الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. مسئولية المتقاعدين الوطنية مستمرة مدى الحياة

العين الثالثة .. مسئولية المتقاعدين الوطنية مستمرة مدى الحياة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عندما ينزل الراتب الإجمالي للموظف من قرابة (3000) ريال شهريا الى (1300) ريال عند تقاعده – غانم الدعن أنموذجا مقال سابق – فهل هذه مكافأة له أم عقاب ؟ ولماذا نعاقبهم؟ إذن عندنا مشكلة مع القانون؟ والقانون من وضع البشر، فمشكلتنا إذن معهم، وذلك الراتب الكبير يحصل عليه كبار الموظفين وأقدمهم، فكيف بمرتبات تقاعد الموظفين اصحاب المرتبات المتوسطة؟ بل كيف بأصحاب المرتبات المتدنية؟ الكيفية التساؤلية تقربنا كثيرا لفهم تداعيات الراتب التقاعدي، وتعطينا صورة ناطقة بالدلالات الواقعية التي سوف تنطقها الأرقام لاحقا ، وهنا ينبغي أن نفتح قضية مهمة وهي ، القانون وعلاقته بالبعدين الانساني والوطني – التلازم والشمولية – فمثلا ، هل قانون التقاعد الراهن يعبر عن قيمة المواطن ووفائه لدولته ، وتمسكه بخياراتها وايديولوجيتها ؟ وما حجم المسحة الإنسانية والوطنية فيه ؟
هكذا ينبغي أن تطرح قضية المتقاعدين في بلادنا، وحتى في حالة تطبيق الأوامر السامية بتوحيد منافع صناديق التقاعد وفق نموذج تقاعد ديوان البلاط السلطاني، ستظل قضية المتقاعدين القدامى وحتى اولئك الذين أحيلوا للتقاعد العام الحالي قائمة، والسبب، نفس المشكلة القانونية، وهى أن القانون لا يأتي لخدمة المواطن /الانسان في ماضيه وحاضره ومستقبله، وإنما في الحاضر فقط، لكن، متى سيتم تطبيق الاوامر؟ هذه قضية في حد ذاتها، فمنذ قرابة أربع سنوات يتطلع موظفو الخدمة المدنية الى تطبيقها، ولا يبدو أن هناك افقا زمنيا يمكن الرهان عليه، والسبب دائما المشكلة القانونية، وبسببها، يحال للتقاعد العشرات إن لم يكن المئات سنويا، وكلهم من جيل السبعين، علما بأن قانون التقاعد يفترض أن يكون في حكم التاريخ الآن، لكنه للأسف – وقد تناولناه في مقال سابق – لا يزال يحكمنا، فهو إذن، قانون منتهي صلاحيته السياسية، واي شئ تنتهي صلاحيته يكون له تداعيات كبيرة على الانسان ومحيطه الاجتماعي مباشرة، وهذا ما يحدث فعلا حاليا لجيل ارتبط – شكلا ومضمونا – بنهضة بلادنا الحديثة بمباركته ومساهمته في تأسيسها، بل شكل الارضية الفكرية والنفسية والاجتماعية التي عليها تمكنت سلطتنا السياسية من تنفيذ اجندة التنمية الشاملة، ومن توحيد البشر والتراب والحجر، فكان ينبغي على من ينفذ الأوامر السامية أن يشكله ذلك مبررا كافيا لسرعة تنفيذها، ومبررا بامتياز بإعادة النظر في كل اوضاع المتقاعدين القدامى، فالمرحلة التي ساهموا في تأسيسها، والكثير منهم لا يزال امامهم ما بين (2-3) سنوات قبل أن يغادرونا للتقاعد، كانت فعلا القاعدة الصلبة التي ترسخ الآن مقومات دولة بلادنا العصرية، فهذا الجيل لم يقف مانعا أو ممانعا ضد السلطة الجديدة … ولا ضد توجهات تحديث وعصرنة الدولة، ولا ضد تغليب قوة الدولة على القوى الاجتماعية، كما أن مسئوليتهم الوطنية لن تنقطع، وستظل على مدى الحياة، فهذا الجيل أصبح يورث وفاءه واخلاصه وانتمائه للدولة الحديثة ولبانيها ـ حفظه الله ـ عبر الأجيال، فهل نجزيه على ذلك خير الجزاء أم نعاقبه على وفائه وولائه أشد العقاب ؟ المنفذون للأوامر السامية، إن كانوا لا يعلمون بماهية العلاقة بين هذا الجيل وبين قائد الوطن ـ حفظه الله ـ ، وحجم المشاعر الدائمة والمقدسة الكامنة وراءها، فعليهم أن يعلموها الآن، فبتأخيرهم في التوحيد لمدة اربع سنوات حتى الآن، يسيئون لهذه العلاقة، وعدم شمولية توحيد المنافع على المتقاعدين القدامى أبلغ اساءة، وسوء تقدير، وإن كانوا يعلمونها – وهم يعلمونها – ومع ذلك يتجاهلونها أو يقفزون عليها، فهم بذلك يرتكبون اخطاء تاريخية ليس بحق هذا الجيل فقط ، بل بحق الاجيال، كيف؟ فمن منا اصحاب احادية الدخل، والراتب الشهري حصريا ، من لم يقلقه راتب تقاعده منذ الآن – والأعمار بيد الله – ؟ لن نجد موظفا ابدا خارج نطاق القلق، وقد ذكرها لنا بصوت مرتفع مجموعة من الجيل المخضرمين الذين لم يتبق لهم في الوظيفة الحكومية ما بين (5- 7 ) سنوات ، قالوها في حسرة وأسى على فقدان ما يستحقونه من امتيازات طوال مشوارهم الوظيفي والمهني اثناء احالتهم للتقاعد، والخوف كل الخوف من خروجهم بقانون التقاعد الحالي، وهذه المواقف بما تحملها من مشاعر محبطة من بين الدوافع التي جعلتنا نفتح هذا الجزء الجديد من قضية المتقاعدين المفتوحة، لأن راتب التقاعد الحالي لن يحقق لهم حياة كريمة لهم ولا لأسرتهم، فمن الطبيعي أن تتولد تلك الهواجس، لكن، هل ستنتقل هذه الهواجس الى الجيل الجديد؟ سيكون أمام الجيل الجديد نموذجان من الموظفين، الاول، ظل في وظيفته عصاميا، مركزا على الانتاج ومتفرغا له، ولم يخرج من مشواره الوظيفي سوى براتب تقاعدي هزيل، أكسبه فورا أمراضا كالضغط والسكري والقلب .. وتمكنت منه حتى اختفى بريقه بعدما كان يشغل مساحات كبيرة، والنموذج الثاني، أدخل نفسه في لوبيات ومجموعة علاقات ومصالح داخلية واحيانا خارجية، سواء عن طريق استغلال منصبه أو توظيف وعيه وعلاقاته، فيستوي عنده حتى لو طلع من الوظيفة دون راتب مهما كان حجمه، واصحاب العمارات والعقارات .. أنموذجا – فكيف سيكون خيارات الجيل الجديد؟ سيصيبه خلل في الفكر، وهزة فوقية من العيار الثقيل، وهو يقارن بين النموذجين، وسيحمل ما لا يتحمل المسئولية، وهى الدولة، رغم أن المسئولية تقع على عاتق من شرفوا بتحملها، لكنهم للأسف لم يحاسبوا، ولن … فكيف يمكن أن يستوعب الجيل الجديد الخلل في علاقة الجانبين، وفاء الجيل القديم وعقابهم براتب التقاعد الهزيل ؟ كيف يقبلون وهم يشاهدون بأم اعينهم مستوى العيش الرغيد والرفاهية المطلقة لكل من انتفع من منصبه وعلاقاته، وخرج منها بثروات عينية وغير عينية، قد اصبحت معلومة بعد تقاعده بعد ما كانت مجهولة اثناء خدمته الحكومية، سيفقد هذا الجيل خاصية مقاومة الاغراء الداخلي والخارجي معا ، وما أكثر الاغراءات الخارجية لأهداف غير وطنية، وسيحاجج بمنطق وفاء الجيل القديم والظلم الواقع عليهم ، مشكلتنا مع القانون أنه لا يخدم كل حمولات دولتنا الحديثة، الانسانية والاجتماعية والوطنية، يأتي في حالات كثيرة ضد بعضها بصورة سافرة، وهذه مسئولية القائمين على تنفيذ السياسات والاوامر والتوجيهات، على عكس تجارب مجاورة لنا ، اطلعنا عليها مؤخرا، ولو استمروا على نفس الفكر، فنحن على يقين بأن عملية توحيد المنافع – إن عرفت النور قريبا – سوف تأتي بصورة فورية وليس بأثر رجعي، وهذا جوهر المشكلة، وهى موجودة بصورة عامة، وسوف نجدها في إن لم يكن في كل الأوامر والتوجيهات، حيث تأتي أي الاوامر عامة وشاملة، غير أن القائمين على التنفيذ ينتفونها ويقلصون من بريقها الاجتماعي والوطني.
ولو احتكمنا للغة الارقام، فسوف تنكشف الاوضاع المخيفة جدا التي يعيشها المتقاعدون رغم ان القضية لا تحتاج منا الى اية ادلة ، ووفقا لإحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعدد المتقاعدين المسجلين في صناديق وأنظمة التقاعد والمعاشات في السلطنة حتى نهاية شهر ديسمبر من عام 2012، فقد بلغ عددهم 66217 متقاعدا، مقارنة بعدد 62616 متقاعدا عام 2011 بزيادة قدرها 5.8%، شاملا صندوق تقاعد الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، ومن تلك الاعداد فإن 6701 متقاعدا ومتقاعدة استلموا أقل من 200 ريال كمستحقات تقاعدية، أما أولئك الذين استلموا ما بين 200 ريال وأقل من400 ريال فقد بلغ عددهم 37644 متقاعدا ومتقاعدة، نكتفي بهذه الأرقام التي تعطينا مؤشرا عاما عن اوضاع المتقاعدين في القطاعين الحكومي والخاص ، ونتساءل أخيرا ، هل تعني هذه الأرقام المخيفة شيئا للذين شرفوا بتطبيق الأوامر السامية؟ إذن، الى متى سيظل سيف التقاعد مسلطا على الرقاب ؟ الكرة في ملعبهم.

إلى الأعلى