الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن ..ليبيا إحدى ضحايا “الربيع العربي”

رأي الوطن ..ليبيا إحدى ضحايا “الربيع العربي”

مع تراجع دخان المعارك في قطر عربي وتصاعده في قطر آخر من الأقطار العربية التي هبت عليها عواصف ما سمي “الربيع العربي”، كان الرهان على الوعي “الربيعي” أن يحافظ على كيان القطر وينقل إلى الواقع المُشاهَد، الحلم الذي صورته ماكينات الإعلام الموالية والمتحالفة والداعمة لما سمي بـ” الربيع العربي”، والذي غرسته في مخيلة الجماهير العربية المتطلعة إلى قدر من العدالة والمساواة، إلا أن هذا الوعي في حقيقة الأمر لم يكن حاضرًا بالمرة، وإنما كان مغيبًا تمامًا عن قصد وسبق إصرار وترصد، وبدل أن يواكب الوعي حراكات الجماهير بما يحافظ على سلميتها ويحافظ على القطر موحدًا ويصون فسيفساء مجتمعه بمختلف مكوناته وطوائفه وتوجهاته السياسية والفكرية والدينية، سادت حالة الانجرار وراء الأوهام التي تكاملت في صنعها وتضخيمها القوى الغربية الامبريالية المستعمرة ووسائل إعلامها وبعض القوى العربية والإقليمية الموالية والعميلة لتلك القوى الامبريالية، فكانت النتيجة هي انحراف الحراكات عن مسارها وتحولها إلى حالة فوضى وإرهاب غير مسبوقة، أدت إلى غرق بلدان عربية في مستنقع الإرهاب والفوضى مع غياب واضح ومقصود ـ في بعضها ـ للحلول الوطنية الخلاقة، والإسناد الدولي والإقليمي، وفي بعضها الآخر تتم محاربة الجهود الوطنية الخلاقة من قبل القوى الامبريالية الغربية المستعمرة ذات المصالح والمستفيد الأول والأوحد من انتشار الفوضى والإرهاب.
وبدل أن تراعي الحراكات الجانب السلمي وتعطي حق الاختلاف كواحد من أهم تعبيرات الديمقراطية في إطار الحفاظ على المبادئ والمصالح الوطنية العليا، والتي يدَّعي أصحابها (الحراكات) أن الهدف منها هو إقامة نظام ديمقراطي تعددي وإقامة دولة مدنية حاضنة للجميع، كان ذلك من المحرمات والمحظورات على مطلقي الحراكات ومسيِّريها، بل يجب أن يلتزم كل فرد فيها بالأوامر التي تأتيه، فحق الاختلاف ينبغي أن يُحَدَّ بالرصاصة والقذيفة.
ولذلك ليس مثيرًا للدهشة أن تتحول الحراكات إلى إرهاب يتم إلباسه لبوس “الفوضى الخلاقة”، إذ المبتغى منها هو أن تكون عملية هدم شامل لكامل بنيان القطر العربي، بما لا يسمح بإعادة إعماره وبنائه، بحيث يبقى قطرًا عربيًّا مشلولًا فاشلًا وقابلًا إلى التقسيم.
من المؤسف أن هذا التصور هو الذي كان يدور في مخيلة القوى الامبريالية الغربية الاستعمارية تجاه دول المنطقة في الوقت الذي كانت فيه تتم عملية غرس الأوهام والأحلام الوردية في وعي ومخيلة الجماهير العربية، وتبرز الأوضاع في ليبيا واحدة من الشواهد الدالة على ذلك، حيث كان الاعتقاد السائد والتفاؤل القائم أنه مع تراجع دخان قنابل حلف شمال الأطلسي ستتم إعادة بناء ليبيا ومؤسساتها بوتيرة أسرع بخلاف ما حدث في العراق، وذلك لحجم التعهدات التي قطعها قادة الحلف بعد تدمير ليبيا وإزاحة نظام العقيد معمر القذافي إبان العدوان عليها وأثناءه وبُعيده، إلا أن المستعمرين القدماء ـ الجدد وذيولهم وعملاءهم بعد أن ضمنوا غنيمة النفط الليبي أهملوا ليبيا وتركوها تواجه مصيرها لتتحول إلى دولة فاشلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل إنها أصبحت مصدرًا خطيرًا لعمليات تهريب السلاح والمسلحين والمرتزقة والإرهابيين، بينما تقسيمها إلى كيانات هو المتسيد للمشهد الليبي.
لا أحد يرفض أو يغيظه أن يرى الشعب الليبي وهو يعتلي صهوة الحرية ويعتلي بنيان دولة ديمقراطية متحضرة، وينال كامل حقوقه الدستورية الشرعية حاله كحال بقية الشعوب الديمقراطية الحرة، لكن أن يصبح الشعب الليبي باحثًا عن وطنه ودولته المترامية الأطراف وثروته النفطية الهائلة تصب في مصافي دول الاستعمار، فهذه جريمة تاريخية يتحملها كل من رتب وخطط وشارك فيها.
إن ليبيا بما يعتريها من فوضى وإرهاب تقدم شهادة ذبولها كواحدة من زهرات ما سمي “الربيع العربي” ولتؤكد أنه لم يكن سوى كذبة وأنه في الحقيقة “خريف عربي”.

إلى الأعلى