الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. مجلس الوزراء .. أين حمرة الخجل؟ (13)

شراع .. مجلس الوزراء .. أين حمرة الخجل؟ (13)

خميس التوبي

أستأنف الكتابة عن الشأن المحلي وقضايا المجتمع تحت هذا العنوان، من منطلق الواجب الوطني في الوقوف خلف صانع القرار والمشرِّع في البلد وإعانته، ولكون أن مجلس الوزراء الموقر قبل كل شيء هو مجموعة من البشر يعتريهم ما يعتري غيرهم من البشر، فالخطأ في مقاييس البشر وارد، وسوء التقدير في بعض الأمور حاصل لبشرية الإنسان غير المعصومة، ولكون المجلس لم يتنصل عن مسؤولياته، أو يدس رأسه في الرمال هربًا مما يكتب حتى ولو كان نقدًا موجَّهًا إليه، بل إن تجاوبه مع ما يكتب تجاه كثير من القضايا محل تقدير واحترام، ذلك أن الهمَّ الوطني همٌّ مشترك لا يخص الحكومة وحدها أو شريحة أو قطاعًا من قطاعات المجتمع، فالجميع ركْبٌ على سفينة الوطن تتطلب منهم مسؤوليتهم الوطنية الحفاظ على هذه السفينة والعبور بها إلى بر الأمان.
في الحقيقة لا بد من الاعتراف بأن ما يفرزه الواقع هذه الأيام من آثار سلبية في مسارات التنمية، إنما هو حصاد تراكمات أخطاء الحكومة السابقة، نتيجة غياب الرقابة الصارمة على كل صغيرة أو كبيرة وعلى كل لبنة تضاف إلى بناء التنمية، وكذلك نتيجة غياب الأمانة وموت الضمير لدى بعض مسؤوليها، فضلًا عن إفرازات الظاهرة المتفشية والتي تكاد تكون ميزة خاصة في بلادنا وهي مسألة الجمع بين المنصب والتجارة، وإرساء هؤلاء المسؤولين مناقصات لمشاريع تنموية لشركاتهم ومؤسساتهم إما بطريق مباشر أو على طريقة “اخدمني هناك أخدمك هنا”.
اليوم تطل قضية عدم توفر المياه الصالحة للشرب لتعم تقريبًا أنحاء السلطنة لتطرح تحدياتها أمام الحكومة والمجتمع، بالنظر إلى الانفجارات المتكررة لأنابيب نقل المياه، والانقطاعات المتوالية، والأعطال المتلاحقة لمحطات تحلية المياه، مع التوسع المطرد في العمران والنمو السكاني، وتطرح معها كذلك جدلًا واسعًا بحكم دور المياه الحساس وتعلقها المباشر بحياة الناس، ومن موقع وصفها بأنها شريان الحياة، ولذلك فإن توفير المياه بأسرع وقت وأكثر سهولة من القضايا التي لا تقبل التأجيل. كما أن المساومة أو ممارسة أي نوع من أنواع الابتزاز أو التحايل أمر مرفوض قانونًا وشرعًا.
صحيح أن الجهات المعنية بقطاع المياه لا تقع على عاتقها المسؤولية الكاملة، إلا أن بيع الوقت للقائمين بعمليات التنفيذ لتوفير المياه تجارة رابحة ومثمرة في أبجدياتهم، سواء كانوا مقاولين أو شركات، يدلل على ذلك البطء في عمليات الإنجاز، واستغلال حاجات الناس وظروفهم، وتوظيف الضغوط الشعبية على الحكومة في عمليات مرابحة على النحو الذي جاء على لسان سعادة رئيس الهيئة العامة للكهرباء والمياه بأن شركات منفذة لمحطات لتحلية المياه طلبت التأجيل في عملية التسليم أو التشغيل عن الموعد المحدد، أو على النحو المشاهد من ممارسات الكثير من أصحاب ناقلات المياه بإيصال الصهريج سعة ستمائة جالون إلى خمسين ريالًا وثلاثين ريالًا وعشرين ريالًا حسب درجة الجشع والطمع.
ولما كانت المياه ليست كأي سلعة، وضرورة توفيرها أمر حاسم ولا يقبل التأجيل، إذا لم يرتوِ العطشان اليوم يمكن أن يرتوي غدًا، فإننا نقترح على مجلس الوزراء بحكم موقعه كجهة تشريعية الآتي:
أولًا: إعادة النظر في شبكات المياه المغذية لمحافظة مسقط وبقية المحافظات، وتبني استراتيجية واضحة حيال ذلك، مع فرض رقابة صارمة على المؤسسات المنفذة والمسنِدَة للمشاريع لضمان عدم التلاعب بالشروط والمواصفات الموضوعة من قبل الحكومة، ولضمان عدم الغش في المواد كالأنابيب وغيرها، بحيث تكون على الورق شيئًا وعلى الواقع شيئًا آخر، ولعل الانفجارات الحاصلة الآن وكثرة الانقطاعات في المياه لا يكون سببها تهالك الأنابيب وقدمها، ربما الأسباب راجعة إلى المواصفات ذاتها واحتمالات الغش والتحايل، من حيث السمك ومقاس فتحة الأنابيب، والعمر الافتراضي.
ثانيًا: إن بلادًا كبلادنا ترقد على سواحل تمتد لحوالي ثلاثة آلاف ومئة وخمسة وستين كيلومترًا، وتعاني من شح مياه الشرب أمر مخجل، سواء بالنسبة لنا كمواطنين أو بالنسبة للمقيمين والزوار والسياح بالمقارنة مع دول أخرى لا تمتلك الموقع الجغرافي كبلادنا ولا تشكو من شح مياه الشرب، إذ إن من شأن شيوع ظاهرة شح المياه أن يؤثر على الجوانب الاقتصادية والسياحية، وتراجع نسبة أعداد الزائرين والسياح، كما يؤثر على الاستثمار وتوجهات الراغبين في الاستثمار في بلادنا، ولذلك لا بد من إعادة النظر في تحويل بعض الشواطئ إلى أملاك خاصة، فهي إلى جانب أنها متنفس وواجهة حضارية وسياحية للبلاد، من الأولى أن يقام عليها محطات تحلية مياه بدلًا من تحويلها إلى أملاك خاصة، فعدم وجود المساحة الكافية لإقامة محطات التحلية أو توسعتها وجدت فيه بعض الشركات المنفذة شماعة تعلق عليها سبب شح المياه والتأخر في عملية التسليم.
ثالثًا: تنظيم حملة إعلامية توعوية عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية الأخرى بأهمية ترشيد استخدام المياه والكهرباء وعدم الإسراف في استهلاكهما، مع إمكانية دراسة تخفيض نسبة الدعم أو رفعها كإجراء تنبيهي توعوي لإشعار المستهلكين بقيمة المياه والكهرباء، وأن الإسراف فيهما يحرم الآخرين والأجيال القادمة منهما. كما يجب فرض غرامة على المستغلِّين لحاجة الناس إلى الماء وظروفهم المادية.
رابعًا: تأجيل بعض المشاريع التنموية وخاصة المتعثرة، وتركيز الجهود لمعالجة نقص المياه، والسبل الكفيلة بتوفيرها وضمان عدم انقطاعها.
إن ضعف بعض الخدمات الأساسية وتعليق المواقف غير الخادمة للعمل الوطني واستقرار الأوضاع، والمبتزة لحاجات الناس وأحوالهم، على شماعة الأسباب والأعذار الواهية، يعني أن حمرة الخجل قد اختفت من على الوجوه، بل ومدعاة لبائعي الذمم والضمائر والأوطان للصيد في الماء العكر، وللسذج ومغيبي الوعي، للانتقاص من قيمة المنجزات ومن دور الحكومة والقدح فيها، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، وهنا يأتي دور الجهات التشريعية وأولها مجلس الوزراء والتنفيذية في العمل على اتجاهين: اتجاه التحسين والتطوير وضمان تقديم الخدمة وفق جودة عالية وأحدث المواصفات، واتجاه الإصلاح والتقويم للأنفس والضمائر الخربة.

إلى الأعلى