الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حملة جيسي جاكسون التحولية عام 1984

حملة جيسي جاكسون التحولية عام 1984

”قبل عام 1984، لم تكن هناك أي حملة وطنية تعترف في أي وقت مضى بالعرب الأميركيين ككتلة انتخابية، ولا كان هناك من يتودد لطلب دعمهم. فقط كان هناك بعض التواصل مع الأميركيين من أصل لبناني أو سوري، ولكن عندما نظمنا أنفسنا كتجمع عربي أميركي، كان رد فعل السياسيين مخجلا، متراوحا بين رفض تأييدنا لهم أو إعادة مساهماتنا .”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سافرت الأسبوع الماضي إلى مدينة نيويورك لإلقاء كلمة في حفل إحياء الذكرى الـ 30 لحملة جيسي جاكسون الرئاسية عام 1984، حيث كانت فرصة للتفكير في التحولات السياسية الكبيرة التي حدثت بفضل تلك الحركة التاريخية.
أتذكر اليوم، قبل ثلاثين عاما، عندما اتصل بي جاكسون وطلب مني أن أعمل معه في لجنة حملته للانتخابات الرئاسية، وعندما ذكرت له انني لدي بالفعل وظيفة بدوام كامل كمدير تنفيذي للجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز، والتي كنت قد شاركت في تأسيسها قبل أربع سنوات، أجاب قائلا: “قم بتلك المهمة، وسوف تكون قادرا على العمل لصالح مجتمعك في الأشهر الأربعة المقبلة، بما هو أكثر مما كنت تقوم به في السنوات الأربع الماضية ” .
عندما قبلت التحدي، وأصبحت احد نواب مديري حملته الانتخابية، أدركت حقيقة توقعاته. فقد كان من نتائج حملة جاكسون لعام 1984 أن حصل العرب الأميركيون لأول مرة على فرصة لتنظيم أنفسهم، وترسيخ أقدامهم باعتبارهم كتلة انتخابية وطنية .
قبل عام 1984، لم تكن هناك أي حملة وطنية تعترف في أي وقت مضى بالعرب الأميركيين ككتلة انتخابية، ولا كان هناك من يتودد لطلب دعمهم. فقط كان هناك بعض التواصل مع الأميركيين من أصل لبناني أو سوري، ولكن عندما نظمنا أنفسنا كتجمع عربي أميركي، كان رد فعل السياسيين مخجلا، متراوحا بين رفض تأييدنا لهم أو إعادة مساهماتنا .
ما فعله جاكسون كان جديدا. لقد جعل مجتمعنا فخورا بتحديد نفسه كعرب أميركيين، ورحب بنا في حملته المسماة ائتلاف قوس قزح. ما زلت أذكر الإثارة التي تولدت عن هذه الحملة. ففي جميع أنحاء الولايات المتحدة أقبل العرب الأميركيون على حملة جاكسون؛ وسجلوا ناخبين جددا، وتبرعوا بالمال، واحتشدوا للإقبال على التصويت في يوم الانتخابات .
لم يقتصر تأثير جاكسون على أن يكون مصدر إلهام للمجتمع فحسب، بل انه كان منبرا لاهتماماتهم. فلم يحدث من قبل أن أثيرت قضايا الدولة الفلسطينية، وسيادة لبنان، والحقوق المدنية للعرب الأميركيين، وضرورة مكافحة القوالب النمطية السلبية، والتمييز ضد الناس من أصول عربية في المناقشات الوطنية أو تم تناولها من على منصة مؤتمر وطني لأحد الأحزاب الكبيرة.
الأهم من ذلك، استمر الحراك الذي أحدثته حملة جاكسون حتى عام 1985 وبعده، إذ انتخب العرب الأميركيون أربعة مندوبين إلى المؤتمر الوطني الديمقراطي في عام 1984، وبحلول عام 1988 ، نما الوفد إلى 55 عضوا، و ظل عند هذا المستوى منذ ذلك الحين؛ وتواصل تسجيل الناخبين كذلك. فقد أصبح في ديربورن ، التي كان أقل من 1000 ناخب عربي أميركي مسجلا في عام 1984 ، الآن أكثر من 14000 ناخب. وانتقل العرب الأميركيون من الترشح كمندوبين للترشح لشغل وظائف حكومية وقيادة أحزاب سياسية حتى صار في تسع ولايات عرب أميركيون الآن بمثابة قادة أحزاب ويشغلون وظائف عامة على جميع المستويات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وينسب الفضل إلى حد كبير لحملة جيسي جاكسون في عام 1984 أن أصبح ينظر إليهم باعتبارهم جزءا أساسيا ومعترفا به من النسيج السياسي الأميركي.
بطبيعة الحال، فإن حملة جاكسون حققت إنجازات أكثر من ذلك بكثير، إلا أن أهمها هو تمكين الناخبين الأميركيين من أصل أفريقي، وفي نفس الوقت حشد ائتلاف سياسي تقدمي واسع استطاع إثارة مجموعة من القضايا التي كانت حتى ذلك الحين يتم تجاهلها في النقاش الوطني .
لقد كان جزءا أساسيا من استراتيجية جاكسون في عام 1984 زيادة تسجيل الناخبين الأميركيين من أصل أفريقي في المراكز الحضرية الرئيسية في الشرق ، والغرب الأوسط ، والغرب وعبر الجنوب. ولقد نجحت هذه الاستراتيجية.
كان من ثمار حملة جاكسون أن أضيف الملايين إلى قوائم الانتخاب، وتمكين الأميركيين الأفارقة والديمقراطيين من الفوز بعدة استحقاقات انتخابية رئيسية في حقبة الثمانينات، وفي السنوات اللاحقة، استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ الأميركي، ففازوا بـ 5 مقاعد في ولايات الجنوب، ويرجع ذلك أساسا إلى إقبال الناخبين الأميركيين من أصل أفريقي. كما تم انتخاب الأميركيين الأفارقة في مناصب سياسية مختلفة، مثل عمدة مدينة نيويورك وحاكم ولاية فرجينيا (أول أميركي من أصل إفريقى ينتخب حاكما في تاريخ الولايات المتحدة ) .
لا يقل عن ذلك أهمية القضايا التي أثارها جاكسون في الحوار الوطني، ومن بينها لأول مرة خلال المؤتمرات الوطنية عامي 1984 و1988 العقوبات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ الالتزام بـ ” عدم البدء باستخدام ” الأسلحة النووية ، والحاجة للاستثمار في المدن والبنية التحتية الأميركية؛ والدعوة لنظام وطني للرعاية الصحية، وتوسيع تمثيل المرأة والأميركيين الأفارقة واللاتينيين، وغيرهم من الأقليات الممثلة تمثيلا ناقصا؛ ومحاربة الإيدز، والتوصل إلى حل الدولتين للصراع الاسرائيلي الفلسطيني.
لن ينسى من شارك منا في تلك الحملة عام 1984 أبدا هذه التجربة. لقد كانت تجربة تاريخية، مليئة بالإثارة، فضلا عن أنها أطلقت العنان لحراك ساعد في تغيير السياسة الأميركية إلى الأبد. ورغم عدم تحقق الكثير من التحديات التي أثيرت في أجندة جاكسون التقدمية عام 1984 حتى الآن، ورغم انه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به. إلا أنه ما من شك في أننا، كأمة ومجتمع، في وضع أقوى وأفضل تجهيزا لمواجهة هذه التحديات نتيجة للعمل الذي بدأ مع جيسي جاكسون قبل 30 عاما.

إلى الأعلى