الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع ..جنيف وهدف إدارة الإرهاب لا القضاء عليه

شراع ..جنيف وهدف إدارة الإرهاب لا القضاء عليه

خميس التوبي

يبدو أن إرادة القوى المكونة لمعسكر المؤامرة تمضي في سكتها المرسومة لها وإن بدت المتغيرات السياسية والميدانية تميل لصالح سوريا وحلفائها، ذلك أن مؤتمر جنيف الثاني الذي هو ليس هدفًا في حد ذاته، أرادت قوى معسكر المؤامرة اتخاذه وسيلة، ليس للوصول إلى حل الأزمة وإنهاء معاناة الشعب السوري، وانما لإدارة الإرهاب بعد إكسابه الشرعية اللازمة وليس القضاء عليه، وطبعًا هذا يتطلب بالضرورة إطالة أمد الأزمة، ولذلك ليس مثيرًا للدهشة إعلان وصول جولتي مؤتمر جنيف إلى حائط مسدود، بل والإعلان عن جولات ثالثة ورابعة وخامسة، ومن الوارد أيضًا الإعلان عن مؤتمرات تحمل مسميات أخرى.
من الطبيعي أن تسلط معظم التحليلات والتعليقات السياسية والإعلامية بخصوص جولتي مؤتمر جنيف الثاني الضوء على محدودية النتائج وانعدامها عمليًّا، ومحاولة استكناه أسباب الوصول إلى انسداد الآفاق وعدم قدرة المتفاوضين على إحداث كوة في جدار المواقف نظرًا لما يحيط المسألة من تعقيدات بالغة، إلا أن القدر المتيقن من حقيقة المشهد لجولتي المؤتمر ـ وهو استثمار معسكر المؤامرة للمؤتمر لتعويض فشله في العمل العسكري المباشر وتعويض تراجعه اللافت في الميدان ـ هناك مجموعة من الدلائل تشير إليه من بينها:
أولًا: استبعاد المعارضة السورية الوطنية من قبل الولايات المتحدة وإصرارها على وفدها فيما يسمى “الائتلاف” والممثل لها ولنفسه في جولتي المؤتمر، وليس بخافٍ على أحد ولاء هذا الوفد وهويته، وذلك لتضمن النقل اللازم والرصين لشروطها وإملاءاتها إلى الوفد السوري الرسمي، فهؤلاء بحكم تربيتهم في دوائر الاستخبارات الأميركية والأوروبية يوفرون الأريحية ولا يثيرون الشك في ولائهم وتبعيتهم لأسيادهم أولًا، وثانيًا أنهم قد تولدت لديهم القدرة على المماطلة والفبركة والتملص من المواقف الحرجة بعدما تلقوا تدريبات مكثفة في لغة الجسد وكيفية إدارة الحوار. وهذا في الحقيقة ينقلنا إلى ما أكده هيثم مناع رئيس هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير السلمية الديمقراطية في المهجر على قناة الميادين أنه في الاجتماع الأخير لما يسمى “أصدقاء سوريا” تم التشديد من قبل مسؤول عربي (لا داعي لذكر اسمه) على أدواتهم وصنيعتهم في ما يسمى “الائتلاف” باستبعاد أي عنصر يثير الشك أو قد يخرج عن دائرة الإجماع وما يريده الأسياد، وبالفعل هذا ما حدث في جولتي المؤتمر. بمعنى آخر، أن هذه الواجهة تم فرضها فرضًا، ما يعني تلقائيًّا عدم الاعتراف بها لا من قبل المعارضة ولا من قبل الشعب السوري. ويبدو أن معسكر المؤامرة مقتنع بذلك، ولكنه يرى أنه قادر على تأسيس أرضية مشتركة بين العصابات الإرهابية وأطياف من الشعب السوري يمكن أن تلعب دورًا في القبول والتسليم بالوفد الأميركي المفاوض والمسمى اصطلاحًا “المعارضة” من خلال شروطه بفك الحصار عن المناطق التي تتحصن بها العصابات الإرهابية، والعزف على وتر الجانب الإنساني بالمطالبة بإدخال المساعدات الإغاثية.
ثانيًا: مطالبة الوفد الأميركي المفاوض بفك الحصار عن المناطق التي تتحصن بها العصابات الإرهابية فقط كما هو حال حمص القديمة، موظِّفًا في تحقيق هذا المطلب ورقة الجانب الإنساني بإدخال المساعدات الإغاثية، وذلك بهدف إمداد عناصر العصابات الإرهابية المتحصنة بالغذاء والدواء والسلاح، وربما يتيح إمكانية تهريبهم. ولعل شهادات المدنيين الذين اتخذتهم تلك العصابات الإرهابية دروعًا بشرية كفيلة بشرح حقيقة الهدف من المطالبة بفك الحصار عن حمص تحديدًا. والمفارقة أن هناك قرى ومدنًا سورية بداخلها مدنيون سوريون تحاصرها العصابات الإرهابية وتمارس بحقهم عمليات تطهير عرقي وطائفي، وتنهب عليهم الحبوب وتحرمهم من أبسط حقوقهم، كما هو الحال على سبيل المثال في عدرا العمالية والنبل وغيرها.
ثالثًا: استماتة بيادق الوفد الأميركي المفاوض في الدفاع عن الإرهاب وعن جماعاته لدرجة نفي المجازر التي ترتكبها العصابات الإرهابية المدعومة من معسكر المؤامرة، وقد تبدى ذلك في جملة من المواقف منها: أولًا: رفض الورقة السياسية التي تقدم بها الوفد السوري الرسمي والتي من شأنها أن تمثل أرضية صالحة وصلبة للبناء عليها، وطريقًا واضح الرؤى والمعالم نحو الهدف المنشود بتحقيق تطلعات الشعب السوري وتجنيبه ويلات الإرهاب وجرائم الحرب التي ترتكبها بحقه العصابات الإرهابية. وكذلك رفض مشروع البيان المقدم من الوفد السوري الرسمي حول مكافحة الإرهاب والذي (مشروع البيان) يؤكد ضرورة التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب والتصدي له بجميع الوسائل لما يشكله من خطر على الأمن والسلم الدوليين استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ولا سيما القرارين 1373 لعام 2001م و1267 لعام 1999م. وثانيًا: محاولة تغيير المصطلح تخفيفًا من الإرهاب إلى العنف، وتقديم أوراق مضادة لأجل ضمان إحباط الورقة السياسية ومشروع البيان حول الإرهاب. وثالثًا: إنكار مجزرة معان التي ارتكبتها العصابات الإرهابية بحق المدنيين العزل والتي راح ضحيتها العشرات، ورفض إدانتها. ورابعًا: الإصرار على بند ما يسمى هيئة الحكم الانتقالي ومجاوزة بند مكافحة الإرهاب.
رابعًا: الإعلان عن صفقات جديدة بأسلحة متطورة أثناء جولتي مؤتمر جنيف الثاني، وبدلًا من أن تتقدم الجهود نحو تحريك المفاوضات باتجاه الحل السياسي، تتم المجاهرة بدعم الإرهاب وعصاباته دون تورع، والإعلان عن إقامة جسر جوي وفتح الحدود للإرهابيين والتكفيريين والمرتزقة الذين تم تدريبهم في دول مجاورة لسوريا، وكذلك الإعلان عن امتلاء مخازن لدول مجاورة بالأسلحة المتطورة والتي تتفاوت بين صواريخ مضادة للطائرات والدبابات وغيرها، وذلك لمواجهة الجيش العربي السوري ومنع تقدمه عن مكافحة الإرهاب ومطاردة عصاباته، ومنعه عن القيام بواجباته الشرعية والقانونية بحماية الشعب السوري من الإرهاب في يبرود أو حماة أو درعا وغيرها.
خامسًا: تواضع أداء الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي إلى سوريا والذي ربما ناتج عن ضغوط تمارس عليه من قبل معسكر المؤامرة أو عن قناعة أو ميل نفسي منه تجاه الوفد الأميركي المفاوض المسمى “المعارضة”، حيث تبدو اقتراحاته وممارساته ليست على مسافة واحدة، فحين يقول الإبراهيمي في ختام الجولة الثانية “آمل في أن تدفع فترة التأمل الحكومة خصوصًا إلى طمأنة الجانب الآخر أنه عندما يتم التحدث عن تطبيق إعلان جنيف أن يفهموا أن على السلطة الحكومية الانتقالية أن تمارس كل السلطات التنفيذية. بالتأكيد محاربة الإرهاب أمر لا غنى عنه”. فهذا يعني أن الإبراهيمي في خندق الوفد الأميركي، ويشجع الانتقائية التي بدا عليها الوفد لبنود مؤتمر جنيف الأول والقفز من بند مكافحة الإرهاب الأول إلى البند المتعلق بـ”الحكم الانتقالي”.
الخلاصة، هي أن مؤتمر جنيف الثاني بجولتيه بقدر ما كشف المنافقين والمتاجرين بحقوق الشعب السوري وفضح تجار الحروب، بقدر ما كشف نياتهم وأحقادهم وكراهيتهم لسوريا وشعبها وتصميمهم على الإرهاب وإدارته ورفض القضاء عليه.

إلى الأعلى