الأعمال النادرة التى حاولت تصوير الحياة تحت حكم المتطرفين، تنقل حالة الخوف والتحدى فى مجتمع مسالم يعيش فى الصحراء، أغلب سكانه يعملون فى الرعى والصيد من بحيرة صغيرة قريبة، الحياة بدائية والبشر يتناغمون مع أجواء الصحراء المتقلبة.
نص شديد اللهجة، عبر لغة سينمائية عالية الجودة، ثرية بالمضامين وشديد الوضوح، مشبعة بالشفافية في وصف وتحليل الحالة المعاشية لجوهرة الصحراء المالية تحت سيطرة وهيمنة التنظيمات الارهابية المسلحة وتحركها تحت ستار الدين والشريعة، وتبرير كل شيء بالحلال والحرام وفق مصالح وأهداف شخصية بحتة.
يذكر ان شمال مالي سقط في 2012 في قبضة ” القاعدة”، وطردتها منه جزئيا عملية سرفال العسكرية التي شنتها فرنسا في يناير 2013، وتلتها في أغسطس 2014 عملية برخان التي يشمل نطاق عملها كل منطقة الساحل والصحراء.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى