الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قواعد لعبة الصراع بين واشنطن وموسكو

قواعد لعبة الصراع بين واشنطن وموسكو

جواد البشيتي

” إنَّ “الرعب النووي المتبادل” كان، وما زال، يُمَثِّل الأساس والجوهر في العلاقة المتناقضة بين القطبين؛ فكلاهما يرتبط مع الآخر بكثيرٍ من المصالح الحيوية والاستراتيجية؛ وكلاهما، في الوقت نفسه، في صراعٍ لا يتوقَّف مع الآخر، يَسْتَتِر تارةً، ويَظْهَر طوراً؛ وهذا الصراع يستمدُّ وقوداً له من “نِزاع المصالح”؛ فإنَّ بعضا من مصالح أحدهما لا يمكن الحفاظ عليها إلاَّ من طريق الإضرار بمصالح مهمَّة للآخر؛”
ــــــــــــــــــــــــــــ
كلَّما عصفت أزمة في العلاقة بين واشنطن وموسكو، ولو كانت أقل وزنا من “أزمة القرم”، كَثُرَ الحديث، وفي الإعلام على وجه الخصوص، عن “الحرب الباردة”، لجهة العودة إليها، أو استئنافها؛ مع أنَّ تاريخ العلاقة بين العاصمتين لم يَعْرف شيئا من “الحرب الساخنة”. ويتفرَّع من هذا الحديث حديث آخر، عن “نظام دولي جديد”.
إنَّ التاريخ الواقعي للعلاقة بين واشنطن وموسكو ينصحنا قائلاً: لا تُبَسِّطوا العلاقة بين قُطْبيِّ العالَم، فهي أَعْقَد من تبسيطكم لها؛ ولا تُعَقِّدوها، فهي أَبْسَط من تعقيدكم لها.
“روسيا النووية” هي الآن، وكما كانت من قَبْل، الدولة الوحيدة في العالَم التي في مقدورها إبادة الولايات المتحدة في ساعات معدودة، إنْ هي قرَّرت “الانتحار”؛ وكان جورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي المنهار، قد حذَّر الولايات المتحدة من عواقب سعيها إلى إحراز التفوُّق العسكري الاستراتيجي على بلاده قائلاً: إنَّ أحداً في العالَم لا يُمْكنه منع الاتحاد السوفياتي (أو الاتحاد الروسي الآن) من أنْ يُفَجِّر ترسانته النووية فوق أراضيه!
إنَّ “الرعب النووي المتبادل” كان، وما زال، يُمَثِّل الأساس والجوهر في العلاقة المتناقضة بين القطبين؛ فكلاهما يرتبط مع الآخر بكثيرٍ من المصالح الحيوية والاستراتيجية؛ وكلاهما، في الوقت نفسه، في صراعٍ لا يتوقَّف مع الآخر، يَسْتَتِر تارةً، ويَظْهَر طوراً؛ وهذا الصراع يستمدُّ وقوداً له من “نِزاع المصالح”؛ فإنَّ بعضاً من مصالح أحدهما لا يمكن الحفاظ عليها إلاَّ من طريق الإضرار بمصالح مهمَّة للآخر؛ وكلاهما مُتَّفِقٌ تماماً مع الآخر على “النقطة” التي ينبغي لصراعهما ألاَّ يتخطَّاها مهما اشتد وعَنُف.
بينهما دائماً لعبة تسمَّى “اقتسام، وإعادة اقتسام، النفوذ (العالمي)” بما يتناسب مع كل تغيير كبير في ميزان القوى الدولي؛ إنَّهما، وبعد كل تغيير كبير في ميزان القوى هذا (فهُما لا يمكنهما دائما التحكُّم في القوانين الموضوعية للأحداث العالمية) يسعيان إلى التفاهُم؛ فكلاهما يسعى في “إقناع” الآخر بضرورة أنْ يعطيه، ويتنازل له، بدعوى أنَّ ميزان القوى قد تغيَّر لمصلحته؛ فإذا فشل سعيه، اتَّفَق مع الآخر على “خَوْض الصراع (السافِر الصريح)”. وعمَلاً بهذا الاتِّفاق (الممكن دائماً، والضروري، بين واشنطن وموسكو) يشرع كلاهما يَلْعَب لعبة اختبار القوى مع الآخر، لاعِباً كل ما لديه من أوراق يَظُن أنَّها رابحة. كلاهما يقول للآخر: دَعْنا نخوض الصراع؛ لكن من غير أنْ نسمح لصراعنا بتخطِّي تلك النقطة الحرجة. وبعد زمن يَسْتَنْفِداه في الصراع، وفي تغيير كثيرٍ من الوقائع، كما هي الحال الآن في شبه جزيرة القرم، يَظْهَر ويتأكَّد “الوزن الحقيقي الواقعي” لكليهما، فيُعيد كلاهما السيف إلى غمده، ويجلسان وجهاً لوجه، ليتفاهما ويَتِّفِقا على إعادة اقتسام النفوذ بما يتناسب الآن مع الحقائق الجديدة التي تمخَّض عنها صراعهما المحكوم دائماً بقانون “إلاَّ الحرب النووية”؛ ونحن الآن في هذه الجولة الجديدة من هذا الصراع!
ولعقاب الغرب لروسيا مبادئ أوَّلية، أهمها يكمن في إجابة أسئلة ثلاثة: “كيف يُعاقِب الغرب روسيا من غير أنْ يُلْحِق ضرراً (أو ضرراً كبيراً) بمصالح حيوية له؟”، و”كيف تُسْتَثْمَر العقوبات في حَمْل روسيا على التَّراجُع، أو على قبول تسوية مُرْضية (للغرب)؟”، و”كيف تُؤتي العقوبات ثمارها (الغربية) من غير أنْ تَسْخُن، وتزداد سخونة، الحرب الباردة الجديدة (فتَورُّط الطَّرفين في حربٍ ليس خياراً لكليهما)؟”.

إلى الأعلى