الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التطرف في عقيدة الجماعة وانعكاساته على الفرد في المجتمع والدولة

التطرف في عقيدة الجماعة وانعكاساته على الفرد في المجتمع والدولة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

” .. التمسك بالقانون الهادف لضبط سلوكيات الأفراد وتحريرهم من غريزة سلطة الفرد الهمجية لحساب المجتمع لا يعني إلغاء روحه او التخلي عنها او عدم مراعاة وجود تلك الغريزة في النفس البشرية، فحقوق الإنسان متجددة ومستمرة باستمرار وجوده وتقادمه التاريخي والإنساني والحضاري”

ــــــــــــــ
من المنطقي والبديهي أن الفرد هو المصدر الأصلي والمكون الأول والرئيسي لمفهوم السلطة بمختلف أشكالها عبر التاريخ الإنساني والحضاري،سواء كانت تلك السلطة ذاتية على نفسه او أسرية او مجتمعية ،وحديثا لا زالت سلطة الفرد الحاكم في كثير من الدول تنبع من ذلك الأصل السلوكي الفطري رغم تأطيرها القانوني او الحد من سلطتها وتسلطها في إطار دستوري، ومنبع تلك السلطة هي القوة والتسلط والسلطان كما تعرف في مصطلحات اللغة العربية والتي تنحو من فعل تسلط على الشيء أي احتواه وأحكم القبضة عليه، والسلطة في أصلها قديما ولدت من القوة الجسدية والبدنية أكثر منها قوة ذهنية او عقلية بحيث كان الأقوى جسديا هو السلطة والقوة المتسلطة والمتحكمة والتي تفرض سلوكها ورأيها وأفكارها في كثير من مناحي البيئة المكونة للمجتمع البدائي استنادا إلى قوة الجسد والبدن.
ومع ازدياد أعداد السكان وبروز التكوين المجتمعي، وانقسام تلك التكوينات الإنسانية والاجتماعية لاحقا إلى مجتمعات اكبر واقوى وأكثر تماسكا، ظلت سلطة الفرد الأقوى على تلك الجماعات الصغيرة ولكن في إطار ضيق لحساب الروابط المنضبطة الناتجة عن الحاجة لضبط سلوكيات تلك المجتمعات القائمة على القوة الجسدية في إطار المجتمع والمؤسسة بحجم وشكل البيئة المكونة التاريخية في ذلك الوقت، وهي التي تحدث عنها العالم الألماني كارل ماركس وعرف سلطتها بأنها(السلطة الناتجة عن حصيلة انقسام المجتمع إلى طبقات، أي أن نشوء ما يرتبط بالظاهرات المؤسسية والإيديولوجية الكامنة في أساس الحياة الاجتماعية، ذلك الأساس المتمثل واقعيا بالإنتاج المتزامن مع نشوء الروابط الاجتماعية الرئيسية)، وقد كان ذلك التحول التاريخي والإنساني في مفهوم السلطة هو السبب الرئيسي لانتزاع سلطة الفرد لحساب المجتمع والمؤسسة بهدف التنظيم المناقض للفوضى التي كانت تفرضها قوة الفرد الجسدية او المجتمع القائم على القوة البدنية.
بناء عليه تم انتزاع شيئ او بعض من الحالة السلوكية الفردية والفطرية لشكل السلطة لحساب الحالة الاجتماعية والمؤسساتية،وهذا الانتزاع هو انتزاع ضبط وتنظيم سلوك معين هو السلوك السلبي ألغرائزي” الهمجي” للإنسان من خلال قوانين وأنظمة معينة تهدف الى تحقيق تلك الغاية المطلوبة والمأمولة،فكانت بدايات تراجع سلطة الفرد لحساب المجتمع،وقبول التنظيم والتخلي عن الفوضى والقوة الهمجية لحساب القوانين والأنظمة،فالفرد لا يترك ما يعتقد انه خير الا أملا في خير أعظم او خوفا من ضرر اكبر،ولا يقبل شرا الا تجنبا لشر أعظم منه او أملا في خير اكبر منه.
ونحن هنا لا نعترض على هذا النوع من التوجهات،فهو توجه سليم ولابد منه لضمان قبول ثقافة التنظيم والمشاركة والاندماج واحتواء النزعة المتمردة والانا اللااجتماعية للفرد،والوسيلة الصحيحة للاندماج في الحضارة الإنسانية وتصحيح مسار الغاية،إلا انه وفي الحقيقة بالرغم من ذلك الإطار الايجابي القانوني او الدستوري ولدت مشكلة جديدة نتجت عن تجهيل وعدم اكتراث وتطرف واضح في سن القوانين المنظمة لسلوكيات البشر وخصوصا في جانب النزعة الفردية والسلطة الهمجية للإنسان،او ربما لعدم الإحاطة بانعكاسات الجانب الآخر من معالجة وضبط ذلك السلوك الفردي للسلطة،أي سلوك النزعة البدائية للسلطة والتسلط،حيث انتزعت كذلك الكثير من الميول الغرائزية الايجابية للفرد لحساب ما أطلق عليه بالمؤسسية او الحقوق المجتمعية،بحيث سلب الفرد الكثير من حقوقه الشخصية التي لا يجوز انتزاعها او تهميشها او تجهيلها بشكل كامل في كثير من الأوقات،وفي أوقات أخرى تم احتواؤها تحت تسمية الضبط والقانون،الا انه وللأسف الشديد لم يكن ذلك سوى وسيلة للكبت والقمع ومصادرة الحريات والحقوق الإنسانية دون مراعاة.
لذلك نجد انه – اي الفرد- عاد من جديد للعمل والكفاح من اجل استعادة بعض تلك الحقوق والحريات التي سلبت منه باسم سلطة المجتمع والمؤسسة والقانون في كثير من الأوقات،فارتفع صوته من جديد في مواجهة السلطة الجديدة سواء كانت سلطة مجتمع او دولة او قانون او الفرد الحاكم،وهذا النضال هو من كان السبب وراء وعيه الذي يتغير ويتطور وفق الظروف الاجتماعية،لان السلطة الجديدة التي خضع لها باسم المجتمع وتخلى من اجل راحته وسعادته عن الكثير من حقوقه لم تتمكن من تحقيق السعادة والراحة له،بسبب الفشل الواضح في هندسة القوانين والأنظمة التي يفترض أنها وجدت لضبط سلوكياته وفق قانون الحق والواجب وليس الواجب فقط،وكما يقول رينيه هويغ في كتاب شرق وغرب – حوار في أزمنة معاصرة – اذا كان الإنسان في حاجة الى الجماعة ليس لكي يعيش في أمان فقط،ولكن أيضا لكي يثقف نفسه ويصل الى منطق الروح العليا،لان الجماعة قادرة دوما على إظهار قوة يعجز عنها الفرد منعزلا،فاحترام الجماعة وحمايتها ضروريان له كما ضروريان لكرامة الجميع وسعادتهم وبالعكس،فان على الجماعة ان تنمي وتحمي كرامة الفرد،باحترامها إياه،لذلك ينبغي إدانة كل تطرف في عقيدة الجماعة).
فالتمسك بالقانون الهادف لضبط سلوكيات الأفراد وتحريرهم من غريزة سلطة الفرد الهمجية لحساب المجتمع لا يعني إلغاء روحه او التخلي عنها او عدم مراعاة وجود تلك الغريزة في النفس البشرية،فحقوق الإنسان متجددة ومستمرة باستمرار وجوده وتقادمه التاريخي والإنساني والحضاري،فذلك ما يؤدي الى عودته من جديد الى التطرف والتمرد وكراهية الجماعة والنظام السلطوي الجديد،وهو ما نلفت الانتباه إليه في هذا الطرح،اقصد تأثير وانعكاسات نزعة الإلغاء والتطرف الكامل او قمع فردية الإنسان او طغيان النزعة المجتمعية او سلطة المجتمع والدولة دون مراعاة او قراءة علمية واتزان لعملية تقليص سلطة الفرد لحساب الجماعة او المؤسسة،وهو ما نشاهده على ارض الواقع في كثير من الأحيان على الأفراد وبعض التجمعات في المجتمعات الحديثة،حيث بدأت تبرز حالات التمرد الفردي او الجماعي وتطغى ثقافة العصيان المدني في مواجهة سلطة المؤسسة او المجتمع او الدولة او السلطة الدكتاتورية للحاكم المستبد.
وبالرجوع الى التاريخ نجد ان العامل الأساسي لانهيار المجتمعات والدول وقيام الثورات وحركات التحرر والتمرد والعصيان المدني هو التعسف والدكتاتورية وقمع فردية الإنسان دون مراعاة او اتزان في عملية احتواء النزعة الفردية لحساب المجتمع او المؤسساتية كما جرى على سبيل المثال لا الحصر في الفكر الشمولي السوفيتي في أواخر القرن العشرين من خلال وسائل السيطرة والإخضاع المؤطرة في قوانين ووسائل دكتاتورية وأمنية متطرفة غلب على معظمها عدم المراعاة بين النزعتين الفردية والجماعية او الغرائزية الفطرية والمؤسساتية ،بل وألغت حقوق الفرد بدرجة شبه كاملة تحت شماعة المجتمع والدولة،ونلاحظ عودة قوية ومتطرفة له في القرن 21 في العديد من الدول حول العالم،لذلك وجب ان يكون هناك توازن في القوانين والدساتير الموضوعة لاحتواء تلك العلاقة بين الذات الإنسانية الغرائزية وضرورات التنظيم والمؤسساتية والحد من غريزة النزعة الفردية في البيئة الاجتماعية.
وكما يؤكد ذلك سبينوزا في رسالة اللاهوت من ( ان غريزة السيطرة وإخضاع الآخرين ضرورية لنشوء الحضارة واستقرارها،ولكن وفي نفس الوقت فان التفريط فيها يؤدي الى انهيار تلك الحضارة(،وهذه الحالة كحالة الترف عند ابن خلدون فكما يرى ابن خلدون ان الحضارة لا تنشأ بدون ترف،ولكن الترف الزائد يؤدي كذلك الى انهيار وسقوط الحضارة،عليه ومن هذا المنطلق فإننا نؤكد على ضرورة مراعاة القوانين الموضوعة لاحتواء وتنظيم وتهذيب سلوكيات الفرد في ظل المجتمع والمؤسسة لتلك المعادلة الهندسية الإنسانية والقانونية التي أجد من وجهة نظري ان الغلو والتطرف في استغلالها من ابرز الأسباب التي أدت وتؤدي وستؤدي لاحقا الى مزيد من توسع دائرة التطرف والإرهاب والتعصب وكذلك الى محاولات الفرد للثورات والتمرد والعصيان المجتمعي على السلطة الحاكمة وأنظمته السياسية.
إذا تكمن الحلول التي يمكن أن تطرح لاحتواء وتقليص هذه المشكلة في ضرورة مواءمة ومراعاة القوانين الراهنة للنزعة الفردية بطريقة لا إفراط ولا تفريط ،بحيث تقلص النزعة الفردية بضبطها وتهذيبها في إطار القانون ولكن وفي نفس الوقت تتاح للفرد مساحة مقبولة من وسائل الحرية الإنسانية والحقوق المدنية والتنفيس عن تلك النزعة الفردية بطرق تؤطرها القوانين الإنسانية والمؤسساتية العادلة والحكيمة ،كتوسيع دائرة الحريات الفردية ومشاركة الفرد في بناء حاضره القائم ومستقبله القادم بوسائل إبداء الرأي والمشاركة السياسية والمجتمعية وغير ذلك من الطرق التي يمكن ان يساهم فيها مع حكومته ونظامه السياسي الحاكم في بناء حاضره ومستقبله الشخصي وكذلك في بناء حاضر ومستقبل وطنه،وكل ذلك لن يتحقق بالطبع ما لم يؤخذ بالاعتبار عقلانية الطروحات والقوانين وحكمتها في معالجة حاجات الفرد وطموحاته وآماله ونزعاته في ظل المجتمع والدولة.
وباختصار – فان دمج او صهر النزعة الفردية أللاجتماعية او حرية الفرد الفطرية في إطار المشاركة العامة او ما يطلق عليه بالرأي العام والمشاركة المجتمعية سواء كانت سياسية او غير ذلك من الأشكال المؤسساتية والمجتمعية حيال القضايا الوطنية وغيرها من القضايا التي تلامس حياة الفرد ومستقبله هي وسيلة مناسبة للتنفيس عن تلك النزعة في إطار المجتمع بطرق تحقق نوعا من الاتزان بين قطبين متنافرين وتعيد بعضا من تلك الحقوق والحريات التي سلبت منه باسم المجتمع والمؤسسة،ودفعته في أوقات كثيرة للتمرد على الجماعة والمجتمع والتطرف في أفكاره تجاه أنظمته السياسية الحاكمة.

إلى الأعلى